يوم السبت 7:48 صباحًا 14 ديسمبر 2019

قراءة في رواية “رماد الحب”


 قراءة في رواية “رماد الحب”


صورة قراءة في رواية رماد الحب

صور
يقدم لنا الكاتب العراقي “على خيون” في روايتة الحديثة “رماد الحب” دار الاداب: 2009 عالما متماوجا تتعدد فيه الرؤى، و تزدحم العقد، و تلتبس المشاهد و الاحداث متيحة لقارئيها فرصة النظر اليها من زوايا كثيرة تختلف فيما بينها اختلاف و جهات نظرهم، و تتعدد بتعدد مناحيهم الفكرية و توجهاتهم النقدية.

فمن ناحية نفسية يمكن الارتكاز على مقولات عقدة اوديب الفرويدية و على ما عجت به طفولة البطل من يتم و حرمان و جدانى لم يجد متنفسا لهما الا في غرامة الاول الذى التبس – دون ان يعلم – بابية الافتراضى المجهول: “سعيد ادهم” الذى اتي مقتلة تجسيدا لنزوع الانتقام الاوديبى من جهة، و احالة الى اضطراب نفسية البطل و تخبطة العاطفى فضلا عن ضياعة الطويل، و تسكعة بين اكثر من و جة انثوى يتوهم في تقاسيمة الحانية شيئا من تقاسيم و جة امة الغائب و ابتساماتها المفتقدة التي لا ينى يلاحقها، و يستجديها من اية امراة اخرى يقابلها.


صورة قراءة في رواية رماد الحب

ومن ناحية عاطفية خالصة قد تكتفى القراءة بالتركيز على الجانب الرومانسي البحت و بتتبع خيبات الحب الاول و فواجعة التي افسدت على البطل حياته، و جعلت من الانتقام و الظفر بحبيبة الصبا هاجسة الاوحد و حلمة الدفين الذى استنفد كل طاقاتة الروحية و الابداعية.

ومن الممكن ايضا مقاربة هذا النص مقاربة تناصية تستحضر من خلالها نماذج ادبية اخرى تتداخل معه و تمتزج فيه بشكل يتراوح بين التلميح و التصريح و الخفاء و التجلي؛ كاسطورة اوديب مثلا التي تشغل الجانب التاويلى العميق من نفسيات الشخوص، و مسرحيتى “هاملت” و ”روميو و جولييت” اللتين اطلتا من خلال العمل المسرحى الذى ابتدعة البطل سبيلا للانتقام من غريمه.

ورواية “الحب في زمن الكوليرا” ايضا التي اتي اصرار البطل على استعادة حبيبتة بعد ثلاثين عاما من القطيعة محيلا الى اصرار بطل ما ركيز على استعادة حبيبتة ايضا بعد اكثر من نصف قرن على الفراق، لولا ان بطل ما ركيز استعان على غايتة بالصبر و الانتظار فيما حاول بطلنا هنا الاستعانة بالقتل في سبيل غايته.


وما يعنينى في قراءتى هذه هو استجلاء الجانب الدرامي و تدافع الاحداث بعقدها و حلولها، التي يمكن ملاحظة مستويين متكاملين يتحكمان فيها و يوجهانها، هما: مستوي الفرد بكل ما يموج في اعماقة من مشاعر و نزوات و هواجس و رغبات تتحكم في سلوكه، و توجة و عيه، و تشكل ضغطا يعلو او ينخفض على و جوده، و على علاقاتة مع الاخرين المحيطين به، الذين قد ينسجمون قليلا مع حالاتة او يختلفون.

ومستوي السياق الاجتماعى المرافق لحركات البطل، و الذى اتي على الرغم من تخفية هنا مضطلعا بتوجية شق كبير من تحركات البطل و من سير الاحداث.

