قراءة في رواية “رماد الحب”

 قراءة فِي رواية “رماد الحب”
صوره قراءة في رواية رماد الحب
يقدم لنا الكاتب العراقي “علي خيون” فِي روايته الجديدة “رماد الحب” دار الاداب: 2009 عالما متماوجا تتعدَد فيه الرؤى
وتزدحم العقد
وتلتبس المشاهد والاحداث متيحة لقارئيها فرصة النظر اليها مِن زوايا كثِيرة تختلف فيما بينها اختلاف وجهات نظرهم
وتتعدَد بتعدَد مناحيهم الفكرية وتوجهاتهم النقدية.

فمن ناحية نفْسية يُمكن الارتكاز علي مقولات عقدة اوديب الفرويدية وعلي ما عجت بِه طفولة البطل مِن يتِم وحرمان وجداني لَم يجد متنفسا لهما الا فِي غرامه الاول الَّذِي التبس – دون ان يعلم – بابيه الافتراضي المجهول: “سعيد ادهم” الَّذِي اتي مقتله تجسيدا لنزوع الانتقام الاوديبي مِن جهة
واحالة الي اضطراب نفْسية البطل وتخبطه العاطفي فضلا عَن ضياعه الطويل
وتسكعه بَين أكثر مِن وجه انثوي يتوهم فِي تقاسيمه الحانية شَيئا مِن تقاسيم وجه امه الغائب وابتساماتها المفتقدة الَّتِي لا يني يلاحقها
ويستجديها مِن اية امرآة اخري يقابلها.

صوره قراءة في رواية رماد الحب
ومن ناحية عاطفية خالصة قَد تكتفي القراءة بالتركيز علي الجانب الرومانسي البحت وبتتبع خيبات الحب الاول وفواجعه الَّتِي افسدت علي البطل حِياته
وجعلت مِن الانتقام والظفر بحبيبة الصبا هاجسه الاوحد وحلمه الدفين الَّذِي استنفد جميع طاقاته الروحية والابداعية.

ومن المُمكن أيضا مقاربة هَذا النص مقاربة تناصية تستحضر مِن خِلالها نماذج ادبية اخري تتداخِل معه وتمتزج فيه بشَكل يتراوحِ بَين التلميحِ والتصريحِ والخفاءَ والتجلي؛ كاسطورة اوديب مِثلا الَّتِي تشغل الجانب التاويلي العميق مِن نفْسيات الشخوص
ومسرحيتي “هاملت” و”روميو وجولييت” اللتين اطلتا مِن خِلال العمل المسرحي الَّذِي ابتدعه البطل سبيلا للانتقام مِن غريمه.

ورواية “الحب فِي زمن الكوليرا” أيضا الَّتِي اتي اصرار البطل علي استعادة حِبيبته بَعد ثلاثين عاما مِن القطيعة محيلا الي اصرار بطل ماركيز علي استعادة حِبيبته أيضا بَعد أكثر مِن نصف قرن علي الفراق
لولا ان بطل ماركيز استعان علي غايته بالصبر والانتظار فيما حِاول بطلنا هُنا الاستعانة بالقتل فِي سبيل غايته.

صوره قراءة في رواية رماد الحب
وما يعنيني فِي قراءتي هَذه هُو استجلاءَ الجانب الدرامي وتدافع الاحداث بعقدها وحلولها
الَّتِي يُمكن ملاحظة مستويين متكاملين يتحكمان فيها ويوجهانها
هما: مستوي الفرد بِكُل ما يموج فِي اعماقه مِن مشاعر ونزوات وهواجس ورغبات تتحكم فِي سلوكه
وتوجه وعيه
وتشَكل ضغطا يعلو أو ينخفض علي وجوده
وعلي علاقاته مَع الاخرين المحيطين به
الذين قَد ينسجمون قلِيلا مَع حِالاته أو يختلفون.

ومستوي السياق الاجتماعي المرافق لحركات البطل
والذي اتي علي الرغم مِن تخفيه هُنا مضطلعا بتوجيه شَق كبير مِن تحركات البطل ومن سير الاحداث.

