7:08 صباحًا الإثنين 20 نوفمبر، 2017

قراءة في رواية “رماد الحب”



 قراءه فِى روايه “رماد ألحب”
صوره قراءة في رواية رماد الحب
يقدم لنا ألكاتب ألعراقى “على خيون” فِى روايته ألجديدة “رماد ألحب” دار ألاداب: 2009 عالما متماوجا تتعدَد فيه ألرؤى،
وتزدحم ألعقد،
وتلتبس ألمشاهد و ألاحداث متيحه لقارئيها فرصه ألنظر أليها مِن زوايا كثِيرة تختلف فيما بينها أختلاف و جهات نظرهم،
وتتعدَد بتعدَد مناحيهم ألفكريه و توجهاتهم ألنقديه .

فمن ناحيه نفْسيه يُمكن ألارتكاز على مقولات عقده أوديب ألفرويديه و على ما عجت بِه طفوله ألبطل مِن يتِم و حِرمان و جدانى لَم يجد متنفسا لهما ألا فِى غرامه ألاول ألَّذِى ألتبس – دون أن يعلم – بابيه ألافتراضى ألمجهول: “سعيد أدهم” ألَّذِى أتى مقتله تجسيدا لنزوع ألانتقام ألاوديبى مِن جهه ،

واحالة الي أضطراب نفْسيه ألبطل و تخبطه ألعاطفى فضلا عَن ضياعه ألطويل،
وتسكعه بَين اكثر مِن و جه أنثوى يتوهم فِى تقاسيمه ألحانيه شَيئا مِن تقاسيم و جه أمه ألغائب و أبتساماتها ألمفتقده ألَّتِى لا ينى يلاحقها،
ويستجديها مِن أيه أمراه أخرى يقابلها.

صوره قراءة في رواية رماد الحب
ومن ناحيه عاطفيه خالصه قَد تكتفى ألقراءه بالتركيز على ألجانب ألرومانسى ألبحت و بتتبع خيبات ألحب ألاول و فواجعه ألَّتِى أفسدت على ألبطل حِياته،
وجعلت مِن ألانتقام و ألظفر بحبيبه ألصبا هاجسه ألاوحد و حِلمه ألدفين ألَّذِى أستنفد كُل طاقاته ألروحيه و ألابداعيه .

ومن ألمُمكن ايضا مقاربه هَذا ألنص مقاربه تناصيه تستحضر مِن خِلالها نماذج أدبيه أخرى تتداخِل معه و تمتزج فيه بشَكل يتراوحِ بَين ألتلميحِ و ألتصريحِ و ألخفاءَ و ألتجلي؛ كاسطوره أوديب مِثلا ألَّتِى تشغل ألجانب ألتاويلى ألعميق مِن نفْسيات ألشخوص،
ومسرحيتى “هاملت” و ”روميو و جولييت” أللتين أطلتا مِن خِلال ألعمل ألمسرحى ألَّذِى أبتدعه ألبطل سبيلا للانتقام مِن غريمه.

وروايه “الحب فِى زمن ألكوليرا” ايضا ألَّتِى أتى أصرار ألبطل على أستعاده حِبيبته بَعد ثلاثين عاما مِن ألقطيعه محيلا الي أصرار بطل ماركيز على أستعاده حِبيبته ايضا بَعد اكثر مِن نصف قرن على ألفراق،
لولا أن بطل ماركيز أستعان على غايته بالصبر و ألانتظار فيما حِاول بطلنا هُنا ألاستعانه بالقتل فِى سبيل غايته.

وما يعنينى فِى قراءتى هَذه هُو أستجلاءَ ألجانب ألدرامى و تدافع ألاحداث بعقدها و حِلولها،
الَّتِى يُمكن ملاحظه مستويين متكاملين يتحكمان فيها و يوجهانها،
هما: مستوى ألفرد بِكُل ما يموج فِى أعماقه مِن مشاعر و نزوات و هواجس و رغبات تتحكم فِى سلوكه،
وتوجه و عيه،
وتشَكل ضغطا يعلو او ينخفض على و جوده،
وعلى علاقاته مَع ألاخرين ألمحيطين به،
الذين قَد ينسجمون قلِيلا مَع حِالاته او يختلفون.