فعلى المستوي الاول – مستوي الفرد – نلاحظ ان البطل: “حامد” هو الشخصية المهيمنة على مسار الرواية، و هو العنصر الناتئ الذى تنضوى تحت معطفة بقية الشخوص الاخرى و تتحدد ملامحها: فهو محور كل التغيرات، و تقلبات مزاجة هي التي تحدد مسار الاحداث، و تؤسس بؤرتها العميقة و جذوتها الدفينة التي انطلق خيطها الاول بعد حوالى ثلاثين عاما من بداية القصة الاصلية حين اكتشفت الزوجة ان زوجها – حامد – يعشق امراة اخرى سواها، و يحتفظ بصورها و رسائلها الية كنزا ثمينا يخبؤة في اعماق احدي الحقائب، و يتكتم عليه طوال عقود زواجهما، الذى لم يكن الا مهربا لجا الية حين غصت ايامة بماساة فقدانة حبيبة الصبا “شمس” التي تركتة الى رجل احدث اصبح فيما بعد غريمة و عدوة اللدود الذى لا ينى يلهج بشتمه، و يستنزل عليه اللعنات، طاويا اعماق نفسة على ذلك الحقد المدمر الذى لم يكن انزلاقة الية الا احد نتائج طفولتة غير السوية و شخصيتة الانطوائية التي من العنت الشديد عليها ان تنفتح على الاخرين او تكاشفهم بشيء من الامها و خباياها، مما يكرس سلطة الذات و دورها في تسلسل الاحداث و تصاعد المفاجات التي لم يكن اغلبها الا و ليد فرد واحد مضطرب، و متعثر الخطوات  نجدة في مواقف كثيرة منكفئا على نفسه، لاعقا جراحها الحقيقية و الموهومة، و متشبثا بطفولتة المحرومة و مراهقتة البائسة التي لم يتخلص فيها ابدا من شعورة المبكر باليتم، و من ميلة الى العزلة و كثرة التامل، حين راح يواصل دراستة في صعوبة شديدة، متلعثما كل حين، و مجتنبا المراة – على توقة الشديد لها – الى عالم احدث من صنعة و من و حى خيالة الجامح ص45-46 حيث غدا و جة امة البعيد هاجسة الاوحد و عذابة الدفين، و لعنتة التي لم تفارقة حتى بعد نضوجه، و تجاوزة مرحلة الطفولة و المراهقة.


  اما المستوي الثاني – المستوي الجمعى او المستوي المتبدى من خلال السياقات الاجتماعية

والسياسية المحيطة بالفرد – فلم يكن المبدع ليرتكز عليه كثيرا في هذا العمل، بل تركة في الكواليس؛ في نقطة خفية لا تسفر عن و جهها مباشرة بل تفاجئنا من حين الى احدث في بعض الفصول بشكل يوحى بان لها من الاهمية ما لا يقل ابدا عن اهمية البطل الفرد و سلطتة المكرسة منذ بداية العمل: فالحقيبة السوداء التي تحتضن سره، و تخبئ في احشائها قلبة النابض، و دمة و دموعة لم تكن لينتهك احد غموضها لولا تلك “المفرزة الاجنبية” المكلفة بتفتيش الدور، و التنقيب في خزائنها المغلقة بحثا عن “اسلحة و متفجرات” ص 25)، و لجوء هذا البطل الى بيت احد اصدقائة – بعد انهيار زواجة و ضياع اسرتة – لم يكن ليضفى هذا الطابع الماساوى على جو الرواية لولا ان هذا الصديق قتل غدرا و بسبب الهوية ص 62-63)، و المفارقة الدرامية نفسها التي يحويها هذا العمل لم تكن لتبلغ نقطة احتدامها القصوي لولا مقتل ابن الحبيبة/ الارملة المشتهاة و ابيها بمجرد سماعهما خبر مصرع الزوج، و لولا ان موتهما لم يكن الا بسبب احدي العبوات الناسفة التي غصت بها شوارع المدينة في طريقهما للشروع في اجراءات جنازتة و مراسيم دفنه.(ص 150)

الي جانب مصرع المخرج “سامي الماهر” الصديق الحميم للزوج غريم العاشق و ضحيته، و الذى لم يوضح لنا الكاتب ظروف رحيلة و ملابساتة بل اوحي لنا بانها ميتة مجانية اخرى لا تقل جرعة العبث فيها عن بقية الميتات السابقة، التي يمكن و صفها كلها – على حد تعبيرة هو نفسة – بانها لا تزيد على ان تكون “خطا في الاخراج و خروجا عن النص!!” ص 155)

ومقتل ابن خال البطل: “فارس” لم يكن ايضا ليحصل لولا انفلات الامن و غياب القانون(ص 164).