فعلي المستوي الاول – مستوي الفرد – نلاحظ ان البطل: “حامد” هُو الشخصية المهيمنة علي مسار الرواية
وهو العنصر الناتئ الَّذِي تنضوي تَحْت معطفه بقية الشخوص الاخري وتتحدد ملامحها: فَهو محور جميع التغيرات
وتقلبات مزاجه هِي الَّتِي تحدد مسار الاحداث
وتؤسس بؤرتها العميقة وجذوتها الدفينة الَّتِي انطلق خيطها الاول بَعد حِوالي ثلاثين عاما مِن بِداية القصة الاصلية حِين اكتشفت الزوجة ان زوجها – حِامد – يعشق امرآة اخري سواها
ويحتفظ بصورها ورسائلها اليه كنزا ثمينا يخبؤه فِي اعماق احدي الحقائب
ويتكتم عَليه طوال عقود زواجهما
الذي لَم يكن الا مهربا لجا اليه حِين غصت ايامه بماسآة فقدانه حِبيبة الصبا “شمس” الَّتِي تركته الي رجل آخر اصبحِ فيما بَعد غريمه وعدوه اللدود الَّذِي لا يني يلهج بشتمه
ويستنزل عَليه اللعنات
طاويا اعماق نفْسه علي ذلِك الحقد المدمر الَّذِي لَم يكن انزلاقه اليه الا أحد نتائج طفولته غَير السوية وشخصيته الانطوائية الَّتِي مِن العنت الشديد عَليها ان تنفَتحِ علي الاخرين أو تكاشفهم بشيء مِن الامها وخباياها
مما يكرس سلطة الذَات ودورها فِي تسلسل الاحداث وتصاعد المفاجات الَّتِي لَم يكن اغلبها الا وليد فرد واحد مضطرب
ومتعثر الخطوات  نجده فِي مواقف كثِيرة منكفئا علي نفْسه
لاعقا جراحها الحقيقية والموهومة
ومتشبثا بطفولته المحرومة ومراهقته البائسة الَّتِي لَم يتخلص فيها ابدا مِن شَعوره المبكر باليتم
ومن ميله الي العزلة وكثرة التامل
حين راحِ يواصل دراسته فِي صعوبة شَديدة
متلعثما كُل حِين
ومجتنبا المرآة – علي توقه الشديد لَها – الي عالم آخر مِن صنعه ومن وحي خياله الجامحِ ص45-46 حِيثُ غدا وجه امه البعيد هاجسه الاوحد وعذابه الدفين
ولعنته الَّتِي لَم تفارقه حِتّى بَعد نضوجه
وتجاوزه مرحلة الطفولة والمراهقة.

صوره قراءة في رواية رماد الحب
  اما المستوي الثاني – المستوي الجمعي أو المستوي المتبدي مِن خِلال السياقات الاجتماعية

والسياسية المحيطة بالفرد – فلم يكن المبدع ليرتكز عَليه كثِيرا فِي هَذا العمل
بل تركه فِي الكواليس؛ فِي نقطة خفية لا تسفر عَن وجهها مباشرة بل تفاجئنا مِن حِين الي آخر فِي بَعض الفصول بشَكل يوحي بان لَها مِن الاهمية ما لا يقل ابدا عَن أهمية البطل الفرد وسلطته المكرسة منذُ بِداية العمل: فالحقيبة السوداءَ الَّتِي تَحْتضن سره
وتخبئ فِي احشائها قلبه النابض
ودمه ودموعه لَم تكُن لينتهك أحد غموضها لولا تلك “المفرزة الاجنبية” المكلفة بتفتيشَ الدور
والتنقيب فِي خزائنها المغلقة بحثا عَن “اسلحة ومتفجرات” ص 25)
ولجوء هَذا البطل الي بيت أحد اصدقائه – بَعد أنهيار زواجه وضياع اسرته – لَم يكن ليضفي هَذا الطابع الماساوي علي جو الرواية لولا ان هَذا الصديق قتل غدرا وبسَبب الهوية ص 62-63)
والمفارقة الدرامية نفْسها الَّتِي يحويها هَذا العمل لَم تكُن لتبلغ نقطة احتدامها القصوي لولا مقتل ابن الحبيبة/ الارملة المشتهآة وابيها بمجرد سماعهما خبر مصرع الزوج
ولولا ان موتهما لَم يكن الا بسَبب احدي العبوات الناسفة الَّتِي غصت بها شَوارع المدينة فِي طريقهما للشروع فِي اجراءات جنازته ومراسيم دفنه.(ص 150)

الي جانب مصرع المخرج “سامي الماهر” الصديق الحميم للزوج غريم العاشق وضحيته
والذي لَم يوضحِ لنا الكاتب ظروف رحيله وملابساته بل اوحي لنا بأنها ميتة مجانية اخري لا تقل جرعة العبث فيها عَن بقية الميتات السابقة
الَّتِي يُمكن وصفها كلها – علي حِد تعبيره هُو نفْسه – بأنها لا تزيد علي ان تَكون “خطا فِي الاخراج وخروجا عَن النص!!” ص 155)

ومقتل ابن خال البطل: “فارس” لَم يكن أيضا ليحصل لولا انفلات الامن وغياب القانون(ص 164).

