11:05 صباحًا الأحد 24 مارس، 2019






فن الحب اريك فروم

فن الحب اريك فروم

بالصور فن الحب اريك فروم ba1d0201d7bcafc678788185d3ccb1aa

 

الكتاب يريد ان يقنع القارئ بان كل محاولاته للحب يقضي عليها بالفشل ما لم يحاول محاوله اكثر فعاليه لتطوير شخصيته الكليه و ذلك لكى يحقق هدفا منتجا، و ذلك الاشباع للحب الفردى لا يمكن الحصول عليه بدون مقدره على محبه الجار و بدون التواضع الحق و الشجاعه و الايمان و النظام.
هل الحب فن
اذا حدث لاثنين يكونان غريبين شاننا جميعا ان سمحا فجاه للحائط بينهما ان يسقط و شعرا بالقربى، شعرا بانهما اصبحا شخصا واحدا، فان هذه اللحظه الخاصه بالشعور بالواحديه هى من اشد التجارب انبعاثا للبهجه و الاثارة. و هذه التجربه تكون باعثه اكثر للدهشه و الاعجاز بالنسبه للاشخاص المنعزلين المتوحدين الذين بلا حب. و هذه الاعجوبه الخاصه بالحميميه الفجائيه غالبا ما تكون امرا سهلا اذا ما اقترنت او صدرت بجاذبيه و تحقق جنسيين. و على ايه حال، فان هذا النمط من الحب لا يدوم بطبيعته نفسها. فالشخصان يزدادان تعرفا على بعضهما، و تشرع حميميتهما في فقدان طابعها الاعجازى الى ان يقتل تطاحنهما و خيبات املهما و همهما المشترك ما يتبقي من الاثاره الاولى. و مع هذا فانهما في البدايه لا يعرفان كل هذا: انهما يعتبران شده الافتتان، هذه “الجنة” ببعضهما دليلا على شده حبهما، بينما لا يبرهن هذا الا على درجه و حدتهما السابقة.
الي جانب تعلم النظريه و التطبيق يوجد عامل ثالث ضرورى لكى يصبح الانسان استاذا في اي فن يجب ان تكون مساله السيطره على اي فن مساله اهتمام قصوى. لا يجب ان يكون هناك اي شيء في العالم اكثر اهميه من الفن. ان الوحده المتحققه في العمل الانتاجى ليست و حده بين اشخاص، و الوحده المتحققه في الاندماج العربيدى و حده مؤقته و الوحده المتحققه عن طريق الامتثال ليست سوي و حده زائفة. و من ثم فهى ليست سوي حلول جزئيه لمشكله الوجود. و يكمن الحل الكامن في تحقيق الوحده بين الاشخاص، تحقيق الاندماج مع شخص اخر في الحب.

بالصور فن الحب اريك فروم 20160719 44
هذه الرغبه للاندماج مع شخص اخر هى اكبر توق لدي الانسان. انها اشد عواطفه جوهريه انها القوه التى تبقى الجنس البشرى متماسكا و كذلك القبيله و الاسره و المجتمع. و الفشل في تحقيق هذا الاندماج يعنى الجنون او الدمار الدمار للذات او الدمار للاخرين. فبدون حب ما كان يمكن للانسانيه ان توجد يوما واحدا.
وفى مقابل الوحده التكافليه نجد ان الحب الناضج هو الوحده بشرط الحفاظ على تكامل الانسان، الحفاظ على تفرديه الانسان. الحب هو قوه فعاله في الانسان، قوه تقتحم الجدران التى تفصل الانسان عن رفاقه، و التى توحده مع الاخرين. ان الحب يجعله يتغلب على الشعور بالانفصال و العزلة. و مع هذا يسمح له ان يكون نفسه، ان يحتفظ بتكامله. في الحب يحدث الانفراق: اثنان يصبحان واحدا و مع هذا يظلان اثنين.

بالصور فن الحب اريك فروم 20160719 566
فى الواقع، هذا الموقف الخاص بالتامل المركز هو اقصي نشاط قائم، نشاط للنفس لا يكون ممكنا الا في ظل الحريه الباطنيه و الاستقلال. فهناك مفهوم اخر للنشاط يشير الى استخدام القوي المغروسه للانسان بصرف النظر عما اذا كان قد حدث اي تغير فجائي… ان الانسان و هو يمارس شعوره ايجابيا يكون حرا، يكون سيد شعوره. و هو عندما يمارس شعورا سلبيا يكون مساقا، يكون موضوع الدوافع التى لا يعيها هو نفسه. و من ثم يصل اسبينوزا الى عبارته القائله بان الفضيله و القوه شيء واحد و هما الشيء نفسه، ان الحسد و الغيره و الطموح واي نوع من الشره هى اهواء، و الحب فعل ممارسه للقوه الانسانيه التى لا يمكن ممارستها الا في الحريه و ليس اطلاقا كنتيجه ارغام.
الحب نشاط، و ليس شعورا سلبيا، انه “الوقوف” و ليس “الوقوع” و باشد الطرق عموميه يمكن وصف الطابع الايجابى للحب بقولنا ان الحب هو العطاء اساسا و ليس التلقي.
ما هو العطاء اكبر سوء فهم على نطاق متسع، هو ذلك الذى يفترض ان العطاء هو “التخلى عن” شيء، هو الحرمان، هو التضحية.
العطاء اكثر ابتعاثا للفرح من التلقي، لا لانه حرمان، و لكن لان في فعل العطاء يكمن التعبير عن اتقادى بالحياة.
ومن يكن قادرا على ان يعطى من ذاته فهو غني، و هو يعيش نفسه كانسان يستطيع ان يعطى نفسه للاخرين. ان اهم مجال للاعطاء ليس هو مجال الاشياء الماديه بل هو المجال الذى يكمن في العالم الانسانى بصفه خاصة. فماذا يعطى الانسان للاخر انه يعطى من نفسه، من اثمن ما يملك، انه يعطى من حياته. و ليس هذا يعنى بالضروره ان يضحى بحياته للاخر بل انه يعنى انه يعطيه من ذلك الشيء الحى فيه، انه يعطيه من فرحه، من شغفه، من فهمه، من علمه، من مرحه، من حزنه من كل التعابير و التجليات لذلك الشيء الحى الذى فيه. و هكذا باعطائه من حياته انما يثرى الشخص الاخر، انه يعزز شعور الاخر بالحياه و ذلك بتعزيزه لشعوره هو بالحياة. انه لا يعطى لكى يتلقى، العطاء هو في ذاته فرح رفيع… العطاء يتضمن جعل الشخص الاخر معطاء ايضا، و الاثنان يشتركان في فرح ما قد حملاه الى الحياة. في فعل العطاء يولد شيء، و كلا الشخصين يكونان شاكرين للحياه التى تولد لهما كليهما. و يعنى هذا بالنسبه للحب ان الحب قوه تنتج الحب.