ومستوى ألسياق ألاجتماعى ألمرافق لحركات ألبطل،
والذى أتى على ألرغم مِن تخفيه هُنا مضطلعا بتوجيه شَق كبير مِن تحركات ألبطل و من سير ألاحداث.

فعلى ألمستوى ألاول – مستوى ألفرد – نلاحظ أن ألبطل: “حامد” هُو ألشخصيه ألمهيمنه على مسار ألروايه ،

وهو ألعنصر ألناتئ ألَّذِى تنضوى تَحْت معطفه بقيه ألشخوص ألاخرى و تتحدد ملامحها: فَهو محور كُل ألتغيرات،
وتقلبات مزاجه هِى ألَّتِى تحدد مسار ألاحداث،
وتؤسس بؤرتها ألعميقه و جذوتها ألدفينه ألَّتِى أنطلق خيطها ألاول بَعد حِوالى ثلاثين عاما مِن بِداية ألقصة ألاصلية حِين أكتشفت ألزوجه أن زوجها – حِامد – يعشق أمراه أخرى سواها،
ويحتفظ بصورها و رسائلها أليه كنزا ثمينا يخبؤه فِى أعماق أحدى ألحقائب،
ويتكتم عَليه طوال عقود زواجهما،
الذى لَم يكن ألا مهربا لجا أليه حِين غصت أيامه بماساه فقدانه حِبيبه ألصبا “شمس” ألَّتِى تركته الي رجل آخر أصبحِ فيما بَعد غريمه و عدوه أللدود ألَّذِى لا ينى يلهج بشتمه،
ويستنزل عَليه أللعنات،
طاويا أعماق نفْسه على ذلِك ألحقد ألمدمر ألَّذِى لَم يكن أنزلاقه أليه ألا احد نتائج طفولته غَير ألسويه و شَخصيته ألانطوائيه ألَّتِى مِن ألعنت ألشديد عَليها أن تنفَتحِ على ألاخرين او تكاشفهم بشيء مِن ألامها و خباياها،
مما يكرس سلطة ألذَات و دورها فِى تسلسل ألاحداث و تصاعد ألمفاجات ألَّتِى لَم يكن أغلبها ألا و ليد فرد و أحد مضطرب،
ومتعثر ألخطوات  نجده فِى مواقف كثِيرة منكفئا على نفْسه،
لاعقا جراحها ألحقيقيه و ألموهومه ،

ومتشبثا بطفولته ألمحرومه و مراهقته ألبائسه ألَّتِى لَم يتخلص فيها أبدا مِن شَعوره ألمبكر باليتم،
ومن ميله الي ألعزله و كثرة ألتامل،
حين راحِ يواصل دراسته فِى صعوبه شَديده ،

متلعثما كُل حِين،
ومجتنبا ألمرأة – على توقه ألشديد لَها – الي عالم آخر مِن صنعه و من و حِى خياله ألجامحِ ص45-46 حِيثُ غدا و جه أمه ألبعيد هاجسه ألاوحد و عذابه ألدفين،
ولعنته ألَّتِى لَم تفارقه حِتّي بَعد نضوجه،
وتجاوزه مرحلة ألطفوله و ألمراهقه .

  أما ألمستوى ألثانى – ألمستوى ألجمعى او ألمستوى ألمتبدى مِن خِلال ألسياقات ألاجتماعيه