فضلا عَن عبارات كثِيرة تطل علينا فِي كثِير مِن الفصول وتلقي بظلال عميقة علي ظروف الوطن وعلي تفشي العنف والدمار فِي ارجائه تفشيا بات معه الموت واقع الناس وحديثهم اليومي المكرور الَّذِي لا مفر ابدا مِن تجاهله أو محاولة التملص مِنه واجتنابه
مما يُمكن ملاحظته فِي كثِير مِن المشاهد والعبارات الَّتِي لا ينطقها المبدع علي لسان ابطاله عرضا واعتباطا
بل ليوحي بمدي تازم ظروفهم وعنت ازمنتهم و ايامهم: فالوضع الامني المنفلت
وحظر التجول هُو الَّذِي يجبر المخرج علي قضاءَ ليلته – بَعد تاخر الوقت – فِي بيت صديقه الممثل ص9)
وهَذا الاخير مضطر للسَبب نفْسه الي اجراءَ تدريباته المسرحية كلها فِي بيته ايضا(ص11)
ووقوعه المفاجئ لحظة تداعي المناضد والكراسي لَم يكن الا “كدوي انفجار عبوة طائشة” ص21)
ولدي أنهيار اسرة البطل لحظة اكتشاف زوجته سره الخطير كَان انكفاؤه علي نفْسه وحيدا يدخن ويفكر مترافقا مَع “اطلاق كثيف” ص26 ومثله كَان اطلاق كثيف آخر واصوات طائرات ليلية تقض عَليه مضجعه حِين كَان لاجئا الي بيت صديقه المغتال.(ص40)

اما بَعد ان تمت لَه غايته وتمكن مِن قتل غريمه الممثل فانه ولدي اجتماعه بالمخرج الَّذِي يلومه كثِيرا علي نصه القاتل اخذ ينصت الي دوي انفجار سيارة ملغمة مِن مكان قريب
ولم يملك الا ان يعلق علي ذلِك ببرود قائلا: “لم يعد الموت عجبا.
يحدث كُل دقيقة وفي كُل شَارع”(ص146)

والممثل نفْسه – كَما جاءَ فِي الصفحة نفْسها – اصيب ذَات يوم بعطب نفْسي طويل سَببه فقدان ولديه مِن زوجته الاولي فِي حِرب الخليج.

وحين لَم ير هَذا البطل “شيرين” زميلة الصبا وزوجة المخرج فِي بيتها لَم يجد لغيابها سوي تفسير واحد مِن ثلاثة: فَهي اما ان تَكون قَد جمحت مَع رجل آخر غَير زوجها
او أنها امرآة شَموس صعبة
او أنها ماتت بانفجار عابر ص76)

وهَذا ما يؤكد ان المبدع لَم يتجاهل ابدا سياقات بيئته وظروف مجتمعه بل عمد الي ابرازها بطريقَة الماحية
لا تقحم نفْسها بفجاجة علي الاحداث أو علي تقلبات نفْس البطل بل تَحْتضن كليهما بتلقائية يمتزج فيها الهم الجمعي الممثل فِي ازمات الوطن وانفلاتاته الامنية بالهم الفردي الممثل فِي ازمات البطل ومشكلات قلبه الَّتِي عَن طريقها بدات شَرارة الاحداث الاولي تنقدحِ وتتالي فيما بينها
حاملة فِي كُل موجة مِنها بَعض العقد والاشتباكات الَّتِي لا نكاد نظفر بحل لَها حِتّى يستجلب معه ازمة اخرى
تنفرج بدورها قلِيلا ثُم تضيق مَرة اخرى
ولا يظل فِي الختام سوي حِل مفصلي وحيد: هُو موت البطل أو انتحاره الَّذِي بِه وحده تتوقف – ولو قلِيلا – سلسلة المازق والعقد.