وليس من الضرورى ان نؤكد ان القدره على الحب كفعل للعطاء انما تتوقف على طبيعه تطور الشخص. انها تفترض اجتياز نزوع منتج على نحو سائد، و في هذا النزوع يكون الشخص قد قهر التبعيه و الشموليه النرجسيه و الرغبه في استغلال الاخرين او كنز المال، و يكون قد حصل على الايمان بقواه الانسانيه و الشجاعه في الاعتماد على قواه في الحصول على اهدافه. و هو بقدر ما تكون هذه الصفات ناقصه يكون خائفا من اعطاء نفسه و من ثم يكون خائفا من الحب.
وبجانب عنصر العطاء، فان الطابع الايجابى للحب يصبح جليا من انه يتضمن دائما عناصر رئيسيه معينه شائعه في كل اشكال الحب. هذه العناصر هي: الرعايه و المسؤوليه و الاحترام و المعرفة.
الحب هو الاهتمام الفعال بحياه و نمو ذلك الذى نحبه
المسؤوليه اليوم تعنى في الغالب الاشاره الى الواجب، الاشاره الى شيء مفروض على الانسان من الخارج. و لكن المسؤوليه في معناها الحقيقى هى فعل ارادى تماما. انها استجابتى لاحتياجات انسان اخر سواء عبر عنها ام لم يعبر. ان تكون “مسؤولا” يعنى ان تكون قادرا و مستعدا لان “تستجيب”.
ان المسؤوليه يمكن بسهوله ان تتدهور الى الهيمنه و التملك اذا لم تتالف من العنصر الثالث للحب الا و هو الاحترام. ليس الاحترام خوفا و خشيه انه يشير تمشيا مع جذر الكلمه Respicere تعنى التطلع الى الى القدره على رؤيه شخص كما هو و ادراك فردانيته المتفردة. الاحترام يعنى الاهتمام بان الشخص الاخر انما ينمو و يتكشف على نحو ما هو عليه…
فاذا احببت شخصا اخر فاننى اشعر اننى صرت معه او معها شخصا واحدا، و لكنى صرت معه شخصا واحدا على نحو ما هو عليه لا على نحو ما انا محتاج اليه ليكون موضوعا لفائدتي. الاحترام لا يكون ممكنا الا اذا حققت الاستقلال. و الاحترام لا يوجد الا على اساس الحرية: “الحب هو و ليد الحرية”.
ولا يكون احترام الشخص ممكنا بدون معرفته… و هى لا تكون ممكنه الا عندما اتجاوز الاهتمام بنفسى و اري الشخص الاخر في اطاره.
الحب هو الطريق الوحيد للمعرفه و الذى يرد على تساؤلى في فعل الوحدة. في فعل الحب، في فعل اعطاء النفس، في فعل النفاذ الى الشخص الاخر، اجد نفسى اكتشف نفسي، اكتشف كلينا، اكتشف الانسان.
الطريق الوحيد للمعرفه الكامله يكمن في فعل الحب: ان هذا الفعل يتجاوز الفكر، يتجاوز الكلمات. انه الانغمار الجريء في تجربه الوحدة.
ان تجربه الوحده او الاتحاد بالانسان، او بالله اذا تحدثنا على نحو دينى ليست تجربه لاعقلانية. بل على العكس، انها على نحو ما نوه البرت شفايتزر نتيجه العقلانية. انها نتيجتها الجريئه و المتطرفه للغاية. انها قائمه على معرفه محدوديات معرفتنا الرئيسيه لا العرضية. انها المعرفه باننا لن “نستحوذ” مطلقا على سر الانسان و الكون، و لكننا مع هذا نستطيع ان نعرف في فعل الحب. ان علم النفس كعلم له حدوده، و كما ان النتيجه المنطقيه للاهوت هى التصوف فان النتيجه القصوي لعلم النفس هى الحب.
الرعايه و المسؤوليه و الاحترام و المعرفه كلها متشابكه و معتمد كل منها على الاخر. انها عرض لانظار نجدها في الشخص الناضج، اي في الشخص الذى ينمى قواه على نحو مثمر، الشخص الذى لا يريد ان يملك سوي ذلك الذى عمل من اجله: الشخص الذى اقلع عن الاحلام النرجسيه الخاصه بالمعرفه بكل شيء و القدره على كل شيء، الشخص الذى احتاز على التواضع القائم على القوه الباطنيه التى لا يستطيع اعطاءها سوي النشاط المستمر الاصيل.
اطيل الكلام عن الحب بانه قهر الانفصال الانساني، بانه تحقق الاشتياق الى الوحده او الاتحاد. و لكن فوق الحاجه الوجوديه الشامله للوحده تنشا حاجه بيولوجيه اكثر خصوصية: الرغبه في الوحده بين قطبى الذكر و الانثى. فكما ان لدي الرجل و المرأة من الناحيه الفسيولوجيه هرمونات الجنس الاخر، فانهما مزدوجا الجنسيه ايضا بالمعني السيكولوجي. انهما يحملان في نفسيهما مبدا التلقى و النفاذ. مبدا الماده و الروح. ان الرجل و المرأة لا يجدان و حدتيهما داخل نفس كل منهما الا في و حدتهما الذكريه و الانثوية. و هذه القطبيه هى اساس كل ابداعية.

بالصور فن الحب اريك فروم 20160719 567
ان قطبيه الذكر–الانثي هى ايضا الاساس للابداعيه بين الاشخاص. و يتضح هذا بيولوجيا في ان اتحاد الحيوان المنوى للذكر ببويضه الانثي هى اساس ميلاد الطفل. و لكن في العالم النفسى المحض الامر ليس مختلفا، ففى الحب بين رجل و امرأة تعاد ولادتهما من جديد.
ان مشكله القطبيه الذكرية–الانثويه تفضى الى نقاش اخر عن موضوع الحب و الجنس. لقد تكلمت من قبل عن خطا فرويد في انه راى في الحب على نحو مطلق التعبير اعلاء او تساميا للغريزه الجنسيه بدلا من ان يتبين ان الرغبه الجنسيه هى تجل من تجليات الحاجه الى الحب و الاتحاد.
الحب بين الوالدين و الطفل
تكون المشكله عند معظم الاطفال بين سن الثامنه الى العاشره على نحو يكاد يكون مطلقا ان يحب ان يحب لما هو عليه.
عند هذه النقطه في تطور الطفل يدخل عامل جديد في الصورة. شعور جديد بانتاج الحب بسبب نشاط الفرد… لاول مره في حياه الطفل تتحول فكره الحب من كونه محبوبا الى كونه محبا: تتحول الى خلق الحب.
ويحدث للطفل الذى يمكن الان ان يكون يافعا ان يتغلب على تمركزه حول ذاته، لا يعود الشخص الاخر و سيله اساسا لاشباع حاجته. ان احتياجات الشخص الاخر تكون مهمه بقدر اهميه احتياجاته هو و في الواقع انها تصبح اكثر اهمية. الاعطاء قد اصبح اكثر ابتعاثا للاشباع و الفرح من التلقي. انه و هو يحب يكون قد ترك خليه سجن الوحده ذلك السجن الذى انشاته حاله النرجسيه و التمركز الذاتي.
