يحشر مع من يحب

يحشر مَع مِن يحب

صوره يحشر مع من يحب

وقال انس‏:‏ فما فرحِ المسلمون بشىء بَعد الاسلام فرحهم بهَذا الحديث
فانا احب رسول الله وابا بكر وعمر
وارجو ان احشر معهم
وان لَم اعمل مِثل اعمالهم
وكذلِك ‏‏”اوثق عري الاسلام الحب فِي الله والبغض فِي الله”‏‏ لكِن هَذا بحيثُ ان يحب المرء ما يحبه الله ومن يحب الله
فيحب انبياءَ الله كلهم
لان الله يحبهم ويحب كُل مِن علم أنه مات علي الايمان والتقوى
فان هؤلاءَ اولياءَ الله
والله يحبهم كالذين شَهد لَهُم النبي صلي الله عَليه وسلم بالجنة وغيرهم مِن اهل بدر واهل بيعة الرضوان‏.‏

فمن شَهد لَه النبي صلي الله عَليه وسلم بالجنة شَهدنا لَه بالجنة
واما مِن لَم يشهد لَه بالجنة
فقد قال طائفة مِن اهل العلم‏:‏ لا نشهد لَه بالجنة ولا نشهد ان الله يحبه
وقال طائفة‏:‏ بل مِن استفشي مِن بَين الناس ايمانه وتقواه
واتفق المسلمون علي الثناءَ عَليه،كعمر بن عبد العزيز والحسن البصري وسفيان الثوري وابي حِنيفة ومالك والشافعي واحمد والفضيل بن عياض وابي سليمان الداراني ومعروف الكرخي ‏[‏هو ابو محفوظ معروف بن فيروز
وقيل‏:‏ الفيروزان
وقيل‏:‏ علي الكرخي الصالحِ المشهور
وكان ابواه نصرانيين
فاسلماه الي مؤدبهم
وهو صبي
فكان المؤدب يقول له‏:‏ قل‏:‏ ثالث ثلاثة
فيقول معروف‏:‏ بل هُو الواحد
فضربه المعلم علي ذلِك ضربا مبرحا فهرب مِنه‏.

صوره يحشر مع من يحب

‏‏ وكان ابواه يقولان‏:‏ ليته يرجع الينا علي أي دين شَاءَ فنوافقه عَليه‏.‏

فرجع فدق الباب فقيل‏:‏ مِن بالباب ‏؟‏ فقال‏:‏ معروف
فقيل له‏:‏ علي أي دين ‏؟‏ فقال‏:‏ علي الاسلام
فاسلم ابواه
وكان مشهورا باجابة الدعوة
توفي سنة مائتين
وقيل‏:‏ احدي ومائتين
وقيل غَير ذلك‏.‏

‏[‏وفيات الاعيان 5/132-332‏]‏ وعبد الله بن المبارك رضي الله عنهم وغيرهم
شهدنا لَهُم بالجنة؛ لان فِي الصحيح‏ “ان النبي صلي الله عَليه وسلم مر عَليه بجنازة فاثنوا عَليها خيرا فقال:وجبت
وجبت‏‏
ومر عَليه بجنازة
فاثنوا عَليها شَرا
فقال‏:‏ ‏‏وجبت
وجبت‏‏ ‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله
ماقولك‏:‏ وجبت
وجبت‏؟‏ قال‏:‏ ‏‏هَذه الجنازة اثنيتِم عَليها خيرا فقلت ‏:‏وجبت لَها الجنة
وهَذه الجنازة اثنيتِم عَليها شَرا فقلت‏:‏ وجبت لَها النار‏‏
قيل‏:‏ بم يا رسول الله ‏؟‏ قال‏:‏ ‏ بالثناءَ الحسن
والثناءَ السيئ”‏‏.‏ واذا علم هَذا فكثير مِن المشهورين بالمشيخة فِي هَذه الازمان
قد يَكون فيهم مِن الجهل والضلال والمعاصي والذنوب ما يمنع شَهادة الناس لَهُم بذلك
بل قَد يَكون فيهم المنافق والفاسق
كَما ان فيهم مِن هُو مِن اولياءَ الله المتقين
وعباد الله الصالحين
وحزب الله المفلحين
كَما ان غَير المشائخ فيهم هؤلاء‏.‏وهؤلاءَ فِي الجنة،والتجار والفلاحون وغيرهم مِن هَذه الاصناف‏.