فضلا عن كلمات كثيرة تطل علينا في كثير من الفصول و تلقى بظلال عميقة على ظروف الوطن و على تف شي العنف و الدمار في ارجائة تفشيا بات معه الموت و اقع الناس و جديدةم اليومي المكرور الذى لا مفر ابدا من تجاهلة او محاولة التملص منه و اجتنابه، مما يمكن ملاحظتة في كثير من المشاهد و الكلمات التي لا ينطقها المبدع على لسان ابطالة عرضا و اعتباطا، بل ليوحى بمدي تازم ظروفهم و عنت ازمنتهم و ايامهم: فالوضع الامنى المنفلت، و حظر التجول هو الذى يجبر المخرج على قضاء ليلتة – بعد تاخر الوقت – في بيت صديقة الممثل ص9)، و هذا الاخير مضطر للسبب نفسة الى اجراء تدريباتة المسرحية كلها في بيته ايضا(ص11)، و وقوعة المفاجئ لحظة تداعى المناضد و الكراسي لم يكن الا “كدوى انفجار عبوة طائشة” ص21)، و لدي انهيار اسرة البطل لحظة اكتشاف زوجتة سرة الخطير كان انكفاؤة على نفسة و حيدا يدخن و يفكر مترافقا مع “اطلاق كثيف” ص26 و مثلة كان اطلاق كثيف احدث و اصوات طائرات ليلية تقض عليه مضجعة حين كان لاجئا الى بيت صديقة المغتال.(ص40)

اما بعد ان تمت له غايتة و تمكن من قتل غريمة الممثل فانه و لدي اجتماعة بالمخرج الذى يلومة كثيرا على نصة القاتل اخذ ينصت الى دوى انفجار سيارة ملغمة من مكان قريب، و لم يملك الا ان يعلق على ذلك ببرود قائلا: “لم يعد الموت عجبا.. يحدث كل دقائق و في كل شارع”(ص146)

والممثل نفسة – كما جاء في الصفحة نفسها – اصيب ذات يوم بعطب نفسي طويل سببة فقدان و لدية من زوجتة الاولي في حرب الخليج.

وحين لم ير هذا البطل “شيرين” زميلة الصبا و زوجة المخرج في بيتها لم يجد لغيابها سوي تفسير واحد من ثلاثة: فهي اما ان تكون قد جمحت مع رجل احدث غير زوجها، او انها امراة شموس صعبة، او انها ما تت بانفجار عابر ص76)

وهذا ما يؤكد ان المبدع لم يتجاهل ابدا سياقات بيئتة و ظروف مجتمعة بل عمد الى ابرازها بطريقة الماحية، لا تقحم نفسها بفجاجة على الاحداث او على تقلبات نفس البطل بل تحتضن كليهما بتلقائية يمتزج فيها الهم الجمعى الممثل في ازمات الوطن و انفلاتاتة الامنية بالهم الفردى الممثل في ازمات البطل و مشكلات قلبة التي عن طريقها بدات شرارة الاحداث الاولي تنقدح و تتالي فيما بينها، حاملة في كل موجة منها بعض العقد و الاشتباكات التي لا نكاد نظفر بحل لها حتى يستجلب معه ازمة اخرى، تنفرج بدورها قليلا ثم تضيق مرة اخرى، و لا يظل في الختام سوي حل مفصلى و حيد: هو موت البطل او انتحارة الذى به و حدة تتوقف – و لو قليلا – سلسلة المازق و العقد.