ان الحب الطفولى يسير على مبدا “اننى احب لاننى محبوب” اما الحب النرجسى فانه يسير على مبدا “اننى احبك لاننى احتاج اليك” ام الحب الناضج فيقول: “اننى احتاج اليك لاننى احبك”.
تكون الام و الطفل شيئا واحدا، بالرغم من انهما اثنان. ان الميلاد يغير الموقف في بعض النواحي، فالطفل و هو الان يعيش خارج الرحم، لا يزال يعتمد اعتمادا كليا على الام. و لكنه يصبح بمرور الايام اكثر استقلالا: انه يتعلم المشى و الكلام و اكتشاف العالم بنفسه، و تفقد العلاقه بالام بعضا من دلالتها الحيويه و بدلا من هذا نجد ان العلاقه بالاب تزداد اهمية.
علي حين ان الاب لا يمثل العالم الطبيعى فانه يمثل القطب الاخر للوجود الانساني، عالم الفكر، عالم الاشياء التى من صنع الانسان، عالم القانون و النظام، عالم الانتظام، عالم السفر و المغامرة…
ان العلاقه بالاب مختلفه تماما، الام هى البيت الذى اتينا منه، انها الطبيعة. ان الطفل يحتاج الى حب الام المطلق و رعايتها الفسيولوجيه و السيكولوجيه على حد سواء. و يبدا الطفل بعد السادسه يحتاج الى حب الاب و سلطته و ارشاده. ان للام و ظيفه جعله امنا في الحياه و للاب و ظيفه تعليمه و ارشاده لكى يواجه تلك المشكلات التى يواجه بها المجتمع الخاص الطفل. و في هذا التطور من التعلق الممركز حول الام الى التعلق الممركز حول الاب و المركب الذى يتكون منهما يكمن اساس الصحه العقليه و تحقيق النضج. و في فشل هذا التطور يكمن السبب الرئيسى للعصاب. يمكن لاحد اسباب التطور العصابى ان يكمن في ان للطفل اما محبه و لكن مغرمه في الحب، او مهيمنه عليه، و ابا محبا و لكنه ضعيف و غير مهتم. و في هذه الحاله يمكن ان يظل الطفل مثبتا في مرحله مبكره من التعلق بالام، و يتطور الى شخص يعتمد على الام و يشعر بالعجز و له حالات التوق المميزه للشخص المتلقى اي التلقى لكى يحصل على الحمايه و الرعايه و الذى تنقصه الصفات الابوية: النظام، الاستقلال، و قدرته على السيطره على الحياة. و قد يحاول ان يجد “امهات” في كل شخص.
والشيء المميز لكل هذه التطورات العصابيه هو ان احد المبداين الابوى او الامومى يفشل في التطور او و هذه هى الحاله في التطور العصابى الشديد ان يختلط دورا الام و الاب معا بالنسبه للاشخاص في الخارج و بالنسبه لدوريهما في داخل الشخص. و قد يكشف الفحص الادق ان بعض انماط العصاب كالعصاب الحصرى تتطور اكثر على اساس تعلق ابوى احادى الجانب على حين ان الانماط الاخري مثل الهستيريا و الادمان و العجز عن تاكيد الذات و مجاراه الحياه و اشكال الاكتئاب تنتج من التمركز حول الام.
موضوعات الحب
ليس الحب اساسا علاقه بشخص معين، ان الحب موقف، اتجاه للشخصيه يحدد علاقه شخص بالعالم ككل، لا “نحو موضوع” واحد للحب.
اذا كنت احب شخصا واحدا حبا حقيقيا، فاننى احب الاشخاص جميعا، احب العالم، احب الحياة. اذا استطعت ان اقول لشخص اخر “اننى احبك” فيجب ان اكون قادرا على ان اقول: “اننى احب فيك كل شخص، احب من خلالك العالم، احب فيك نفسى ايضا”.
ان القول بان الحب نزوع يشير الى الكل و ليس الى واحد لا يتضمن على ايه حال الفكره التى تذهب الى انه لا توجد فروق بين الانواع المختلفه للحب التى تعتمد على نوع الموضوع الذى يحب.
ا الحب الاخوي:
اشد انواع الحب اساسيه الذى يتضمن كل انواع الحب هو الحب الاخوى و اقصد بهذا الشعور بالمسؤوليه و الرعايه و الاحترام و المعرفه ازاء اي كائن انسانى اخر، و الرغبه في تطوير حياته… الحب الاخوى هو حب لكل البشر الاخرين، و هذا الحب يتصف بانه حب من الاستثناء. فاذا طورت مقدرتى على الحب فهذا يعنى اننى لا املك سوي حب اخوتي. في الحب الاخوى توجد تجربه الاتحاد بكل الناس، توجد تجربه التضامن الانساني. يقوم الحب الاخوى على تجربه اننا جميعا واحد.
ب الحب الامومي
ارض الميعاد الارض دائما هى رمز للام توصف بانها “تتدفق لبنا و عسلا”. اللبن هو رمز الجانب الاول للحب: ذلك الجانب الخاص بالرعايه و التاكيد. و العسل يرمز الى حلاوه الحياه و محبتها و السعاده في ان الانسان حي. معظم الامهات قادرات على اعطاء “اللبن” لكن قله منهن قادرات على اعطاء “العسل” ايضا.
ان حب الام للحياه معد بقدر ما ان قلقها معد. كلا الموقفين لهما تاثير عميق على الشخصيه الكليه للطفل: و يمكن للانسان في الحقيقه ان يفرق داخل الاطفال و اليافعين بين اولئك الذين ليس لديهم سوي “اللبن”، و اولئك الذين قد حصلوا على “اللبن و العسل”.
ولكن مهما يكن ثقل هذا العامل الغريزى فان هناك ايضا عوامل سيكولوجيه انسانيه خاصه مسؤوله عن هذا النوع من الحب الامومي. يمكننا ان نجد عاملا منها في العنصر النرجسى في الحب الامومي. فبقدر ما ان الطفل لا يزال يشعر انه جزء منها، فان حبها و افتتانها قد يعدان اشباعا لنرجسيتها. و يمكن ان نجد دافعا اخر في رغبه الام في القوه او التملك.
فى الحب الشبقى نجد ان اثنين منفصلين يصبحان واحدا. و في الحب الامومى نجد ان اثنين هما شخص واحد يصبحان منفصلين.
ج الحب الشبقى او الجنسي
اذا احببت اخي، فاننى احب كل اخوتي، و اذا احببت طفلى فاننى احب كل اطفالى بل اننى احب كل الاطفال. و على عكس نمطى الحب هذين يكون الحب الجنسي، انه سعى للاندماج الكامل، للاتحاد مع شخص اخر. و هو بطبيعته قاصر على شخص و ليس مطلقا، و ربما كان هذا الحب اشد انواع الحب خداعا.