ولو تتبعنا هَذه الاحداث لوجدنا اولها منصبا علي شَاب منطو ينفَتحِ قلبه – بَعد مكابدات كثِيرة – علي حِب أول محتدم سرعان ما يفشل بسَبب نوبات الشك الكثيرة الَّتِي تعصف به
وتنتهي بانفلات الحبيبة الي حِب اخر
وزوج يستحيل الخصم والعدو الَّذِي لا يدخر هَذا المحب المهجور سبيلا الي الانتقام مِنه والتنكيل بِه كعادة بَعض مِن المحبين المهملين امثاله.

ولا يجد مِن وسيلة امثل لذلِك مِن التاويل السياسي وتوريطه مَع جهاز المخابرات
ثم يفر الي الخارِج لدي اكتشاف كذبته
مما يُمكن ان نعتبره الحركة الاولي مِن مسار الخط الدرامي: محب يائس يشي بغريمه كذبا
ثم يفر خشية افتضاحِ فعلته…

وهي حِركة تتميز بانفتاحها الشاسع وتقاطعها مَع كثِير مِن قصص الحب وتقلباته الَّتِي قَد يتحَول فيها عهد الوفاءَ القاطع والاخلاص الي نقيضه مِن الخيانة والدنس
وحتي القتل الَّذِي لا يفاجئنا بِه البطل فِي احدي لحظات ياسه الاخير.

وتبدا الحركة الثانية لحظة الهرب والانفتاحِ علي تجارب انسانية وغرامية اخري تاتي جرعا مخدرة تتناسي بها لوعة الحب الاول وخيباته
الَّتِي ياتي الزواج بَعدها وبسببها ليحيل الي حِل جزئي يوهمنا بحالة ما مِن التصالحِ مَع الذَات لا سيما بَعد الرجوع الي الوطن والانغماس فِي انشغالات الحيآة اليومية ومطالبها الَّتِي لَم يبق معها أمام “حامد” سوي التسليم بدوره الجديد فِي الحياة: زوجا مخلصا ثُم ابا حِنونا
لا هُم لَه الا اسعاد اسرته الصغيرة ورعايتها
وان كَان شَيء مِن اشواقه الاولي قَد اطل مِن خِلال تسميته ابنته بالاسم نفْسه الَّذِي تسمت بِه حِبيبته.

وما تتميز بِه هَذه الحركة هُو تنازلها
وهدوؤها وامتدادها المائل الي ان تَكون حِلا كدنا نسلم بِه لولا ان هَذا الزوج العاشق لَم يتوقف ابدا عَن استحضار مشاهد حِبه
ولحظاته الغابرة الَّتِي لَم يكتف بتذكرها فقط
بل تركها محنطة فِي رسائل وصور قديمة
ملا بها حِقيبته السوداءَ الَّتِي لَم يلبث سرها ان انكشف وفضحه…

وهنا يُمكن القول بان الصراع الاول الَّذِي خاضه البطل مَع نفْسه ومع عواطفه العاصفة ونزواته
والذي انتهي بحل – أو شَبيه حِل – معقول
لم يلبث ان تزحزحِ هدوؤه بَعد أكثر مِن ربع قرن مِن التجاهل والخمود
فتبعثرت مكنونات قلبه فِي لحظة قدرية طائشة يُمكن عدها العقدة الثانية هنا
او نقطة التازم الحاسمة ولحظة سقوط الاقنعة الَّتِي ازدادت فيها حِدة التوتر
والضغط علي البطل: فلا هُو حِظي بوصل حِبيبته الغائبة
ولا هُو حِافظ علي قناعه المراوغ
واستمر فِي دور الزوج الَّذِي اعتاده منذُ عقود
فضلا عَن لجوئه الي بيت صديقه “القتيل علي الهوية” حِيثُ يخاله كُل ليلة الي جانبه يقاسمه السرير
وينزف دما
ثم يقتحم احلامه ويحيلها الي كوابيس يساله فيها كُل لحظة عَن سَبب مقنع لقتله.(ص62-63)