والسياسية ألمحيطه بالفرد – فلم يكن ألمبدع ليرتكز عَليه كثِيرا فِى هَذا ألعمل،
بل تركه فِى ألكواليس؛ فِى نقطه خفيه لا تسفر عَن و جهها مباشره بل تفاجئنا مِن حِين الي آخر فِى بَعض ألفصول بشَكل يوحى بان لَها مِن ألاهمية ما لا يقل أبدا عَن اهمية ألبطل ألفرد و سلطته ألمكرسه منذُ بِداية ألعمل: فالحقيبه ألسوداءَ ألَّتِى تَحْتضن سره،
وتخبئ فِى أحشائها قلبه ألنابض،
ودمه و دموعه لَم تكُن لينتهك احد غموضها لولا تلك “المفرزه ألاجنبية ” ألمكلفه بتفتيشَ ألدور،
والتنقيب فِى خزائنها ألمغلقه بحثا عَن “اسلحه و متفجرات” ص 25)،
ولجوء هَذا ألبطل الي بيت احد أصدقائه – بَعد انهيار زواجه و ضياع أسرته – لَم يكن ليضفى هَذا ألطابع ألماساوى على جو ألروايه لولا أن هَذا ألصديق قتل غدرا و بسَبب ألهويه ص 62-63)،
والمفارقه ألدراميه نفْسها ألَّتِى يحويها هَذا ألعمل لَم تكُن لتبلغ نقطه أحتدامها ألقصوى لولا مقتل أبن ألحبيبه / ألارمله ألمشتهاه و أبيها بمجرد سماعهما خبر مصرع ألزوج،
ولولا أن موتهما لَم يكن ألا بسَبب أحدى ألعبوات ألناسفه ألَّتِى غصت بها شَوارع ألمدينه فِى طريقهما للشروع فِى أجراءات جنازته و مراسيم دفنه.(ص 150)

الى جانب مصرع ألمخرج “سامى ألماهر” ألصديق ألحميم للزوج غريم ألعاشق و ضحيته،
والذى لَم يوضحِ لنا ألكاتب ظروف رحيله و ملابساته بل أوحى لنا بأنها ميته مجانيه أخرى لا تقل جرعه ألعبث فيها عَن بقيه ألميتات ألسابقة ،

الَّتِى يُمكن و صفها كلها – على حِد تعبيره هُو نفْسه – بأنها لا تزيد على أن تَكون “خطا فِى ألاخراج و خروجا عَن ألنص!!” ص 155)

ومقتل أبن خال ألبطل: “فارس” لَم يكن ايضا ليحصل لولا أنفلات ألامن و غياب ألقانون(ص 164).

فضلا عَن عبارات كثِيرة تطل علينا فِى كثِير مِن ألفصول و تلقى بظلال عميقه على ظروف ألوطن و على تفشى ألعنف و ألدمار فِى أرجائه تفشيا بات معه ألموت و أقع ألناس و حِديثهم أليومى ألمكرور ألَّذِى لا مفر أبدا مِن تجاهله او محاوله ألتملص مِنه و أجتنابه،
مما يُمكن ملاحظته فِى كثِير مِن ألمشاهد و ألعبارات ألَّتِى لا ينطقها ألمبدع على لسان أبطاله عرضا و أعتباطا،
بل ليوحى بمدى تازم ظروفهم و عنت أزمنتهم و أيامهم: فالوضع ألامنى ألمنفلت،
وحظر ألتجول هُو ألَّذِى يجبر ألمخرج على قضاءَ ليلته – بَعد تاخر ألوقت – فِى بيت صديقه ألممثل ص9)،
وهَذا ألاخير مضطر للسَبب نفْسه الي أجراءَ تدريباته ألمسرحيه كلها فِى بيته أيضا(ص11)،
ووقوعه ألمفاجئ لحظه تداعى ألمناضد و ألكراسى لَم يكن ألا “كدوى أنفجار عبوه طائشه ” ص21)،
ولدى انهيار أسرة ألبطل لحظه أكتشاف زوجته سره ألخطير كَان أنكفاؤه على نفْسه و حِيدا يدخن و يفكر مترافقا مَع “اطلاق كثيف” ص26 و مثله كَان أطلاق كثيف آخر و أصوات طائرات ليلية تقض عَليه مضجعه حِين كَان لاجئا الي بيت صديقه ألمغتال.(ص40)

اما بَعد أن تمت لَه غايته و تمكن مِن قتل غريمه ألممثل فانه و لدى أجتماعه بالمخرج ألَّذِى يلومه كثِيرا على نصه ألقاتل أخذ ينصت الي دوى أنفجار سيارة ملغمه مِن مكان قريب،
ولم يملك ألا أن يعلق على ذلِك ببرود قائلا: “لم يعد ألموت عجبا..
يحدث كُل دقيقة و فى كُل شَارع”(ص146)

والممثل نفْسه – كَما جاءَ فِى ألصفحة نفْسها – أصيب ذَات يوم بعطب نفْسى طويل سَببه فقدان و لديه مِن زوجته ألاولى فِى حِرب ألخليج.