عند معظم الناس الحميميه تقوم اساسا من خلال العلاقه الجنسية. و لما كانوا يعيشون انفصال الشخص الاخر اساسا كانفصال جسماني، فان الاتحاد الجسمانى يعنى قهر الانفصال. و لكن كل هذه الانواع من القربي تميل الى النقصان اكثر بمرور الزمن. و النتيجه هى ان يبحث الواحد عن الحب مع شخص جديد، مع غريب جديد. و مره اخري يتحول الغريب الى شخص “حميم”، مره اخري تشتد و تتضاعف تجربه الوقوع في الحب، و مره اخري تقل الشده على نحو بطيء، و تنتهى بالرغبه في انتصار جديد، حب جديد و دائما مع وجود الوهم ان الحب الجديد سيكون مختلفا عن حالات الحب السابقة. و يساعد على هذه الاوهام طابع الرغبه الجنسيه الخادع.
ولما كانت الرغبه الجنسيه و هى التى تهدف الى الاندماج في عقول معظم الناس مقترنه بفكره الحب، فهم يخطئون عندما يتوصلون الى انهم يحبون بعضا عندما يشتهون بعضهم جسمانيا. يمكن للحب ان يلهم الرغبه في الوحده الجنسية… فاذا لم يكن الحب هو الذى يبعث الرغبه في الاتحاد الجسماني، و اذا لم يكن الحب الجنسى ايضا حبا اخويا فان هذه الرغبه لا تفضى اطلاقا الا الى و حده لا تزيد عن الشعور العربيدى المؤقت العابر. ليست الرقه بايه حال كما يعتقد فرويد تساميا بالغريزه الجنسيه و انما هى المحصله المباشره للحب الاخوي.
الحب الجنسى استثناء، لكنه يحب في الشخص الثانى البشريه جمعاء و كل ما هو حي. انه ليس استثناء الا بمعني اننى استطيع ان ادمج نفسى على نحو كامل و شديد بشخص واحد فقط. الحب الجنسى لا يستبعد الحب للاخرين الا بمعني الاندماج الجنسي، الالتزام الكامل لجميع جوانب الحياه و لكن ليس بمعني الحب الاخوى العميق.
الحب الجنسي، لو كان حبا، له مقدمه واحده اننى احب من جوهر وجودى و اعيش الشخص الاخر في جوهر وجوده او وجودها. و من الناحيه الجوهريه نجد ان كل البشر متماثلون. اننا جميعا جزء من الواحد، اننا الواحد، و هكذا يجب ان يكون الحب جوهريا فعلا للاراده للقرار الخاص بالزام حياتى تماما لحياه هذا الشخص.
فاذا تم الزواج، فيجب على فعل الاراده ان يضمن استمرار الحب.
د حب الذات
حب الذات عند فرويد هو نفسه النرجسيه تحول الليبيدو الى النفس. و النرجسيه هى اقدم مرحله في التطور الانساني، و الشخص الذى تتحول في حياته المتاخره الى هذه المرحله من النرجسيه عاجز عن الحب.
الشخص الانانى ليس مهتما الا بنفسه و يريد كل شيء لنفسه، و لا يشعر بايه لذه في العطاء، بل يشعر بها في الاخذ. انه يفتقد الاهتمام بحاجات الاخرين. انه لا يستطيع ان يري سوي نفسه، انه يحكم على كل فرد و كل شيء من زاويه النفع بالنسبه له، انه اساسا عاجز عن الحب… الشخص الانانى لا يحب نفسه كثيرا بل يحبها قليلا جدا، انه في الواقع يكره نفسه. و هذا الافتقاد للاعجاب و الرعايه لنفسه يتركه خاويا و محبطا… لقد ذهب فرويد الى ان الشخص الانانى نرجسى كما لو كان قد سحب حبه من الاخرين و حوله الى شخصه.
واسهل علينا ان نفهم الانانيه بمقارنتها بالاهتمام الشره بالاخرين كما نجدها مثلا في الام المفرطه في تعلقها. فعلي حين انها تعتقد بوعى انها مغرمه بصفه خاصه بطفلها، فانها في الواقع تملك عداوه مكبوته عميقه نحو موضوع اهتمامها. انها مفرطه في الاهتمام لا لانها تحب الطفل كثيرا جدا، بل لان عليها ان تعوض افتقادها للقدره على حبه اصلا.
يقول ايكهارت: “اذا احببت نفسك فقد احببت كل شخص اخر كما تفعل ازاء نفسك. و طالما انك تحب شخصا اخر اقل مما تحب نفسك، فلن تنجح حقا في حبك نفسك، و لكن اذا انت احببت الكل على السواء بما في ذلك نفسك فسوف تحبهم كشخص واحد و هذا الشخص هو كلا الله و الانسان و من ثم سيكون شخصا عظيما و على حق ذلك الذى هو يحب نفسه يحب كل الاخرين على حد سواء”.
ه – حب الله
فى المرحله الاموميه تكون الام هى الكائن الاسمى. انها الالهة. و هى ايضا السلطه في الاسره و المجتمع. ان حب الام مطلق، انه شامل الحمايه انه مستحوذ محيط. و لما كانت الام تحب اطفالها لانهم اطفالها، و ليس لانهم مطيعون او “طيبون” او يحققون رغباتها و اوامرها، فان حب الام قائم على المساواة. كل الناس متساوون لانهم جميعا اطفال ام، لانهم جميعا اطفال الارض الام.
المرحله التاليه هى المرحله الابوية. و في هذه المرحله تخلع الام عن عرش مكانتها الساميه و يصبح الاب هو الكائن الاعلي في الدين و المجتمع على السواء.
وطبيعه الحب الابوى هى انه يضع مطالب و يؤسس مبادئ و قوانين وان حبه لابنه متوقف على طاعه الاخير لهذه المطالب. و يسير تطور المجتمع الابوى مع تطور الملكيه الخاصة. و نتيجه لهذا، المجتمع الابوى مجتمع هرمي، فالمساواه بين الاخوه تتراجع امام المنافسه و النزاع المتبادل. ان الجانب الابوى يجعلنى احب الله كابن، اننى افترض انه عادل و صارم، و انه يعاقب و يكافئ، و انه سيحدث ان يختارنى كابنه المحبوب.
وفى الجانب الامومى للدين احب الله كام تحتضن الجميع. ان لدى ايمانا بحبها انها سوف تحبني، انها لن تفضل احدا اخر من اولادها علي، و مهما يحدث لى سوف تنقذنى و سوف تسامحني.
يصبح الله بالنسبه للشخص المتدين حقا رمزا فيه يعبر الانسان في مرحله مبكره من تطوره عن الشموليه التى يسعي اليها الانسان، مملكه العالم الروحي، مملكه الحب و العدل و الحق.
من و جهات النظر الهنديه و الصينيه و الصوفيه لا تكون المهمه الدينيه للانسان هى التفكير الحق، بل السلوك الحق، او ان يتحد المرء مع الواحد في فعل التامل المركز.