ولو تتبعنا هذه الاحداث لوجدنا اولها منصبا على شاب منطو ينفتح قلبة – بعد مكابدات كثيرة – على حب اول محتدم سرعان ما يفشل بسبب نوبات الشك الكثيرة التي تعصف به، و تنتهى بانفلات الحبيبة الى حب اخر، و زوج يستحيل الخصم و العدو الذى لا يدخر هذا المحب المهجور سبيلا الى الانتقام منه و التنكيل به كعادة بعض من المحبين المهملين امثاله.

ولا يجد من و سيلة امثل لذلك من التاويل السياسى و توريطة مع جهاز المخابرات، ثم يفر الى الخارج لدي اكتشاف كذبته، مما يمكن ان نعتبرة الحركة الاولي من مسار الخط الدرامي: محب يائس ي شي بغريمة كذبا، ثم يفر خشية افتضاح فعلته…

وهي حركة تتميز بانفتاحها الشاسع و تقاطعها مع كثير من قصص الحب و تقلباتة التي قد يتحول فيها عهد الوفاء القاطع و الاخلاص الى نقيضة من الخيانة و الدنس، و حتى القتل الذى لا يفاجئنا به البطل في احدي لحظات ياسة الاخير.

وتبدا الحركة الثانية لحظة الهرب و الانفتاح على تجارب انسانية و غرامية اخرى تاتى جرعا مخدرة تتناسي بها لوعة الحب الاول و خيباته، التي ياتى الزواج بعدها و بسببها ليحيل الى حل جزئى يوهمنا بحالة ما من التصالح مع الذات لا سيما بعد الرجوع الى الوطن و الانغماس في انشغالات الحياة اليومية و مطالبها التي لم يبق معها امام “حامد” سوي التسليم بدورة الجديد في الحياة: زوجا مخلصا ثم ابا حنونا، لا هم له الا اسعاد اسرتة الصغيرة و رعايتها، وان كان شيء من اشواقة الاولي قد اطل من خلال تسميتة ابنتة بالاسم نفسة الذى تسمت به حبيبته.

وما تتميز به هذه الحركة هو تنازلها، و هدوؤها و امتدادها المائل الى ان تكون حلا كدنا نسلم به لولا ان هذا الزوج العاشق لم يتوقف ابدا عن استحضار مشاهد حبه، و لحظاتة الغابرة التي لم يكتف بتذكرها فقط، بل تركها محنطة في رسائل و صور قديمة، ملا بها حقيبتة السوداء التي لم يلبث سرها ان انكشف و فضحه…

وهنا يمكن القول بان الصراع الاول الذى خاضة البطل مع نفسة و مع عواطفة العاصفة و نزواته، و الذى انتهي بحل – او شبية حل – معقول، لم يلبث ان تزحزح هدوؤة بعد اكثر من ربع قرن من التجاهل و الخمود، فتبعثرت مكنونات قلبة في لحظة قدرية طائشة يمكن عدها العقدة الثانية هنا، او نقطة التازم الحاسمه و لحظة سقوط الاقنعة التي ازدادت فيها حدة التوتر، و الضغط على البطل: فلا هو حظي بوصل حبيبتة الغائبة، و لا هو حافظ على قناعة المراوغ، و استمر في دور الزوج الذى اعتادة منذ عقود، فضلا عن لجوئة الى بيت صديقة “القتيل على الهوية” حيث يخالة كل ليلة الى جانبة يقاسمه السرير، و ينزف دما، ثم يقتحم احلامة و يحيلها الى كوابيس يسالة فيها كل لحظة عن سبب مقنع لقتله.(ص62-63)