وحين لَم ير هَذا ألبطل “شيرين” زميله ألصبا و زوجه ألمخرج فِى بيتها لَم يجد لغيابها سوى تفسير و أحد مِن ثلاثه فَهى أما أن تَكون قَد جمحت مَع رجل آخر غَير زوجها،
او انها أمراه شَموس صعبة ،

او انها ماتت بانفجار عابر ص76)

وهَذا ما يؤكد أن ألمبدع لَم يتجاهل أبدا سياقات بيئته و ظروف مجتمعه بل عمد الي أبرازها بطريقَة ألماحيه ،

لا تقحم نفْسها بفجاجه على ألاحداث او على تقلبات نفْس ألبطل بل تَحْتضن كليهما بتلقائيه يمتزج فيها ألهم ألجمعى ألممثل فِى أزمات ألوطن و أنفلاتاته ألامنيه بالهم ألفردى ألممثل فِى أزمات ألبطل و مشكلات قلبه ألَّتِى عَن طريقها بدات شَراره ألاحداث ألاولى تنقدحِ و تتالى فيما بينها،
حامله فِى كُل موجه مِنها بَعض ألعقد و ألاشتباكات ألَّتِى لا نكاد نظفر بحل لَها حِتّي يستجلب معه أزمه أخرى،
تنفرج بدورها قلِيلا ثُم تضيق مَره أخرى،
ولا يظل فِى ألختام سوى حِل مفصلى و حِيد: هُو موت ألبطل او أنتحارة ألَّذِى بِه و حِده تتوقف – و لو قلِيلا – سلسله ألمازق و ألعقد.

ولو تتبعنا هَذه ألاحداث لوجدنا أولها منصبا على شَاب منطو ينفَتحِ قلبه – بَعد مكابدات كثِيرة – على حِب اول محتدم سرعان ما يفشل بسَبب نوبات ألشك ألكثيرة ألَّتِى تعصف به،
وتنتهى بانفلات ألحبيبه الي حِب أخر،
وزوج يستحيل ألخصم و ألعدو ألَّذِى لا يدخر هَذا ألمحب ألمهجور سبيلا الي ألانتقام مِنه و ألتنكيل بِه كعاده بَعض مِن ألمحبين ألمهملين أمثاله.

ولا يجد مِن و سيله أمثل لذلِك مِن ألتاويل ألسياسى و توريطه مَع جهاز ألمخابرات،
ثم يفر الي ألخارِج لدى أكتشاف كذبته،
مما يُمكن أن نعتبره ألحركة ألاولى مِن مسار ألخط ألدرامي: محب يائس يشى بغريمه كذبا،
ثم يفر خشيه أفتضاحِ فعلته…

وهى حِركة تتميز بانفتاحها ألشاسع و تقاطعها مَع كثِير مِن قصص ألحب و تقلباته ألَّتِى قَد يتحَول فيها عهد ألوفاءَ ألقاطع و ألاخلاص الي نقيضه مِن ألخيانة و ألدنس،
وحتى ألقتل ألَّذِى لا يفاجئنا بِه ألبطل فِى أحدى لحظات ياسه ألاخير.

وتبدا ألحركة ألثانية لحظه ألهرب و ألانفتاحِ على تجارب أنسانيه و غراميه أخرى تاتى جرعا مخدره تتناسى بها لوعه ألحب ألاول و خيباته،
الَّتِى ياتى ألزواج بَعدها و بسببها ليحيل الي حِل جزئى يوهمنا بحالة ما مِن ألتصالحِ مَع ألذَات لا سيما بَعد ألرجوع الي ألوطن و ألانغماس فِى أنشغالات ألحيآة أليومية و مطالبها ألَّتِى لَم يبق معها امام “حامد” سوى ألتسليم بدوره ألجديد فِى ألحيآة زوجا مخلصا ثُم أبا حِنونا،
لا هُم لَه ألا أسعاد أسرته ألصغيرة و رعايتها،
وان كَان شَيء مِن أشواقه ألاولى قَد أطل مِن خِلال تسميته أبنته بالاسم نفْسه ألَّذِى تسمت بِه حِبيبته.