يبدا الطفل بالتعلق بامه باعتبارها “اساس الوجود كله”. انه يشعر بالعجز و هو يحتاج الى حب الام المحيط الشامل. ثم حينئذ يستدير الى الاب باعتباره المركز الجديد: باعتباره المبدا المرشد للعدو و العمل. و في هذه المرحله يمتلئ بدافع الحاجه الى اكتساب ثناء الاب و تجنب ضرره. و في مرحله النضج الكامل يحرر نفسه من شخص الام و شخص الاب باعتبارهما قوتى الحمايه و الامر. انه يكون قد انشا مبداى الامومه و الابوه في نفسه. لقد اصبح هو اباه و امه. انه الاب و الام. و في تاريخ الجنس البشرى نري و يمكننا ان نتنبا ب التطور نفسه: في البدايه يكون حب الله مثل التعلق العاجز بالربه الام. و من خلال التعلق المطيع للاله الاب، ينتقل الى مرحله ناضجه يكف فيها الله عن ان يكون قوه خارجيه حيث يكون الانسان قد جسد مبداى الحب و العدل في نفسه، حيث اصبح متحدا مع الله الى درجه لا يتحدث فيها عن الله الا بشكل شعرى رمزي.
ومن هذه الاعتبارات يترتب ان حب الله لا يمكن ان ينفصل عن حب الانسان لوالديه. فاذا لم يخرج الانسان من التعلق الشديد بالام و القبيله و الامه اذا تمسك بالاعتماد الطفولى على الاب المعاقب و المثيب او ايه سلطه اخري فانه لا يستطيع ان ينمى حبا اكثر نضجا لله، و عندئذ يكون دينه هو تلك المرحله المبكره من الدين التى يعاش فيها الله كام شامله الحمايه او كاب يعاقب و يثيب.
يحتفظ كل انسان في داخله، في لاشعوره، كما اوضح فرويد، بجميع المراحل ابتداء من الطفل العاجز الى ما بعد ذلك. و المساله هى الى اي حد قد شب. هناك شيء واحد مؤكد: ان طبيعه حبه لله تتفق مع طبيعه حبه للانسان، و زياده على ذلك، ان الصفه الحقيقيه لحبه لله و الانسان غالبا ما تكون لاشعوريه مغطاه و معقلنه بفكره اكثر نضجا عما هو حبه. زياده على ذلك، ان حبه للانسان و هو يتجسد مباشره في علاقاته باسرته هو في التحليل الاخير انما يتجدد ببناء المجتمع الذى يعيش فيه.
الحب و تفككه في المجتمع الغربى المعاصر
يمكن صياغه المشكله الانسانيه للراسماليه الحديثه بهذه الطريقة: تحتاج الراسماليه الحديثه الى الناس الذين يتعاونون بشكل هادئ و باعداد كبيره الناس الذين يريدون ان ينفقوا اكثر و اكثر، و الذين تصبح اذواقهم متساويه و فق معيار محدد، و الذين يمكن التاثير عليهم و توجيههم بسهولة. انها تحتاج الى اناس يشعرون بانهم احرار و مستقلون، و ليسوا خاضعين الى ايه سلطه او اي مبدا او اي ضمير و مع هذا يكونون راغبين في ان ياتمروا و يفعلوا ما هو متوقع منهم وان يتلاءموا في الاله الاجتماعيه دون اختلاف، و الذين يمكن توجيههم بدون قوه و يمكن ان يقادوا بدون قاده وان ينتشروا بدون هدف فيما عدا هدف واحد هو عمل الخير، وان يكونوا في التيار وان يعملوا و يستمروا.
ان الانسان الحديث يتغذي جيدا، يكتسى جيدا، يشبع رغباته الجنسيه و فكاهته تكمن في اشعاع استهلاك السلع و ”اخذها”، و كذلك الطعام و المشروبات و السجائر و الناس و المحاضرات و الكتب و السينما كلها تستهلك و تبتلع. العالم هو موضوع كبير لشهيتنا. ان شخصيتنا قد جهزت للمقايضه و التلقي، للمسامره و الاستهلاك، و كل شيء. الاشياء الروحيه و كذلك الاشياء الماديه تصبح موضوع مقايضه و استهلاك.
ليس الحب نتيجه الاشباع الجنسي، بل ان السعاده الجنسيه حتى معرفه ما يسمي بالتقنيه الجنسيه هى نتيجه الحب.
تجعل اشكال الكف او الكبت الحب مستحيلا. ان الخوف او الكراهيه للجنس الاخر قائم في جذر تلك الصعوبات التى تحول بين الشخص وان يعطى نفسه كاملا، تحول بينه و التصرف تلقائيا، تحول بينه و الثقه في الشريك الجنسي، في مباشره و ملاصقه القربي الجسمانية. فاذا انتقل الشخص المكبوت جنسيا من الخوف او الكراهيه و من ثم اصبح قادرا على الحب، فان مشكلاته تكون قد حلت.
لا يصلح الاشباع الكامل لجميع الاحتياجات الغريزيه فقط كاساس للسعاده بل لا يتضمن حتى الصحه العقلية. فالذين يكرسون حياتهم لاشباع جنسى غير محدود لا يحصلون على سعاده بل يعانون في الاغلب من الصراعات او الاعراض المرضيه العصابيه الشديدة. غير ان فكره فرويد ما كان لها ان تصبح على هذه الدرجه من الشعبيه في فتره ما بعد الحرب العالميه الثانيه الا بسبب التغيرات التى حدثت في روح الراسماليه من التاكيد على التوفير الى التاكيد على الانفاق، من احباط الذات كوسيله للنجاح الاقتصادى الى الاستهلاك كاساس لسوق اخذ في الاتساع و كاشباع رئيسى لفرد قلق تمكنن.
الشرط الرئيسى للحب العصابى يكمن في ان احد المحبين او ان كليهما يظلان متعلقين بشخص الاب، و يحول، او يحولان، المشاعر و التوقعات و المخاوف التى سبق ان تملكته تجاه الاب او الام الى الشخص المحبوب في حياه اليفاعة. ان هؤلاء الاشخاص لم يخرجوا اطلاقا من انموذج التعلق الطفولي، و هم يبحثون عن هذا الانموذج في المطالب العاطفيه في حياه اليفاعة. و في هذه الحالات، يظل الشخص من الناحيه العاطفيه طفل اثنين او خمسه او اثنى عشر عاما على حين انه من الناحيه العقليه و الاجتماعيه على مستوي عصره الذى يتتابع تاريخيا. و في الحالات الاشد، عدم النضج العاطفى هذا يؤدى الى اضطرابات في تاثراته الاجتماعية. و في الحالات الاقل حده يكون الصراع محدودا على مجال العلاقات الحميمية.