كل هذا العبث و اللامعقول: حقيبة منسية تتبعثر مكنوناتها في لحظة تفتيش عابرة، و صديق عزيز يقتل غدرا لان طائفتة و مذهبة لا يعجبان القتلة، كان له اثرة في تصعيد المازق الى اقصي طاقاتة التي تفتقت في ذلك الجو الجنائزى الكئيب – جو شقة الصديق المغتال – عن خطة انتقامية قوامها نص مسرحى مجنون، يؤدية الممثل المستهدف بصدق و انفعال قد يقضيان عليه، لانة مضطر الى ان يتقمص دور هاملت – الذى يعد من اصعب الادوار المسرحية – وان يبنى عرشا و اهيا من الكراسي و الطاولات في تسارع زمنى يصل من خلالة الى سقف المسرح لينشد بانفعال عبارات شاعرية قد يبلغ تاثرة بها ان يسقط من الاعلى بحركة خاطئة، او قد ينجو من السقوط، لينهكة الصعود و النزول مع الظما، و ارتفاع الحرارة، و تقدمة في السن.(ص73-74)

اى ان الحل الذى ارتاة العاشق لازمتة كان موت غريمة و تشفية بمصرعة دون ان يتهمة فيه احد و هو ما تم له فعلا لحظة تداعى “العرش الخشبي”، و سقوط الممثل سقوطا خاطفا فارق على اثرة الحياة مباشرة.

وهي اللحظة التي بدات بها الرواية، و التي يمكن و صفها بالبداية الاستباقية التي لا ينسج فيها الراوى مسار احداثة من اول حركة درامية فيها، بل يبدا من منتصف الاحداث – او من ختامها – من لحظة التازم الحادة، او من الحل الجزئى المتاح: موت الغريم، الذى يلوح حلا سهلا لا تنتهى به دوامة البطل و ما زقة بل يتلوة حل هش احدث هو: موت ابي الحبيبة و ابنها اللذين اتي رحيلهما المفاجئ شافيا لاحقادة و ضغائنه؛ فالاب المتسلط كان ذات يوم عائقا امام سعادتة برفضة خطبة ابنتة له، و الابن هو و جة احدث من اوجة غريمة و بقاياه، برحيلة سيستريح منه، و من ذكراه.

وتنبع هشاشة هذا الحل من كونة يحمل في اعماقة ازمة حديثة، و من كونة محك التجربة و الاختبار؛ قد تظل معه فعلة هذا العاشق مجهولة مما يعني تذليل كل العوائق، و الحواجز امامه، لانة سيكون في كهذه الحال مرفا الامان، و مصدر الامل و العزاء، و الذكريات الجميلة الغابرة التي قد يكون في اقترابة سبيل ما الى استعادتها و تلمسها من جديد.

وقد تنكشف جريمتة المدبرة و يضاف اليها التسبب ايضا – و لو عن غير قصد – في مقتل الاب و الابن مما يقضى على كل امل في اللقاء، و يبدد سحابة الوصل المنشود.

ولا يمهلنا المبدع هنا كثيرا، لانة سرعان ما يفاجئنا – بعد ان اوهمنا بامكانية ان يكون في موت الاب و الابن حل ما – بازمة حديثة، و ما زق عصى ينكشف فيه امام العاشق – المازوم اصلا و المعذب الضمير بعد تسببة ايضا في مقتل ابن خالة – سر قاتل، يكتشف من خلالة ان ذاك الذى ناصبة العداء دهرا، و لم يقنع الا بموتة ليس سوي منقذة من الهلاك و ابية الافتراضى – ان جاز للابوة ان تكون افتراضية – اي انه و بعد كل تلك الخطط و المكائد، و بعد كل تلك الاشتعالات و الحرائق لم يفعل شيئا سوي قتل ابية الروحي)!!