‏‏ إذا كَان كذلِك فمن طلب ان يحشر مَع شَيخ لَم يعلم عاقبته كَان ضالا
بل عَليه ان ياخذ بما يعلم
فيطلب ان يحشره الله مَع نبيه والصالحين مِن عباده‏.‏

كَما قال الله تعالى‏:‏ وان تظاهرا عَليه فإن الله هُو مولاه وجبريل وصالحِ المؤمنين‏}‏‏ ‏[‏التحريم‏:‏4‏]‏
وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏‏إنما وليكم الله ورسوله والذين امنوا الَّذِين يقيمون الصلآة ويؤتون الزكآة وهم راكعون ومن يتول الله ورسوله والذين امنوا فإن حِزب الله هُم الغالبون‏}‏‏‏[‏ المائدة‏:‏55-56‏]‏
وعلي هَذا فمن احب شَيخا مخالفا للشريعة كَان معه
فاذا دخل الشيخ النار كَان معه
ومعلوم ان الشيوخ المخالفين للكتاب والسنة اهل الضلال والجهالة
فمن كَان معهم كَان مصيره مصير اهل الضلال والجهالة
واما مِن كَان مِن اولياءَ الله المتقين‏:‏ كابي بكر وعمر وعثمان وعلي وغيرهم
فمحبة هؤلاءَ مِن اوثق عري الايمان
واعظم حِسنات المتقين‏.‏

ولو احب الرجل لما ظهر لَه مِن الخير الَّذِي يحبه الله ورسوله
اثابه الله علي محبة ما يحبه الله ورسوله
وان لَم يعلم حِقيقة باطنه
فان الاصل هُو حِب الله وحب ما يحبه الله
فمن احب الله واحب ما يحبه الله كَان مِن اولياءَ الله‏.

صوره يحشر مع من يحب

‏‏ وكثير مِن الناس يدعي المحبة مِن غَير تحقيق
قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏‏قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكُم ذنوبكم‏}‏‏ ‏[‏ال عمران‏:‏31‏]‏
قال بَعض السلف‏:‏ ادعي قوم علي عهد رسول الله صلي الله عَليه وسلم أنهم يحبون الله
فانزل الله هَذه الاية
فمحبة الله ورسوله وعباده المتقين تقتضي فعل محبوباته
وترك مكروهاته
والناس يتفاضلون فِي هَذا تفاضلا عظيما
فمن كَان اعظم نصيبا مِن ذلك
كان اعظم درجة عِند الله‏.

‏‏ واما مِن احب شَخصا لهواه
مثل ان يحبه لدنيا يصيبها مِنه
او لحاجة يقُوم لَه بها
او لمال يتاكله به
او بعصبية فيه
ونحو ذلِك مِن الاشياءَ فهَذه ليست محبة لله
بل هَذه محبة لهوي النفس
وهَذه المحبة هِي الَّتِي توقع اصحابها فِي الكفر والفسوق والعصيان
وما أكثر مِن يدعي حِب مشائخ لله
ولو كَان يحبهم لله لاطاع الله الَّذِي احبهم لاجله
فان المحبوب لاجل غَيره تَكون محبته تابعة لمحبة ذلِك الغير‏.‏

وكيف يحب شَخصا لله مِن لا يَكون محبا لله
وكيف يَكون محبا لله مِن يَكون معرضا عَن رسول الله صلي الله عَليه وسلم وسبيل الله‏.

‏‏ وما أكثر مِن يحب شَيوخا أو ملوكا أو غَيرهم فيتخذهم اندادا يحبهم كحب الله‏.