نجد علاقه الحب العصابى كثيرا اليوم، و هى تتناول الناس الذين ظلوا في تطورهم العاطفى مثبتين في تعلقهم الطفلى بالام. هؤلاء رجال لم يفطموا بعد من امهم. هؤلاء الناس لا يزالون يشعرون كالاطفال انهم بحاجه الى حمايه الام و حبها و دفئها و رعايتها و اعجابها، انهم يريدون حب الام المطلق، و هو حب يعطي لا لسبب سوي انهم يحتاجون اليه، و انهم اطفال الام و انهم عاجزون… اذا ما حاولوا ان يغروا امرأة لكى تحبهم، و حتى بعد ان ينجحوا في هذا، تبقي علاقتهم بالمراه مثل علاقتهم بكل الاخرين في الواقع طفيليه و غير مسؤولة. ان هدفهم هو ان يحبوا لا ان يحبوا. و عاده ما يكون هناك قدر كبير من العبث لدي هذا النوع من الرجال، و افكار بالعظمه خفيه بشكل او باخر، فاذا و جدوا المرأة المناسبه فانهم يشعرون بالامان، و بانهم على قمه العالم. و هم يستطيعون اظهار قدر كبير من الحب و السحر، و هذا هو السبب الذى يجعلهم مخادعين في الاغلب. و لكن، عندما لا تستمر المرأة بعد مده في ان تعيش و فق توقعاتهم الخياليه الناشطه تبدا الصراعات و الاستياء. خصوصا اذا لم تكن المرأة تعجب بهم دوما، و اذا ابدت مطالب للحياه خاصه بها، و اذا ارادت ان تحب وان تحمى نفسها.
لا يزال هناك شكل اكثر حده من المرض هو التثبيت و التعلق بالام، و هو مرض اكثر عمقا و اكثر لاعقلانية. و على هذ المستوي ليست الرغبه اذا ما تحدثنا رمزيا هى العوده الى ذراعى الام الدافئين، و لا العوده الى صدرها المغذي، بل الى رحمها المتلقى الشامل و المدمر الشامل. فاذا كانت طبيعه الصحه العقليه هى النمو من الرحم الى العالم، فان طبيعه المرض العقلى الشديد هو الانجذاب الى الرحم، الدخول فيه من جديد و هذا يعنى الانسحاب من الحياة. هذا النوع من التثبيت يحدث عاده في العلاقه بالامهات اللواتى يربطن انفسهن باطفالهن. في هذه الطريقه الملتهمه المدمره و احيانا باسم الحب، و احيانا باسم الواجب، يردن ان يبقين الطفل و اليافع و الرجل داخلهن، فهو لا يجب ان يكون قادرا على التنفس الا من خلالهن، غير قادر على الحب الا على مستوي جنسى زائف مع الحط من شان كل النساء الاخريات، يجب الا يكون قادرا على ان يكون حرا و مستقلا و الا يصبح سوي مشلول ابدى او مجرم ابدي.
هذا الجانب للام، الجانب التدميرى المبتلع، هو الجانب السلبى لشخص الام. تستطيع الام ان تعطى الحياه و تستطيع ان تاخذ الحياة. انها الشخص الذى يحب، و هى الشخص الذى يدمر. تستطيع ان تاتى باعاجيب الحب، و ما من مخلوق يستطيع ان يؤذى اكثر منها. و في الصور الدينيه مثل كالى الربه الهندوسية)، و في رمزيه الحلم يمكن للجانبين المتقابلين للام ان يوجدا في اغلب الاحيان، و هناك خطا متكرر و هو الوهم القائل بان الحب يعنى بالضروره غيبه الصراع، غير ان السبب لهذا يكمن في ان “صراعات” معظم الناس هى بالفعل محاولات لتجنب الصراعات الحقيقية. ان هذه الصراعات هى عدم اتفاقات حول المسائل الثانويه او التافهه و هى بطبيعتها لا تؤدى الى و ضوح او الى حل، اما الصراعات الحقيقيه بين شخصين: الصراعات التى تفيد، و التى تعاش على المستوي العميق للواقع الباطنى الذى تنتمى اليه، هى صراعات غير مدمره انها تفضى الى جلاء المساله تنتج تطهيرا منه ينبثق الشخصان و لديهم مزيد من المعرفه و مزيد من القوة.
لا يكون الحب ممكنا الا اذا تواصل شخصان معا من مركز وجودهما، و من ثم اذا عاش كل منهما بنفسه من مركز وجوده. في هذه “الاعاشه المركزية” تكمن الحقيقه الانسانيه هنا فقط تكمن الحياه هنا فقط يوجد اساس الحب. و الحب معاشا على هذا النحو، هو تحد دائم. انه ليس مستقرا للراحه بل هو تحرك و نمو و عمل مشترك. حتى اذا كان هناك تناغم او كان هناك صراع، اذا كان هناك فرح او كان هناك حزن،… ان شخصين يعيشان نفسيهما من ما هيه وجودهما، كل منهما واحد بالنسبه للاخر، عن طريق ان يصبحا واحدا مع نفسيهما بدلا من الهرب من نفسيهما.
هناك دليل واحد على حضور الحب هو عمق العلاقه و الحيويه و القوه في كل شخص منهما، هذه هى الثمره التى يدرك بها الحب.
تنفصل الحياه اليوميه على نحو صارم عن ايه قيم دينية. انها مكرسه للسعى من اجل الراحه الماديه و النجاح في سوق الشخصية.
لقد حول الانسان الحديث نفسه الى سلعه انه يعيش طاقه حياته كاستثمار عليه ان يجنى مقابله اكبر ربح، و هو يقدر وضعه و موقفه في سوق الشخصية. انه مغترب عن نفسه، و عن رفاقه، و عن الطبيعة.
ممارسه الحب
الحب تجربه شخصيه لا يمكن ان تكون لدي كل انسان الا بنفسه و لنفسه اولا و قبل كل شيء. تتطلب ممارسه الفن النظام. لن افلح في اي شيء اذا لم افعله بطريقه منظمة. ان اي شيء لا افعله الا “بمزاج” قد يكون هوايه جميله او مسليه لكننى لن اصبح اطلاقا سيدا في ذلك الفن، و على ايه حال فان الحياه بدون مثل هذا النظام تصبح مبعثره في حاله فوضى، و تفتقد التركيز.
هذا التركيز هو شرط ضرورى للسيطره على الفن و لا يحتاج هذا الى دليل. فالتدخين علامه من علامات هذا النقص في التركيز، انه يشغل اليد و الفم و العين و الانف.
وهناك عامل ثالث هو الصبر. فاي شخص يحاول ان يسيطر على فن من الفنون يعرف ان الصبر ضرورى اذا كان يريد تحقيق شيء. و هناك شرط لتعلم اي فن هو الاهتمام الاقصي لاحراز السياده في هذا الفن.
بالنسبه لفن الحب يعنى هذا ان اي شخص يامل ان يصبح استاذا في هذا الفن يجب ان يبدا بممارسه النظام و التركيز و الصبر طوال كل حقبه من حقب حياته.