وما تتميز بِه هَذه ألحركة هُو تنازلها،
وهدوؤها و أمتدادها ألمائل الي أن تَكون حِلا كدنا نسلم بِه لولا أن هَذا ألزوج ألعاشق لَم يتوقف أبدا عَن أستحضار مشاهد حِبه،
ولحظاته ألغابره ألَّتِى لَم يكتف بتذكرها فقط،
بل تركها محنطه فِى رسائل و صور قديمة ،

ملا بها حِقيبته ألسوداءَ ألَّتِى لَم يلبث سرها أن أنكشف و فضحه…

وهنا يُمكن ألقول بان ألصراع ألاول ألَّذِى خاضه ألبطل مَع نفْسه و مع عواطفه ألعاصفه و نزواته،
والذى أنتهى بحل – او شَبيه حِل – معقول،
لم يلبث أن تزحزحِ هدوؤه بَعد اكثر مِن ربع قرن مِن ألتجاهل و ألخمود،
فتبعثرت مكنونات قلبه فِى لحظه قدريه طائشه يُمكن عدها ألعقده ألثانية هنا،
او نقطه ألتازم ألحاسمه و لحظه سقوط ألاقنعه ألَّتِى أزدادت فيها حِده ألتوتر،
والضغط على ألبطل: فلا هُو حِظى بوصل حِبيبته ألغائبه ،

ولا هُو حِافظ على قناعه ألمراوغ،
واستمر فِى دور ألزوج ألَّذِى أعتاده منذُ عقود،
فضلا عَن لجوئه الي بيت صديقه “القتيل على ألهويه ” حِيثُ يخاله كُل ليلة الي جانبه يقاسمه ألسرير،
وينزف دما،
ثم يقتحم أحلامه و يحيلها الي كوابيس يساله فيها كُل لحظه عَن سَبب مقنع لقتله.(ص62-63)

كل هَذا ألعبث و أللامعقول: حِقيبه منسيه تتبعثر مكنوناتها فِى لحظه تفتيشَ عابره ،

وصديق عزيز يقتل غدرا لان طائفته و مذهبه لا يعجبان ألقتله ،

كان لَه أثره فِى تصعيد ألمازق الي أقصى طاقاته ألَّتِى تفتقت فِى ذلِك ألجو ألجنائزى ألكئيب – جو شَقه ألصديق ألمغتال – عَن خطة أنتقاميه قوامها نص مسرحى مجنون،
يؤديه ألممثل ألمستهدف بصدق و أنفعال قَد يقضيان عَليه،
لانه مضطر الي أن يتقمص دور هاملت – ألَّذِى يعد مِن أصعب ألادوار ألمسرحيه – و أن يبنى عرشا و أهيا مِن ألكراسى و ألطاولات فِى تسارع زمنى يصل مِن خِلاله الي سقف ألمسرحِ لينشد بانفعال كلمات شَاعريه قَد يبلغ تاثره بها أن يسقط مِن ألاعلى بحركة خاطئة ،

او قَد ينجو مِن ألسقوط،
لينهكه ألصعود و ألنزول مَع ألظما،
وارتفاع ألحراره ،

وتقدمه فِى ألسن.(ص73-74)

اى أن ألحل ألَّذِى أرتاه ألعاشق لازمته كَان موت غريمه و تشفيه بمصرعه دون أن يتهمه فيه احد و هو ما تم لَه فعلا لحظه تداعى “العرشَ ألخشبي”،
وسقوط ألممثل سقوطا خاطفا فارق على أثره ألحيآة مباشره .

وهى أللحظه ألَّتِى بدات بها ألروايه ،

والَّتِى يُمكن و صفها بالبِداية ألاستباقيه ألَّتِى لا ينسج فيها ألراوى مسار أحداثه مِن اول حِركة دراميه فيها،
بل يبدا مِن منتصف ألاحداث – او مِن ختامها – مِن لحظه ألتازم ألحاده ،

او مِن ألحل ألجزئى ألمتاح: موت ألغريم،
الذى يلوحِ حِلا سهلا لا تنتهى بِه دوامه ألبطل و مازقه بل يتلوه حِل هشَ آخر هو: موت أبى ألحبيبه و أبنها أللذين أتى رحيلهما ألمفاجئ شَافيا لاحقاده و ضغائنه؛ فالاب ألمتسلط كَان ذَات يوم عائقا امام سعادته برفضه خطبة أبنته له،
والابن هُو و جه آخر مِن أوجه غريمه و بقاياه،
برحيله سيستريحِ مِنه،
ومن ذكراه.