‏‏ والفرق بَين المحبة لله والمحبة مَع الله ظاهر
فاهل الشرك يتخذون اندادا يحبونهم كحب الله والذين امنوا اشد حِبا لله
واهل الايمان يحبون ذلك
لان اهل الايمان اصل حِبهم هُو حِب الله
ومن احب الله احب مِن يحبه
ومن احبه الله
فمحبوب المحبوب محبوب
ومحبوب الله يحب الله
فمن احب الله فيحبه مِن احب الله‏.

واما اهل الشرك فيتخذون اندادا أو شَفعاءَ يدعونهم مِن دون الله
قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏‏ولقد جئتمونا فرادي كَما خلقناكم أول مَرة وتركتم ما خولناكم وراءَ ظهوركم وما نري معكم شَفعاءكم الَّذِين زعمتم أنهم فيكم شَركاءَ لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون‏}‏‏‏[‏الانعام‏:‏94‏]‏‏.

‏ وقال الله تعالى‏:‏‏{‏‏وما لِي لا اعبد الَّذِي فطرني واليه ترجعون ااتخذ مِن دونه الهة ان يردن الرحمن بضر لا تغن عني شَفاعتهم شَيئا ولا ينقذون اني إذا لفي ضلال مبين اني امنت بربكم فاسمعون‏}‏‏ ‏[‏يس‏:‏22 25‏]‏ وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏‏وانذر بِه الَّذِين يخافون ان يحشروا الي ربهم ليس لَهُم مِن دونه ولي ولا شَفيع لعلهم يتقون‏}‏‏‏[‏الانعام‏:‏51‏]‏ وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏‏ما كَان لبشر ان يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثُم يقول للناس كونوا عبادا لِي مِن دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون ولا يامركم ان تتخذوا الملائكة والنبيين اربابا ايامركم بالكفر بَعد اذ انتم مسلمون‏}‏‏‏[‏ال عمران‏:‏79-80]‏‏.‏

والله تعالي بعث الرسل وانزل الكتب؛ ليَكون الدين كله لله وقال النبي صلي الله عَليه وسلم فِي الحديث الصحيحِ ‏‏”انا معشر الانبياءَ ديننا واحد‏”‏‏ فالدين واحد وان تفرقت الشرعة والمنهاج قال الله تعالى‏:‏‏{‏‏وما ارسلنا مِن قَبلك مِن رسول الا نوحي اليه أنه لا اله الا أنا فاعبدون‏}‏‏‏[‏الانبياء‏:‏25‏]‏‏.

‏‏ وقال تعالى‏:‏‏{‏‏ واسال مِن ارسلنا مِن قَبلك مِن رسلنا اجعلنا مِن دون الرحمن الهة يعبدون‏}‏‏ ‏[‏الزخرف‏:‏45‏]‏ وقال الله تعالى‏:‏‏{‏‏ولقد بعثنا فِي كُل امة رسولا ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت‏}‏‏ ‏[‏النحل‏:‏36‏]‏‏.‏

ومن حِين بعث الله محمدا صلي الله عَليه وسلم ما يقبل مِن أحد بلغته الدعوة الا الدين الَّذِي بعثه به؛ فإن دعوته عامة لجميع الخلائق قال الله تعالى‏:‏‏{‏‏وما ارسلناك الا كافة للناس‏}‏‏‏[‏سبا‏:‏28‏]‏‏.

صوره يحشر مع من يحب

‏‏ وقال صلي الله عَليه وسلم‏ ‏‏”لا يسمع بي مِن هَذه الامة يهودي ولا نصراني ثُم لا يؤمن بي الا دخل النار‏” قال الله تعالى‏:‏‏{‏‏واكتب لنا فِي هَذه الدنيا حِسنة وفي الاخرة أنا هدنا اليك قال عذابي اصيب بِه مِن اشاءَ ورحمتي وسعت كُل شَيء فساكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكآة والذين هُم باياتنا يؤمنون الَّذِين يتبعون الرسول النبي الامي الَّذِي يجدونه مكتوبا عندهم فِي التورآة والانجيل يامرهم بالمعروف وينهاهم عَن المنكر ويحل لَهُم الطيبات ويحرم عَليهم الخبائث ويضع عنهم اصرهم والاغلال الَّتِي كَانت عَليهم فالذين امنوا بِه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الَّذِي انزل معه اولئك هُم المفلحون قل يا ايها الناس اني رسول الله اليكم جميعا الَّذِي لَه ملك السماوات والارض لا اله الا هُو يحيي ويميت فامنوا بالله ورسوله النبي الامي الَّذِي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكُم تهتدون‏}‏‏‏[‏الاعراف‏:‏156‏ 158‏]‏‏.‏