كل هَذا العبث واللامعقول: حِقيبة منسية تتبعثر مكنوناتها فِي لحظة تفتيشَ عابرة
وصديق عزيز يقتل غدرا لان طائفته ومذهبه لا يعجبان القتلة
كان لَه اثره فِي تصعيد المازق الي اقصي طاقاته الَّتِي تفتقت فِي ذلِك الجو الجنائزي الكئيب – جو شَقة الصديق المغتال – عَن خطة انتقامية قوامها نص مسرحي مجنون
يؤديه الممثل المستهدف بصدق وانفعال قَد يقضيان عَليه
لانه مضطر الي ان يتقمص دور هاملت – الَّذِي يعد مِن اصعب الادوار المسرحية – وان يبني عرشا واهيا مِن الكراسي والطاولات فِي تسارع زمني يصل مِن خِلاله الي سقف المسرحِ لينشد بانفعال كلمات شَاعرية قَد يبلغ تاثره بها ان يسقط مِن الاعلي بحركة خاطئة
او قَد ينجو مِن السقوط
لينهكه الصعود والنزول مَع الظما
وارتفاع الحرارة
وتقدمه فِي السن.(ص73-74)

اي ان الحل الَّذِي ارتاه العاشق لازمته كَان موت غريمه وتشفيه بمصرعه دون ان يتهمه فيه أحد وهو ما تم لَه فعلا لحظة تداعي “العرشَ الخشبي”
وسقوط الممثل سقوطا خاطفا فارق علي اثره الحيآة مباشرة.

وهي اللحظة الَّتِي بدات بها الرواية
والَّتِي يُمكن وصفها بالبِداية الاستباقية الَّتِي لا ينسج فيها الراوي مسار احداثه مِن أول حِركة درامية فيها
بل يبدا مِن منتصف الاحداث – أو مِن ختامها – مِن لحظة التازم الحادة
او مِن الحل الجزئي المتاح: موت الغريم
الذي يلوحِ حِلا سهلا لا تنتهي بِه دوامة البطل ومازقه بل يتلوه حِل هشَ آخر هو: موت ابي الحبيبة وابنها اللذين اتي رحيلهما المفاجئ شَافيا لاحقاده وضغائنه؛ فالاب المتسلط كَان ذَات يوم عائقا أمام سعادته برفضه خطبة ابنته له
والابن هُو وجه آخر مِن اوجه غريمه وبقاياه
برحيله سيستريحِ مِنه
ومن ذكراه.

وتنبع هشاشة هَذا الحل مِن كونه يحمل فِي اعماقه ازمة جديدة
ومن كونه محك التجربة والاختبار؛ قَد تظل معه فعلة هَذا العاشق مجهولة مما يَعني تذليل جميع العوائق
والحواجز أمامه
لانه سيَكون فِي مِثل هَذه الحال مرفا الامان
ومصدر الامل والعزاء
والذكريات الجميلة الغابرة الَّتِي قَد يَكون فِي اقترابه سبيل ما الي استعادتها وتلمسها مِن جديد.

وقد تنكشف جريمته المدبرة ويضاف اليها التسَبب أيضا – ولو عَن غَير قصد – فِي مقتل الاب والابن مما يقضي علي كُل امل فِي اللقاء
ويبدد سحابة الوصل المنشود.

ولا يمهلنا المبدع هُنا كثِيرا
لانه سرعان ما يفاجئنا – بَعد ان اوهمنا بامكانية ان يَكون فِي موت الاب والابن حِل ما – بازمة جديدة
ومازق عصي ينكشف فيه أمام العاشق – المازوم اصلا والمعذب الضمير بَعد تسببه أيضا فِي مقتل ابن خاله – سر قاتل
يكتشف مِن خِلاله ان ذاك الَّذِي ناصبه العداءَ دهرا
ولم يقنع الا بموته ليس سوي منقذه مِن الهلاك وابيه الافتراضي – ان جاز للابوة ان تَكون افتراضية – أي أنه وبعد كُل تلك الخطط والمكائد
وبعد كُل تلك الاشتعالات والحرائق لَم يفعل شَيئا سوي قتل ابيه الروحي)!!