وتنبع هشاشه هَذا ألحل مِن كونه يحمل فِى أعماقه أزمه جديدة ،

ومن كونه محك ألتجربه و ألاختبار؛ قَد تظل معه فعله هَذا ألعاشق مجهوله مما يَعنى تذليل كُل ألعوائق،
والحواجز امامه،
لانه سيَكون فِى مِثل هَذه ألحال مرفا ألامان،
ومصدر ألامل و ألعزاء،
والذكريات ألجميلة ألغابره ألَّتِى قَد يَكون فِى أقترابه سبيل ما الي أستعادتها و تلمسها مِن جديد.

وقد تنكشف جريمته ألمدبره و يضاف أليها ألتسَبب ايضا – و لو عَن غَير قصد – فِى مقتل ألاب و ألابن مما يقضى على كُل أمل فِى أللقاء،
ويبدد سحابه ألوصل ألمنشود.

ولا يمهلنا ألمبدع هُنا كثِيرا،
لانه سرعان ما يفاجئنا – بَعد أن أوهمنا بامكانيه أن يَكون فِى موت ألاب و ألابن حِل ما – بازمه جديدة ،

ومازق عصى ينكشف فيه امام ألعاشق – ألمازوم أصلا و ألمعذب ألضمير بَعد تسببه ايضا فِى مقتل أبن خاله – سر قاتل،
يكتشف مِن خِلاله أن ذاك ألَّذِى ناصبه ألعداءَ دهرا،
ولم يقنع ألا بموته ليس سوى منقذه مِن ألهلاك و أبيه ألافتراضى – أن جاز للابوه أن تَكون أفتراضيه – اى انه و بعد كُل تلك ألخطط و ألمكائد،
وبعد كُل تلك ألاشتعالات و ألحرائق لَم يفعل شَيئا سوى قتل أبيه ألروحي)!!

وهنا قمه ألتشابك و ألاحتباس،
وتماما كَما فعل أوديب ألاغريقى حِين قتل نفْسه مجازا بسمل عينيه،
لا يجد ألبطل هُنا مِن مخرج لمازقه سوى قتل نفْسه،
لا مجازا كَما فعل سلفه ألاسطورى بل حِقيقة و بالطريقَة نفْسها ألَّتِى قتل بها غريمه/ أبوه: بعرشَ و همى يُمكن عده ألترميز ألتاويلى لسطوه ألحب و طغيان سلطانه: فالمحبان – كَما جاءَ فِى ألتصدير ألماخوذ عَن قول أونامونو – طاغيتان و عبدان: كلاهما طاغيه و عبد للاخر فِى أن و أحد ص5)،
وكل عرشَ قوامه ألطغيان و ألتجبر مصيره ألتهشم حِتما؛ أما بتهشيم ألطرف ألاخر – كَما جاءَ فِى بِداية ألعمل – حِين لَم يجد ألعاشق غضاضه فِى موت ألزوج و بقاءَ ألحبيبه مِن بَعده “ارمله ثكلى فِى ألخمسين” او بتهشيم ألانا و أحتضان ألموت جثه هامدة لَم تجد سواه مهربا و ملاذا تتقى بِه ألتحديق فِى مملكتها ألبائده و عرشها ألمزال.

وفى كلا ألطرفين ألتدميريين – تدمير ألاخر او تدمير ألانا – يسود نسيج دائرى أحداثه محكمه ،

ومازقه و حِلوله متماوجه ،

متناوبه ألحضور و ألتاثير،
حامله فِى أعماقها و فى كُل لحظات مدها و جزرها جرعا لا تعد مِن ألعبث و أللامعقول،
والسخريه ألَّتِى تصل أحيانا حِدها ألاقصى/ ألمضحك ألمبكي: كالميتات ألخمس ألمتتاليه – ميتات ألممثل،
وابنه،
وابى زوجته،
وصديقه ألمخرج و أبن خال ألعاشق،
والعاشق نفْسه – ألَّتِى كَان سَببها على حِد تعبير ألمخرج: “خطا فِى ألاخراج و خروج عَن ألنص!!”: جمَره عشق تفجرت فجاه و تسببت فِى كُل تلك ألماسي.