فعلي الخلق كلهم اتباع محمد صلي الله عَليه وسلم فلا يعبدون الا الله ويعبدونه بشريعة محمد صلي الله عَليه وسلم لا بغيرها قال الله تعالى‏:‏‏{‏‏ثم جعلناك علي شَريعة مِن الامر فاتبعها ولا تتبع اهواءَ الَّذِين لا يعلمون أنهم لَن يغنوا عنك مِن الله شَيئا وان الظالمين بَعضهم اولياءَ بَعض والله ولي المتقين‏}‏‏‏[‏الجاثية‏:‏ 18-19‏]‏ ويجتمعون علي ذلِك ولا يتفرقون كَما ثبت فِي الصحيحِ عَن النبي صلي الله عَليه وسلم أنه قال “‏ان الله يرضي لكُم ثلاثا‏:‏ ان تعبدوه ولا تشركوا بِه شَيئا وان تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وان تناصحوا مِن ولاه الله امركم‏” وعبادة الله تتضمن كمال محبة الله وكمال الذل لله فاصل الدين وقاعدته يتضمن ان يَكون الله هُو المعبود الَّذِي تحبه القلوب وتخشاه ولا يَكون لَها اله سواه والاله ما تالهه القلوب بالمحبة والتعظيم والرجاءَ والخوف والاجلال والاعظام ونحو ذلك‏.

‏ والله سبحانه ارسل الرسل بانه لا اله الا هُو فتخلو القلوب عَن محبة ما سواه ‏[‏بمحبته وعن رجاءَ ما سواه‏]‏ برجائه وعن سؤال ما سواه بسؤاله وعن العمل لما سواه بالعمل لَه وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به؛ ولهَذا كَان وسَط الفاتحة ‏{‏‏اياك نعبد واياك نستعين‏}‏‏‏[‏الفاتحة‏:‏5‏]‏ قال النبي صلي الله عَليه وسلم فِي الحديث الصحيحِ “‏يقول الله تعالى‏:‏ قسمت الصلآة بيني وبين عبدي نصفين فاذا قال‏:‏ ‏{‏‏الحمد لله رب العالمين‏}‏‏ قال‏:‏ الله حِمدني عبدي‏.‏ فاذا قال‏:‏ ‏{‏‏الرحمن الرحيم‏}‏‏ قال‏:‏ اثني علي عبدي واذا قال‏:‏ ‏{‏‏مالك يوم الدين‏}‏‏ قال‏:‏ مجدني عبدي‏.‏ واذا قال‏:‏ ‏{اياك نعبد واياك نستعين‏}‏‏ قال‏:‏ هَذه الاية بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سال واذا قال‏:‏ ‏{‏‏اهدنا الصراط المستقيم صراط الَّذِين انعمت عَليهم غَير المغضوب عَليهم ولا الضالين‏}‏‏ قال‏:‏ هؤلاءَ لعبدي ولعبدي ما سال”‏‏.