كيف يمكن للانسان ان يمارس النظام؟
من الجوهرى الا يمارس النظام كقاعده مفروضه على الانسان من الخارج بل يمارس كتعبير عن اراده الانسان، و كممارسه جميله يشعر بها. الانسان الذى يعود نفسه ببطء على نوع من السلوك سيفتقده اذا ما توقف عن ممارسته. من الجوانب السيئه في المفهوم الغربى عن النظام كما هو بالنسبه لكل فضيلة ان ممارسته تفترض الالم، و عندما تكون الممارسه مؤلمه فانها و حدها “خير” للانسان. لقد ادرك الشرق منذ امد طويل ان ما هو خير للانسان لجسمه و لنفسه يجب ان يكون ايضا مستحسنا، حتى لو كانت هناك بعض المقاومه في البدايه فيجب التغلب عليها.
كانت و صيه الاجداد هى الاستيقاظ مبكرا في الصباح و عدم الانغماس في و سائل الترف غير الضروريه و العمل الشاق… و كمقابل و توازن للطريقه الروتينيه للحياه المفروضه علينا خلال ثمانى ساعات عمل هناك: الاستيقاظ في ساعه محدده و تخصيص قدر معين من الوقت خلال النهار لانشطه مثل التامل و القراءه و الاستماع الى الموسيقي و عدم الانغمار في اوجه النشاط الهروبيه مثل القصص و الافلام البوليسيه و عدم الافراط في الاكل و الشرب؛ هذه قواعد اولية.
اهم خطوه في تعلم التركيز هى تعلم كيف يكون الانسان وحيدا مع نفسه بدون اطلاع، بدون استماع للراديو، بدون تدخين، بدون شرب. و الحقيقه ان القدره على التركيز تعنى القدره على الوحده مع النفس. و هذه القدره هى شرط دقيق للقدره على الحب. اذا تعلقت بشخص اخر لاننى لا استطيع ان اقف على قدمى و حدى فقد يكون هذا الشخص منقذا لحياتي، لكن العلاقه حينئذ لا تكون علاقه حب، و على نحو متناقض فان القدره على الوحده هى شرط القدره على الحب.
من المفيد ممارسه تمرينات بسيطه قليله جدا، على سبيل المثال، الجلوس في وضع استرخائى لا الكسل المطبق و لا التصلب المشدد و اغماض العينين، و محاوله رؤيه شاشه بيضاء امام البصر، و محاوله محو كل الصور و الافكار المتداخله ثم محاوله متابعه التنفس، لا التفكير فيه و لا ارغامه بل متابعته، و بهذا يمكن الشعور به، و زياده على ذلك محاوله تملك الشعور ب”الانا”، الانا: نفسي، كمركز لقواي، كخالق لعالمي. على الاقل، يمكن للانسان ان يفعل على الاقل مثل هذا التمرين للتركيز كل صباح لعشرين دقيقه واذا امكن مده اطول و كل مساء قبل النوم.
بجانب مثل هذه التمرينات، على الانسان ان يتعلم كيف يركز في كل شيء يفعله، في الانصات الى الموسيقى، في قراءه الكتاب، في التحدث الى شخص، في رؤيه منظر. النشاط في هذه اللحظه الخالصه يجب ان يكون الشيء الوحيد الذى يهم، و الذى يكرس له الانسان نفسه تماما.
وتعلم التركيز يقتضى تجنب الحديث التافه بقدر الامكان، اي الحديث الذى لا اصاله له، اي عندما لا يكون القلب فيما يقول.
يعنى التركيز، بالنسبه للاخرين، اساسا القدره على الانصات
اى نشاط، اذا جري بشكل مركز، يجعل الانسان اكثر تيقظا. التركيز يعنى العيش تماما في الحاضر، في الهنا و الان، و عدم التفكير في الشيء التالى الذى يجب ان يفعل بينما انا افعل شيئا حقا الان. يجب ان يمارس التركيز من قبل اناس يحبون بعضهم. عليهم تعلم ان يكونوا لصيقين ببعضهم دون التشتت في عده طرق…
لا يستطيع الانسان ان يركز بدون ان يصبح حساسا لنفسه. و هذا يعنى ان يكون العقل في حاله تيقظ استرخائي، مستعد لكل التغيرات الفجائيه في الموقف الذى يركز فيه.
واذا نظرنا الى موقف الحساسيه من شخص اخر، نجد ان اوضح مثال على الحساسيه و الاستجابه هو موقف الام من رضيعها. انها تلاحظ بعض التغيرات المعنيه في جسمه، تلاحظ مطالبه، اشكال قلقه، قبل ان يجرى التعبير عنها بوضوح. انها تستيقظ بسبب صراخ طفلها، حيث ان صوتا اخر اعلي لا يمكن ان يوقظها. كل هذا يعنى انها حساسه لمظاهر حياه الطفل. هى ليست قلقه او مضطربه بل هى في حاله هدوء يقظ، مستجيبه لاى تواصل ذى دلاله يصدر اليها من الطفل. بالطريقه عينها يمكن للانسان ان يكون حساسا بالنسبه لنفسه… و الشيء نفسه يحدث عندما نلاحظ متى يكون الشخص مثارا او غاضبا، او ميالا الى احلام اليقظه او اوجه النشاط الهروبيه الاخرى. في كل من هذه الامثله الشيء المهم هو ان يعيها الانسان، لا ان يتعقلها بالف طريقه و طريقه يمكن ان تحدث بها. زياده على ذلك، يجب ان نتفتح لصوتنا الباطنى الذى سيخبرنا بشكل اكثر مباشره لماذا نحن قلقون و يائسون و مثارون.
الشرط الرئيسى لتحقيق الحب هو قهر ما لدي الانسان من نرجسية. ان النزوع النرجسى هو نزوع لا يعيش فيه الانسان كشيء حقيقى سوي ما يوجد في نفسه، على حين ان الظواهر في العالم الخارجى ليس لها و اقع في حد ذاتها، بل لا تعاش الا من و جهه نظر انها مفيده او خطره على الانسان.
القطب المضاد للنرجسيه هو الموضوعية. انها الملكه التى نري بها الناس و الاشياء كما هم موضوعيا، و التى نتمكن بها من فصل هذه الصوره الموضوعيه عن صوره رسمتها رغبات الانسان و مخاوفه. ان كل اشكال الذهان تبين العجز عن الموضوعيه الى درجه كبيرة. عند الشخص المجنون، الواقع الوحيد الموجود هو الواقع الذى في داخله، و اقع مخاوفه و رغباته. انه يري العالم الخارجى على انه رموز لعالمه الباطني، لما يختلقه هو.
الشخص المجنون او الشخص الحالم يفشل تماما في ان تكون له نظره موضوعيه للعالم الخارجي. غير اننا جميعا مجانين بشكل او باخر، كلنا نائمون بشكل او باخر، كل منا لديه نظره غير موضوعيه للعالم. و ملكه التفكير الموضوعى هى العقل، و النظره العاطفيه و راء العقل هى نظره التواضع. لا يكون استخدام العقل و الموضوعيه ممكنا الا اذا احرز الانسان نظره التواضع.