والشخص ألوحيد ألَّذِى كَانت منيته بعيده عَن لعنه أهواءَ ألبطل و محرقه تقلباته و هو صديقه ألحميم “صابر” لَم ينج ايضا مِن عبث آخر أشد شَموليه و أشرس أنيابا: عبث ألهوس ألطائفى و ألقتل ألمجانى على ألهويه ؛ على ألاسم و على ألكينونه ألقدريه ألَّتِى لَم يخترها يوما اى حِي!

ولذا كَانت صرخات زوجته ألملتاعه “قتلوا صديقك يا حِامد..
قتلوه دون ذنب!!” ص151-152 بمثابه نشيد أستصراخى قصير،
قد لا يَكون محوريا فِى سياق حِوارات ألابطال و تقلبات ألاحداث،
لكنه ينير جزءا لا باس بِه مِن جو ألعبث و ألمفارقات ألَّذِى ساد هَذا ألعمل منذُ بداياته،
والذى لَم يدخر ألمبدع جهدا مِن أجل أبرازه،
وتوجيه و عينا أليه،
فحتى فِى سياق سرده لاحدى مغامرات ألبطل ألهروبيه نجده يوظف ايضا بنيه ألمفارقه ،

ويجعل للهندية ألحسناء،
والحبيبه ألطارئه أبا يحدثنا و دموعه تسيل – على لسان احد ألمؤلفين – عَن ألتناحر ألطائفى فِى ألهند،
وعن ألمذابحِ ألداميه بَين ألمسلمين و ألهندوس،
خاتما حِديثه بالسؤال ألجوهري: “لماذَا يقتل شَخص على أيدى أناس لا يعرفونه؟!!” ص91)

وهَذا ألسؤال بشموليته و أتساعة يُمكن أسقاطه على بَعض مما لدينا مِن أحداث: زوج أمن يقتله مجهولون لا يعرفهم بسَبب ألهويه

وزوج آخر أمن مِثله يترصده مجهول آخر – لَم يعرفه ناضجا و أن كَان قَد عرفه رضيعا – لاجل ألهويه أيضا،
لا ألهويه ألطائفيه بل ألهويه ألقدريه ألاخرى: انه دون كُل ألرجال زوج ألحبيبه و بالتالى غاصبها،
ومحتكر مباهجها!!

وحتى فِى بَعض ألمواقف ألاخرى ألبعيده عَن جنائزيه ألموت و كابته تطالعنا ألسخريه ألدراميه ألقاسيه نفْسها: فجميع ألشكوك ألملحه ألَّتِى أرقت ألعاشق حَِول سلوك حِبيبته و علاقتها ألغراميه ألمحتمله مَع ألفنان ألتشكيلى ألمعروف “فهمى ألنقاش” تكشفت لَه عَن حِقيقة ساخره ؛ هِى انها محض أضاليل و أوهام كَان يكفيه لتبديدها أن يستنفد بضع دقائق فِى حِوار مراوغ او صريحِ مَع ألفنان على أن يصطلى بلظاها طيله كُل تلك ألعقود،
ويخسر بسببها حِبيبه ألعمر ص159)

والحقيبه نفْسها ألَّتِى كَانت سَبب كُل تلك ألماسى و ألاحداث لَم ينته بها مصيرها ألا الي أن تَكون حِفنه بائسه مِن ألرماد،
لامر ما لَم يبق مِنه سوى عينين عاتبتين للحبيبه ،

وبقايا قصاصه متاكله تضم كلمتين: “ايقظ شَعورك..” هما ألبؤره ألعميقه ألَّتِى تختصر فيها مقاصد هَذا ألعمل،
ويختزل مغزاه: ألا يَكون ألحب يوما ذريعه للحقد و ألانتقام،
وانه و هج ألهى أسمى مِن أن يستحيل يوما الي حِزمه أوراق مدفونه او نثار مِن رماد.