‏‏ فوسط السورة ‏{‏‏اياك نعبد واياك نستعين‏}‏‏ ‏[‏الفاتحة‏:‏5‏]‏ فالدين ان لا يعبد الا الله ولا يستعان الا اياه والملائكة والانبياءَ وغيرهم عباد الله كَما قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏لن يستنكف المسيحِ ان يَكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عَن عبادته ويستكبر فسيحشرهم اليه جميعا فاما الَّذِين امنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم اجورهم ويزيدهم مِن فضله واما الَّذِين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم عذابا اليما ولا يجدون لَهُم مِن دون الله وليا ولا نصيرا‏}‏‏‏[‏النساء‏:‏172 173‏]‏ فالحب لغير الله كحب النصاري للمسيحِ وحب اليهود لموسي وحب الرافضة لعلي وحب الغلآة لشيوخهم وائمتهم‏:‏ مِثل مِن يوالي شَيخا أو أماما وينفر عَن نظيره وهما متقاربان أو متساويان فِي الرتبة فهَذا مِن جنس اهل الكتاب الَّذِين امنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض وحال الرافضة الَّذِين يوالون بَعض الصحابة ويعادون بَعضهم وحال اهل العصبية مِن المنتسبين الي فقه وزهد‏:‏ الَّذِين يوالون ‏[‏بعض‏]‏ الشيوخ والائمة دون البعض‏.‏

وإنما المؤمن مِن يوالي جميع اهل الايمان‏.‏

قال الله تعالي ‏:‏‏{‏‏إنما المؤمنون اخوة‏}‏‏ ‏[‏الحجرات‏:‏9‏]‏‏.

‏‏ وقال النبي صلي الله عَليه وسلم “‏المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بَعضه بَعضا وشبك بَين اصابعه‏” وقال‏ “‏مثل المؤمنين فِي توادهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكي مِنه عضو تداعي لَه سائر الجسد بالحمي والسهر‏”‏‏.‏

وقال عَليه السلام‏ ‏‏”‏لا تقاطعوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله اخوانا‏”.

‏‏ ومما يبين الحب لله والحب لغير الله‏:‏ ان ابا بكر كَان يحب النبي صلي الله عَليه وسلم مخلصا لله وابو طالب عمه كَان يحبه وينصره لهواه لا لله‏.‏

فتقبل الله عمل ابي بكر وانزل فيه‏:‏ ‏{‏‏وسيجنبها الاتقي الَّذِي يؤتي ماله يتزكي وما لاحد عنده مِن نعمة تجزي الا ابتغاءَ وجه ربه الاعلي ولسوفَ يرضى‏}‏‏ ‏[‏الليل‏:‏17‏ 21‏]‏ واما ابو طالب فلم يتقبل عمله؛ بل ادخله النار؛ لانه كَان مشركا عاملا لغير الله‏.

‏‏ وابو بكر لَم يطلب اجره مِن الخلق لا مِن النبي ولا مِن غَيره؛ بل امن بِه واحبه وكلاه واعانه بنفسه وماله متقربا بذلِك الي الله وطالبا الاجر مِن الله‏.‏

ورسوله يبلغ عَن الله امَره ونهيه ووعده ووعيده قال تعالى‏:‏ ‏{‏‏فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب‏}‏‏‏[‏الرعد‏:‏40‏]‏‏.‏ والله هُو الَّذِي يخلق ويرزق ويعطي ويمنع ويخفض ويرفع ويعز ويذل وهو سبحانه مسَبب الاسباب ورب كُل شَيء ومليكه‏.‏

والاسباب الَّتِي يفعلها العباد مما امر الله بِه واباحه فهَذا يسلك واما ما ينهي عنه نهيا خالصا أو كَان مِن البدع الَّتِي لَم ياذن الله بها فهَذا لا يسلك‏.‏

قال تعالى‏:‏‏{‏‏قل ادعوا الَّذِين زعمتم مِن دون الله لا يملكون مثقال ذرة فِي السماوات ولا فِي الارض وما لَهُم فيهما مِن شَرك وما لَه مِنهم مِن ظهير ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن اذن له‏}‏‏‏[‏سبا‏:‏22-23‏]‏ بَين سبحانه ضلال الَّذِين يدعون المخلوق مِن الملائكة والانبياءَ وغيرهم المبين ان المخلوقين لا يملكون مثقال ذرة فِي السموات ولا فِي الارض ثُم بَين أنه لا شَركة لَهُم ثُم بَين أنه لا عون لَه ولا ظهير؛ لان اهل الشرك يشبهون الخالق بالمخلوق‏.‏

كَما يقول بَعضهم‏:‏ إذا كَانت لك حِاجة استوصي الشيخ فلان فانك تجده أو توجه الي ضريحه خطوات وناده يا شَيخ يقضي حِاجتك وهَذا غلط لا يحل فعله وان كَان مِن هؤلاءَ الداعين لغير الله مِن يري صورة المدعو احيانا فذلِك شَيطان تمثل له‏.