على ان احاول ان اتبين الفرق بين تصورى انا عن الشخص و سلوكه، و بين صورته المشوهه نرجسيا او و اقع الشخص كما يوجد بصرف النظر عن اهتماماتى و احتياجاتى و مخاوفي. حيازه القدره على الموضوعيه و العقل هما نصف الطريق الى تحقيق فن الحب، لكن يجب تحقيق ذلك بالنسبه لكل شخص يتصل به الانسان.
تتوقف القابليه للحب على قدره الانسان على الخروج من النرجسيه و من التثبيت التحريمى و التعلق بالام و القبيله انها تتوقف على القدره على النمو و تطوير نزوع ابداعى مخصب في علاقتنا بالعالم و بانفسنا. و هذه العمليه الخاصه بالخروج، بالميلاد، بالاستيقاظ، تتطلب صفه كشرط اساسى هى الايمان. تقتضى ممارسه فن الحب ممارسه الايمان.
فى مجال العلاقات الانسانيه الايمان صفه لا تنفصل عن اي صداقه هامه او حب. “ان يكون لديك الايمان” بشخص اخر يعنى انك متاكد من و ثوقيه و ثباتيه صفاته الرئيسيه متاكد من جوهر شخصيته، من حبه.
وبهذا المعني نفسه يكون لدينا ايمان بانفسنا. اننا ندرك وجود نفس، وجود جوهر في شخصيتنا لا يتغير، و هو الذى يقاوم طوال حياتنا برغم تغير الظروف و بصرف النظر عن تغيرات معينه في الاراء و المشاعر. هذا الجوهر هو الحقيقه و راء كلمه “انا”، و الذى عليه تقوم قناعتنا بذاتيتنا. و ما لم يكن لدينا ايمان باصرار بنفسنا، فان شعورنا بالذاتيه يتعرض للخطر، و نصبح معتمدين على الاخرين الذين يصبح استحسانهم حينئذ هو اساس شعورنا بالذاتية. الشخص الذى لديه ايمان بنفسه هو و حده القادر على ان تكون لديه ثقه بالاخرين… ما يهم في علاقه الحب هو الايمان بحب الانسان، بقدرته على اثمار الحب في الاخرين، و الوثوقيه به.
هناك معنى اخر للايمان بشخص يشير الى الايمان الذى لدينا بامكانيات الاخرين. الشكل الشائع الذى يوجد فيه هذا الايمان هو الايمان الذى لدي الام نحو رضيعها الوليد. انه سوف يحيا وينمو و يمشى و يتكلم. ان الايمان بالاخرين يصل الذروه في الايمان بالبشرية. شان هذا الايمان بالبشريه شان الايمان بالطفل قائم على فكره ان امكانيات الانسان التى تهيا لها الظروف الملائمه ستكون قادره على بناء نظام اجتماعى تحكمه مبادئ المساواه و العداله و الى ان الانسان لم يحقق بعد بناء مثل هذا النظام. و من ثم فان القناعه التى تجعله قادرا على ان يفعل هذا تقتضى الايمان. غير ان هذا الايمان شان كل ايمان عقلى ايضا، فهو قائم على ادله الانجازات الماضيه للجنس البشرى و التجربه الباطنيه لكل فرد، على معايشته للعقل و الحب. على حين ان الايمان اللاعقلانى مغروس في الخضوع لقوه يشعر بها على انها شيء محيط بكل شيء قادر على كل شيء على نحو قوى شامل و في الحط من قدره الانسان و قوته، فان الايمان العقلانى قائم على التجربه المضادة. ان لدينا ايمانا بالعقل لانه نتيجه ملاحظتنا و تفكيرنا. ان لدينا ايمانا بامكانيات الاخرين و انفسنا و البشريه لاننا نعيش نمو امكانياتنا و حقيقه النمو في انفسنا و قدره قوه عقلنا و حبنا. ان الايمان تنبؤ بالمستقبل قائم فحسب على الحاضر الجلي.
الايمان يقتضى الشجاعه القدره على المخاطره الاستعداد حتى لتقبل الالم و خيبه الامل… و من يتعلق داخل نظام دفاعى فيه المسافه و الملكيه و سيلتان للامن يجعل من نفسه سجينا… ان شجاعه الياس هى لكسب شجاعه الحب تماما كما ان الايمان بالقوه عكس الايمان بالحياة. ان اخذ المصاعب و المخاطر و الماسى كتحد يقتضى قهرها يجعلنا اقوى. ان الانسان يخاف و اعيا من الا يحب، اما الخوف الحقيقي، وان كان لاشعوريا، فهو الخوف من ان يحب. ان يحب الانسان يعنى الزام نفسه بدون ضمان. ان يعطى نفسه كليه بامل. ان ينتج حبنا حبا في الشخص المحبوب. الحب هو فعل من افعال الايمان.
يمكن لاى شخص مهتم حقا ان يتعلم ان يكون لديه ايمان كما يتعلم الطفل المشي.
وهناك و جهه نظر لا تنفصل عن ممارسه فن الحب، و هى النشاط. و المقصود بالنشاط “فعل شيء”، لكن المقصود هنا هو النشاط الباطني، الاستخدام المثمر لقوي الانسان. الحب نشاط. اذا احببت، فاننى في حاله دائمه من الاهتمام النشاط، بالشخص المحبوب،… ذلك اننى ساصبح عاجزا عن ربط نفسى بشكل فعال بالشخص المحبوب اذا كنت كسولا، اذا لم اكن في حاله دائمه من الوعى و التيقظ و النشاط. النوم هو الموقف الملائم الوحيد للكف عن النشاط، و حاله اليقظه هى الحاله التى لا يجب ان يكون للكسل منها مكان.
القدره على الحب تتطلب حاله من التوتر و اليقظه و الحيويه الدائمه و هى مسائل لا يمكن ان تكون الا نتيجه نزوع مثمر و فعال في المجالات الاخري العديده للحياة. اذا لم يكن الانسان مثمرا في المجالات الاخري فانه لا يكون مثمرا ايضا في الحب.
ان تحب يعنى ان يكون لك موقف محب نحو كل شخص. ان علاقاتنا في الواقع محدده في افضل احوالها بمبدا النزاهة. تعنى النزاهه عدم اللجوء الى الغش و الخداع في تبادل السلع و الخدمات، و في تبادل المشاعر: “اعطيك بقدر ما تعطيني” في السلع الماديه و في الحب على السواء. هذه هى القاعده الاخلاقيه السائده في المجتمع الراسمالي. ان اخلاق النزاهه تختلط باخلاق القاعده الذهبية. ان شعار “افعل للاخرين ما تود ان يفعلوه لك” يمكن تفسيره “كن نزيها في معاملتك مع الاخرين”.

    الحب الشبقي

    اقوال مأثورة عن الحب الخادع

    رسومات بنات كرتونات مزز

357 views

فن الحب اريك فروم