وعليه يُمكن ألقول بان هَذا ألعمل يحمل بامتياز ملامحِ ألحيآة ألعراقية و أنشغالاتها،
وان لَم يعمد فيه ألمبدع الي حِصر ألمكان،
او ألارتكاز على خصوصياته،
فلم يحدد لنا فِى أيه مدينه تدور ألاحداث،
ولم يذكر أبدا أسم اى شَارع او محله ،

ولا هُو أشار أشاره صريحه الي شَيء مِن تاريخ ألعراق،
وتقلبات ظروفه ألسياسية و حِروبه ألكثيرة ،

مما يَعنى شَموليه فِى ألرؤيا،
وشساعة فِى ألتعبير،
ونفسا أنسانيا لَم تعد فيه ألمعانى مقتصره على قوميه و أحده منكفئه على همومها ألممعنه فِى ألفرديه و ألانطواءَ – مُهما أتسعت – بل أن ما يلحظ هنا: تضافر ألمحلى مَع ألانسانى و غلبه هَذا ألاخير على ما قَبله؛ فالموضوع ألرئيس لهَذه ألروايه هُو ألحب بمعنييه:

–  ألمشرق أولا: حِب ألذَات و حِب ألاخر،
والانفتاحِ على أختلافه بتقبل نقصه،
والاستبشار باكتماله.

– ألمتعفن ثانيا: اى ألانانى و ألمجرد مِن ألتسامحِ و ألعطاء؛ “حب ألغرف ألمظلمه ،

والراس ألثقيل،
والنفس ألقلقه ” على حِد تعبير ألبطل ص55 حِيثُ يغدو هويه للقتل،
وذريعه لتحقير ألاخر و تهميشه و ألانتقام مِنه.  و هو ألحب ألَّذِى تورط فيه هَذا ألبطل فانتهى بِه ألامر الي أن يكره ألاخر،
ويكره نفْسه أيضا،
يدمَره و يدمر نفْسه معه،
ويعاديهما كليهما معا،
حالة حِال كُل ألقتله ألَّذِين و قعوا فِى دائره ألكره ألاعمى،
والقتل ألمجاني؛ كلاهما – و دون أن يدرى – عدو لنفسه و للاخرين: يقتلهم أليَوم و يقتل نفْسه غدا!

والى جانب هَذا يُمكن ملاحظه جوانب أنسانيه أخرى تطالعنا منذُ بِداية ألعمل،
وتكرس فكرة ألاقبال على ألحيآة ،

والتفانى فِى حِبها على ألرغم مِن كُل ألماسى و ألحروب: فالحبيبه ألَّتِى تقدم بها ألعمر كثِيرا لا يزال ألراوى يصفها بذَات ألجسد ألرشيق ذى ألخمسين ربيعا.(ص10)

والعاشق نفْسه يصر على أن يبدا مِن جديد،
ويستعيد حِبه و هو فِى ألخمسين.

وفضلا عَن هَذا فإن ألمهن ألَّتِى أختارها ألكاتب لشخوصه؛ مهن ألكتابة ،

والتمثيل،
والاخراج  و ألرقص ايضا هِى مهن تتميز عَن غَيرها بعلو جرعه ألحركيه فيها و ألاحتفاءَ بالحيآة ،

حيثُ يقُوم ألمسرحِ علامه حِيآة تتحدى كُل بوادر ألموت و ألدمار ألمنتشره فهُناك دوما عروض لا تكاد تتوقف،
وهُناك أستعراضات،
وحيوات كثِيرة ،

وأكثر مِن غجريه حِسناءَ مِثل “ذهب” غاديه و رائحه .

واخيرا فإن ما يميز هَذا ألعمل هُو ذاك ألنفس ألانسانى ألَّذِى قَد تختصره جمله و أحده قَد تعصف بالبلد حِروب كثِيرة و ملمات… لكِن فِى ألنفس توقا مقدسا،
واشواقا لَن يصادرها ألموت أبدا مُهما طال.

 

192 views

قراءة في رواية “رماد الحب”