‏‏ كَما وقع مِثل هَذا لعدَد كثِير‏.‏

ونظير هَذا قول بَعض الجهال مِن اتباع الشيخ عدي وغيره كُل رزق لا يجيء علي يد الشيخ لا اريده‏.

‏‏ والعجب مِن ذي عقل سليم يستوصي مِن هُو ميت يستغيث بِه ولا يستغيث بالحي الَّذِي لا يموت ويقوي الوهم عنده أنه لولا استغاثته بالشيخ الميت لما قضيت حِاجته‏.

‏‏ فهَذا حِرام فعله‏.‏

ويقول احدهم إذا كَانت لك حِاجة الي ملك توسلت اليه باعوانه فهكذا يتوسل اليه بالشيوخ‏.

‏‏ وهَذا كلام اهل الشرك والضلال فإن الملك لا يعلم حِوائج رعيته ولا يقدر علي قضائها وحده ولا يُريد ذلِك الا لغرض يحصل لَه بسَبب ذلِك والله اعلم بِكُل شَيء يعلم السر واخفي وهو علي كُل شَيء قدير‏.

‏‏ فالاسباب مِنه واليه وما مِن سَبب مِن الاسباب الا دائر موقوف علي اسباب اخري وله معارضات‏.‏

فالنار لا تحرق الا إذا كَان المحل قابلا فلا تحرق السمندل واذا شَاءَ الله مَنع اثرها كَما فعل بابراهيم عَليه السلام‏.‏

واما مشيئة الرب فلا تَحْتاج الي غَيره ولا مانع لَها بل ما شَاءَ الله كَان وما لَم يشا لَم يكن‏.

‏‏ وهو سبحانه ارحم مِن الوالدة بولدها‏:‏ يحسن اليهم ويرحمهم ويكشف ضرهم مَع غناه عنهم وافتقارهم اليه ‏{‏‏ليس كمثله شَيء وهو السميع البصير‏}‏‏ ‏[‏الشورى‏:‏11‏]‏‏.‏

فنفي الرب هَذا كله فلم يبق الا الشفاعة‏.‏

فقال‏:‏‏{‏‏ولا تنفع الشفاعة عنده الا لمن اذن له‏}‏‏‏[‏سبا‏:‏23‏]‏ وقال‏:‏‏{‏‏من ذا الَّذِي يشفع عنده الا باذنه‏}‏‏ ‏[‏البقرة‏:‏255‏]‏ فَهو الَّذِي ياذن فِي الشفاعة وهو الَّذِي يقبلها فالجميع مِنه وحده وكلما كَان الرجل اعظم اخلاصا‏:‏ كَانت شَفاعة الرسول اقرب اليه‏.

‏‏ قال لَه ابو هريرة ” مِن اسعد الناس بشفاعتك يا رسول الله ‏؟‏ قال‏:‏‏من قال لا اله الا الله يبتغي بذلِك وجه الله‏”‏‏.‏

واما الَّذِين يتوكلون علي فلان ليشفع لَهُم مِن دون الله تعالي ويتعلقون بفلان فهؤلاءَ مِن جنس المشركين الَّذِين اتخذوا شَفعاءَ مِن دون الله تعالى‏.