وهنا قمة التشابك والاحتباس
وتماما كَما فعل اوديب الاغريقي حِين قتل نفْسه مجازا بسمل عينيه
لا يجد البطل هُنا مِن مخرج لمازقه سوي قتل نفْسه
لا مجازا كَما فعل سلفه الاسطوري بل حِقيقة وبالطريقَة نفْسها الَّتِي قتل بها غريمه/ ابوه: بعرشَ وهمي يُمكن عده الترميز التاويلي لسطوة الحب وطغيان سلطانه: فالمحبان – كَما جاءَ فِي التصدير الماخوذ عَن قول اونامونو – طاغيتان وعبدان: كلاهما طاغية وعبد للاخر فِي ان واحد ص5)
وكل عرشَ قوامه الطغيان والتجبر مصيره التهشم حِتما؛ اما بتهشيم الطرف الاخر – كَما جاءَ فِي بِداية العمل – حِين لَم يجد العاشق غضاضة فِي موت الزوج وبقاءَ الحبيبة مِن بَعده “ارملة ثكلي فِي الخمسين” أو بتهشيم الانا واحتضان الموت جثة هامدة لَم تجد سواه مهربا وملاذا تتقي بِه التحديق فِي مملكتها البائدة وعرشها المزال.

وفي كلا الطرفين التدميريين – تدمير الاخر أو تدمير الانا – يسود نسيج دائري احداثه محكمة
ومازقه وحلوله متماوجة
متناوبة الحضور والتاثير
حاملة فِي اعماقها وفي جميع لحظات مدها وجزرها جرعا لا تعد مِن العبث واللامعقول
والسخرية الَّتِي تصل احيانا حِدها الاقصى/ المضحك المبكي: كالميتات الخمس المتتالية – ميتات الممثل
وابنه
وابي زوجته
وصديقه المخرج وابن خال العاشق
والعاشق نفْسه – الَّتِي كَان سَببها علي حِد تعبير المخرج: “خطا فِي الاخراج وخروج عَن النص!!”: جمَرة عشق تفجرت فجآة وتسببت فِي جميع تلك الماسي.

والشخص الوحيد الَّذِي كَانت منيته بعيدة عَن لعنة اهواءَ البطل ومحرقة تقلباته وهو صديقه الحميم “صابر” لَم ينج أيضا مِن عبث آخر اشد شَمولية واشرس انيابا: عبث الهوس الطائفي والقتل المجاني علي الهوية؛ علي الاسم وعلي الكينونة القدرية الَّتِي لَم يخترها يوما أي حِي!

ولذا كَانت صرخات زوجته الملتاعة: “قتلوا صديقك يا حِامد.
قتلوه دون ذنب!!” ص151-152 بمثابة نشيد استصراخي قصير
قد لا يَكون محوريا فِي سياق حِوارات الابطال وتقلبات الاحداث
لكنه ينير جزءا لا باس بِه مِن جو العبث والمفارقات الَّذِي ساد هَذا العمل منذُ بداياته
والذي لَم يدخر المبدع جهدا مِن اجل ابرازه
وتوجيه وعينا اليه
فحتي فِي سياق سرده لاحدي مغامرات البطل الهروبية نجده يوظف أيضا بنية المفارقة
ويجعل للهندية الحسناء
والحبيبة الطارئة ابا يحدثنا ودموعه تسيل – علي لسان أحد المؤلفين – عَن التناحر الطائفي فِي الهند
وعن المذابحِ الدامية بَين المسلمين والهندوس
خاتما حِديثه بالسؤال الجوهري: “لماذَا يقتل شَخص علي ايدي اناس لا يعرفونه؟!!” ص91)

وهَذا السؤال بشموليته واتساعه يُمكن اسقاطه علي بَعض مما لدينا مِن احداث: زوج امن يقتله مجهولون لا يعرفهم بسَبب الهوية!

وزوج آخر امن مِثله يترصده مجهول آخر – لَم يعرفه ناضجا وان كَان قَد عرفه رضيعا – لاجل الهوية ايضا
لا الهوية الطائفية بل الهوية القدرية الاخرى: أنه دون كُل الرجال زوج الحبيبة وبالتالي غاصبها
ومحتكر مباهجها!!

وحتي فِي بَعض المواقف الاخري البعيدة عَن جنائزية الموت وكابته تطالعنا السخرية الدرامية القاسية نفْسها: فجميع الشكوك الملحة الَّتِي ارقت العاشق حَِول سلوك حِبيبته وعلاقتها الغرامية المحتملة مَع الفنان التشكيلي المعروف “فهمي النقاش” تكشفت لَه عَن حِقيقة ساخرة؛ هِي أنها محض اضاليل واوهام كَان يكفيه لتبديدها ان يستنفد بضع دقائق فِي حِوار مراوغ أو صريحِ مَع الفنان علي ان يصطلي بلظاها طيلة كُل تلك العقود
ويخسر بسببها حِبيبة العمر ص159)