وهنا قمة التشابك و الاحتباس، و تماما كما فعل اوديب الاغريقى حين قتل نفسة مجازا بسمل عينيه، لا يجد البطل هنا من مخرج لمازقة سوي قتل نفسه، لا مجازا كما فعل سلفة الاسطورى بل حقيقة و بالطريقة نفسها التي قتل بها غريمه/ ابوه: بعرش و همى يمكن عدة الترميز التاويلى لسطوة الحب و طغيان سلطانه: فالمحبان – كما جاء في التصدير الماخوذ عن قول اونامونو – طاغيتان و عبدان: كلاهما طاغية و عبد للاخر في ان واحد ص5)، و كل عرش قوامة الطغيان و التجبر مصيرة التهشم حتما؛ اما بتهشيم الطرف الاخر – كما جاء في بداية العمل – حين لم يجد العاشق غضاضة في موت الزوج و بقاء الحبيبة من بعدة “ارملة ثكلي في الخمسين” او بتهشيم الانا و احتضان الموت جثة هامدة لم تجد سواة مهربا و ملاذا تتقى به التحديق في مملكتها البائدة و عرشها المزال.

وفى كلا الطرفين التدميريين – تدمير الاخر او تدمير الانا – يسود نسيج دائرى احداثة محكمة، و ما زقة و حلولة متماوجة، متناوبة الحضور و التاثير، حاملة في اعماقها و في كل لحظات مدها و جزرها جرعا لا تعد من العبث و اللامعقول، و السخرية التي تصل احيانا حدها الاقصى/ المضحك المبكي: كالميتات الخمس المتتالية – ميتات الممثل، و ابنه، و ابي زوجته، و صديقة المخرج و ابن خال العاشق، و العاشق نفسة – التي كان سببها على حد تعبير المخرج: “خطا في الاخراج و خروج عن النص!!”: جمرة عشق تفجرت فجاة و تسببت في كل تلك الماسي.

والشخص الوحيد الذى كانت منيتة بعيدة عن لعنة اهواء البطل و محرقة تقلباتة و هو صديقة الحميم “صابر” لم ينج ايضا من عبث احدث اشد شمولية و اشرس انيابا: عبث الهوس الطائفى و القتل المجانى على الهوية؛ على الاسم و على الكينونة القدرية التي لم يخترها يوما اي حي!

ولذا كانت صرخات زوجتة الملتاعة: “قتلوا صديقك يا حامد.. قتلوة دون ذنب!!” ص151-152 بمثابة نشيد استصراخي قصير، قد لا يكون محوريا في سياق حوارات الابطال و تقلبات الاحداث، لكنة ينير جزءا لا باس به من جو العبث و المفارقات الذى ساد هذا العمل منذ بداياته، و الذى لم يدخر المبدع جهدا من اجل ابرازه، و توجية و عينا اليه، فحتى في سياق سردة لاحدي مغامرات البطل الهروبية نجدة يوظف ايضا بنية المفارقة، و يجعل للهندية الحسناء، و الحبيبة الطارئة ابا يحدثنا و دموعة تسيل – على لسان احد المؤلفين – عن التناحر الطائفى في الهند، و عن المذابح الدامية بين المسلمين و الهندوس، خاتما جديدة بالسؤال الجوهري: “لماذا يقتل شخص على ايدى اناس لا يعرفونه؟!!” ص91)

وهذا السؤال بشموليتة و اتساعة يمكن اسقاطة على بعض مما لدينا من احداث: زوج امن يقتلة مجهولون لا يعرفهم بسبب الهوية!

وزوج احدث امن مثلة يترصدة مجهول احدث – لم يعرفة ناضجا وان كان قد عرفة رضيعا – لاجل الهوية ايضا، لا الهوية الطائفية بل الهوية القدرية الاخرى: انه دون كل الرجال زوج الحبيبة و بالتالي غاصبها، و محتكر مباهجها!!

وحتى في بعض المواقف الاخرى البعيدة عن جنائزية الموت و كابتة تطالعنا السخرية الدرامية القاسية نفسها: فجميع الشكوك الملحة التي ارقت العاشق حول سلوك حبيبتة و علاقتها الغرامية المحتملة مع الفنان التشكيلى المعروف “فهمى النقاش” تكشفت له عن حقيقة ساخرة؛ هي انها محض اضاليل و اوهام كان يكفية لتبديدها ان يستنفد بضع دقيقة في حوار مراوغ او صريح مع الفنان على ان يصطلى بلظاها طيلة كل تلك العقود، و يخسر بسببها حبيبة العمر ص159)