‏‏ قال الله تعالى‏:‏‏{‏‏ام اتخذوا مِن دون الله شَفعاءَ قل اولو كَانوا لا يملكون شَيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا ‏}‏‏‏[‏الزمر‏:‏43-44‏]‏ وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏‏ثم استوي علي العرشَ ما لكُم مِن دونه مِن ولي ولا شَفيع‏}‏‏‏[‏السجدة‏:‏4‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏‏ قل ادعوا الَّذِين زعمتم مِن دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا اولئك الَّذِين يدعون يبتغون الي ربهم الوسيلة ايهم اقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه ان عذاب ربك كَان محذورا‏}‏‏‏[‏الاسراء‏:‏56-57‏]‏‏.

‏‏ قال طائفة مِن السلف‏:‏ كَان قوم يدعون المسيحِ والعزير والملائكة فبين الله تعالي ان هؤلاءَ الملائكة والانبياءَ عباده كَما ان هؤلاءَ عباده وهؤلاءَ يتقربون الي الله وهؤلاءَ يرجون رحمة الله وهؤلاءَ يخافون عذاب الله‏.

‏‏ فالمشركون اتخذوا مَع الله اندادا يحبونهم كحب الله؛ واتخذوا شَفعاءَ يشفعون لَهُم عِند الله ففيهم محبة لَهُم واشراك بهم وفيهم مِن جنس ما فِي النصاري مِن حِب المسيحِ واشراك به؛ والمؤمنون اشد حِبا لله‏:‏ فلا يعبدون الا الله وحده ولا يجعلون معه شَيئا يحبونه كمحبته لا انبيائه ولا غَيرهم؛ بل احبوا ما احبه بمحبتهم لله؛ واخلصوا دينهم لله وعلموا ان احدا لا يشفع لَهُم الا باذن الله؛ فاحبوا عبد الله ورسوله محمدا صلي الله عَليه وسلم لحب الله وعلموا أنه عبد الله المبلغ عَن الله فاطاعوه فيما امر وصدقوه فيما اخبر ولم يرجوا الا الله؛ ولم يخافوا الا الله ولم يسالوا الا الله وشفاعته لمن يشفع لَه هُو باذن الله فلا ينفع رجاؤنا للشفيع ولا مخافتنا لَه وإنما ينفع توحيدنا واخلاصنا لله وتوكلنا عَليه فَهو الَّذِي ياذن للشفيع فعلي المسلم ان يفرق بَين محبة المؤمنين
ودينهم ومحبة النصارى
والمشركين ودينهم
ويتبع اهل التوحيد والايمان‏.

‏‏ ويخرج عَن مشابهة المشركين وعبدة الصلبان‏.

‏‏ وفي الصحيحين عَن النبي صلي الله عَليه وسلم أنه قال “‏ثلاث مِن كن فيه وجد بهن حِلاوة الايمان‏:‏ مِن كَان الله ورسوله احب اليه مما سواهما ومن كَان يحب المرء لا يحبه الا لله ومن كَان يكره ان يرجع فِي الكفر بَعد اذ انقذه الله مِنه كَما يكره ان يلقي فِي النار ‏”‏‏.

‏‏ وقال تعالي ‏{‏‏قل ان كَان اباؤكم وابناؤكم واخوانكم وازواجكم وعشيرتكم واموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها احب اليكم مِن الله ورسوله وجهاد فِي سبيله فتربصوا حِتّى ياتي الله بامَره والله لا يهدي القوم الفاسقين‏}‏‏‏[‏التوبة‏:‏24‏]‏ وقال الله تعالى‏:‏ ‏{‏‏من يرتد منكم عَن دينه فسوفَ ياتي الله بقوم يحبهم ويحبونه اذلة علي المؤمنين اعزة علي الكافرين يجاهدون فِي سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلِك فضل الله يؤتيه مِن يشاءَ والله واسع عليم‏}‏‏‏[‏المائدة‏:‏54‏]‏ وهَذا باب واسع ودين الاسلام مبني علي هَذا الاصل والقران يدور عَليه.

  • المرء مع من أحب
  • حديث يحشر المرء مع من يحب
  • صور عن يحشر المرء مع من احب
  • يحشر المرء مع من أحب يوم القيامة
  • يحشر المرء مع من احب
يحب يحشر 130 مشاهده
1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...