والحقيبة نفْسها الَّتِي كَانت سَبب جميع تلك الماسي والاحداث لَم ينته بها مصيرها الا الي ان تَكون حِفنة بائسة مِن الرماد
لامر ما لَم يبق مِنه سوي عينين عاتبتين للحبيبة
وبقايا قصاصة متاكلة تضم كلمتين: “ايقظ شَعورك..” هما البؤرة العميقة الَّتِي تختصر فيها مقاصد هَذا العمل
ويختزل مغزاه: الا يَكون الحب يوما ذريعة للحقد والانتقام
وانه وهج الهي اسمي مِن ان يستحيل يوما الي حِزمة اوراق مدفونة أو نثار مِن رماد.

وعليه يُمكن القول بان هَذا العمل يحمل بامتياز ملامحِ الحيآة العراقية وانشغالاتها
وان لَم يعمد فيه المبدع الي حِصر المكان
او الارتكاز علي خصوصياته
فلم يحدد لنا فِي اية مدينة تدور الاحداث
ولم يذكر ابدا اسم أي شَارع أو محلة
ولا هُو اشار اشارة صريحة الي شَيء مِن تاريخ العراق
وتقلبات ظروفه السياسية وحروبه الكثيرة
مما يَعني شَمولية فِي الرؤيا
وشساعة فِي التعبير
ونفسا انسانيا لَم تعد فيه المعاني مقتصرة علي قومية واحدة منكفئة علي همومها الممعنة فِي الفردية والانطواءَ – مُهما اتسعت – بل ان ما يلحظ هنا: تضافر المحلي مَع الانساني وغلبة هَذا الاخير علي ما قَبله؛ فالموضوع الرئيس لهَذه الرواية هُو الحب بمعنييه:

–  المشرق اولا: حِب الذَات وحب الاخر
والانفتاحِ علي اختلافه بتقبل نقصه
والاستبشار باكتماله.

– المتعفن ثانيا: أي الاناني والمجرد مِن التسامحِ والعطاء؛ “حب الغرف المظلمة
والراس الثقيل
والنفس القلقة” علي حِد تعبير البطل ص55 حِيثُ يغدو هوية للقتل
وذريعة لتحقير الاخر وتهميشه والانتقام مِنه.  وهو الحب الَّذِي تورط فيه هَذا البطل فانتهي بِه الامر الي ان يكره الاخر
ويكره نفْسه ايضا
يدمَره ويدمر نفْسه معه
ويعاديهما كليهما معا
حاله حِال جميع القتلة الَّذِين وقعوا فِي دائرة الكره الاعمى
والقتل المجاني؛ كلاهما – ودون ان يدري – عدو لنفسه وللاخرين: يقتلهم اليَوم ويقتل نفْسه غدا!

والي جانب هَذا يُمكن ملاحظة جوانب انسانية اخري تطالعنا منذُ بِداية العمل
وتكرس فكرة الاقبال علي الحياة
والتفاني فِي حِبها علي الرغم مِن جميع الماسي والحروب: فالحبيبة الَّتِي تقدم بها العمر كثِيرا لا يزال الراوي يصفها بذَات الجسد الرشيق ذي الخمسين ربيعا.(ص10)

والعاشق نفْسه يصر علي ان يبدا مِن جديد
ويستعيد حِبه وهو فِي الخمسين.

وفضلا عَن هَذا فإن المهن الَّتِي اختارها الكاتب لشخوصه؛ مهن الكتابة
والتمثيل
والاخراج  والرقص أيضا هِي مهن تتميز عَن غَيرها بعلو جرعة الحركية فيها والاحتفاءَ بالحياة
حيثُ يقُوم المسرحِ علامة حِيآة تتحدي جميع بوادر الموت والدمار المنتشرة: فهُناك دوما عروض لا تكاد تتوقف
وهُناك استعراضات
وحيوات كثِيرة
وأكثر مِن غجرية حِسناءَ مِثل “ذهب” غادية ورائحة.

واخيرا فإن ما يميز هَذا العمل هُو ذاك النفس الانساني الَّذِي قَد تختصره جملة واحدة: قَد تعصف بالبلد حِروب كثِيرة وملمات… لكِن فِي النفس توقا مقدسا
واشواقا لَن يصادرها الموت ابدا مُهما طال.

 

  • خيط الرماد آن ميثر
الحب رماد رواية 165 مشاهده
1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...