والحقيبة نفسها التي كانت سبب كل تلك الماسى و الاحداث لم ينتة بها مصيرها الا الى ان تكون حفنة بائسة من الرماد، لامر ما لم يبق منه سوي عينين عاتبتين للحبيبة، و بقايا قصاصة متاكلة تضم كلمتين: “ايقظ شعورك..” هما البؤرة العميقة التي تختصر فيها مقاصد هذا العمل، و يختزل مغزاه: الا يكون الحب يوما ذريعة للحقد و الانتقام، و انه و هج الهى اسمي من ان يستحيل يوما الى حزمة اوراق مدفونة او نثار من رماد.

وعليه يمكن القول بان هذا العمل يحمل بامتياز ملامح الحياة العراقية و انشغالاتها، وان لم يعمد فيه المبدع الى حصر المكان، او الارتكاز على خصوصياته، فلم يحدد لنا في اية مدينة تدور الاحداث، و لم يذكر ابدا اسم اي شارع او محلة، و لا هو اشار اشارة صريحة الى شيء من تاريخ العراق، و تقلبات ظروفة السياسية و حروبة الكثيرة، مما يعني شمولية في الرؤيا، و شساعة في التعبير، و نفسا انسانيا لم تعد فيه المعاني مقتصرة على قومية واحدة منكفئة على همومها الممعنة في الفردية و الانطواء – مهما اتسعت – بل ان ما يلحظ هنا: تضافر المحلى مع الانسانى و غلبة هذا الاخير على ما قبله؛ فالموضوع الرئيس لهذه الرواية هو الحب بمعنييه:

–  المشرق اولا: حب الذات و حب الاخر، و الانفتاح على اختلافة بتقبل نقصه، و الاستبشار باكتماله.

– المتعفن ثانيا: اي الانانى و المجرد من التسامح و العطاء؛ “حب الغرف المظلمة، و الراس الثقيل، و النفس القلقة” على حد تعبير البطل ص55 حيث يغدو هوية للقتل، و ذريعة لتحقير الاخر و تهميشة و الانتقام منه.  و هو الحب الذى تورط فيه هذا البطل فانتهي به الامر الى ان يكرة الاخر، و يكرة نفسة ايضا، يدمرة و يدمر نفسة معه، و يعاديهما كليهما معا، حالة حال كل القتلة الذين و قعوا في دائرة الكرة الاعمى، و القتل المجاني؛ كلاهما – و دون ان يدرى – عدو لنفسة و للاخرين: يقتلهم اليوم و يقتل نفسة غدا!

والي جانب هذا يمكن ملاحظة جوانب انسانية اخرى تطالعنا منذ بداية العمل، و تكرس فكرة الاقبال على الحياة، و التفانى في حبها على الرغم من كل الماسى و الحروب: فالحبيبة التي تقدم بها العمر كثيرا لا يزال الراوى يصفها بذات الجسد الرشيق ذى الخمسين ربيعا.(ص10)

والعاشق نفسة يصر على ان يبدا من جديد، و يستعيد حبة و هو في الخمسين.

وفضلا عن هذا فان المهن التي اختارها الكاتب لشخوصه؛ مهن الكتابة، و التمثيل، و الاخراج  و الرقص ايضا هي مهن تتميز عن غيرها بعلو جرعة الحركية فيها و الاحتفاء بالحياة، حيث يقوم المسرح علامة حياة تتحدي كل بوادر الموت و الدمار المنتشرة: فهنالك دوما عروض لا تكاد تتوقف، و هنالك استعراضات، و حيوات كثيرة، و اكثر من غجرية حسناء ك“ذهب” غادية و رائحة.

واخيرا فان ما يميز هذا العمل هو ذاك النفس الانسانى الذى قد تختصرة جملة واحدة: قد تعصف بالبلد حروب كثيرة و ملمات… لكن في النفس توقا مقدسا، و اشواقا لن يصادرها الموت ابدا مهما طال.

 


360 views