9:29 مساءً الأحد 24 مارس، 2019






فضائل سورة الممتحنة واسباب نزولها

فضائل سوره الممتحنه و اسباب نزولها

بالصور فضائل سورة الممتحنة واسباب نزولها 0ef843b433ea610e47ef37c1573ae32d

مقصودها براءه من اقر بالايمان ممن اتسم بالعدوان دلاله على صحه مدعاه كما ان الكفار تبرءوا من المؤمنين و كذبوا بما جاءهم من الحق لئلا يكونوا على باطلهم احرص من المؤمنين على حقهم، و تسميتها بالممتحنه اوضح شيء فيها و ادله على ذلك لان الصهر اعظم الوصل و اشرفها بعد الدين، فاذا ن في و منع دل على اعظم المقاطعه لدلالته على الامتهان بسبب الكفران الذى هو اقبح العصيان هذه السوره حلقه في سلسله التربيه الايمانيه و التنظيم الاجتماعى و الدوله في المجتمع المدني. حلقه من تلك السلسله الطويله او من ذلك المنهج الالهى المختار للجماعه المسلمه المختاره التى ناط بها الله تحقيق منهجه الذى يريده للحياه الانسانيه في صوره و اقعيه عمليه كيما يستقر في الارض نظاما ذا معالم و حدود و شخصيه مميزة؛ تبلغ اليه البشريه احيانا، و تقصر عنه احيانا، و لكنها تبقي معلقه دائما بمحاوله بلوغه؛ و تبقي امامها صوره و اقعيه منه، تحققت يوما في هذه الارض.

بالصور فضائل سورة الممتحنة واسباب نزولها 20160626 1063
وقد اقتضي هذا كما قلنا في اول هذا الجزء اعدادا طويلا في خطوات و مراحل. و كانت الاحداث التى تقع في محيط هذه الجماعه او تتعلق بها، ما ده من مواد هذا الاعداد. ما ده مقدره في علم الله، تقوم عليها ما ده اخري هى التفسير و التوضيح و التعقيب و التوجيه.
وفى مضطرب الاحداث، و في تيار الحياه المتدفق، تمت عمليه بناء النفوس المختاره لتحقيق ذلك المنهج الالهى في الارض. فلم تكن هناك عزله الا العزله بالتصور الايمانى الجديد، و عدم خلطه بايه رقع غريبه عنه في اثناء التكوين النفسى لهذه الجماعة. و كانت التربيه المستمره متجهه دائما الى انشاء هذا التصور الايمانى الخاص المميز، المنعزل بحقيقته و طبيعته عن التصورات السائده في العالم كله يومذاك، و في الجزيره العربيه بصفه خاصة. اما الناس الذين ينشا هذا التصور المتميز في نفوسهم فلم يكونوا بمعزل عن و اقع الحياه و مضطرب الاحداث، بل كانوا يصهرون في بوتقه الحوادث يوما بعد يوم، و مره بعد مره و يعاد صهرهم في الامر الواحد و الخلق الواحد مرات كثيره و تحت مؤثرات متنوعة؛ لان الله الذى خلق هذه النفوس يعلم انها ليست كلها مما يتاثر و يستجيب و يتكيف و يستقر على ما تكيف به منذ اللمسه الاولى. و كان يعلم ان رواسب الماضي، و جواذب الميول الطبيعيه و الضعف البشري، و ملامسات الواقع، و تحكم الالف و العاده كلها قد تكون معوقات قويه تغلب عوامل التربيه و التوجيه مره بعد مرة. و تحتاج في مقاومتها الى التذكير المتكرر، و الصهر المتوالي.. فكانت الاحداث تتوالي كما هى منسوقه في قدر الله، و تتوالي الموعظه بها. و التحذير على ضوئها، و التوجيه بهديها، مره بعد مرة.
وكان رسول الله صلى الله عليه و سلم يقوم في يقظه دائمه و الهام بصير، بالتقاط الاحداث و الوقائع و المناسبات في كل فرصه و استخدامها بحكمه بالغه في بناء هذه النفوس. و الوحى و الالهام يؤيدانه و يسددانه صلى الله عليه و سلم حتى تصنع تلك الجماعه المختاره على عين الله. بتوفيق الله. على يدى رسول الله.

بالصور فضائل سورة الممتحنة واسباب نزولها 20160626 1064
هذه السوره حلقه في سلسله ذلك الاعداد الطويل، تستهدف مع غيرها مما جاء في مثل موضوعها اقامه عالم ربانى خالص في ضمير المسلم. عالم محوره الايمان بالله و حده، يشد المسلمين الى هذا المحور و حده، بعروه واحده لا انفصام لها؛ و يبرئ نفوسهم من كل عصبيه اخرى. عصبيه للقوم او للجنس او للارض او للعشيره او للقرابة. ليجعل في مكانها جميعا عقده واحدة. هى عقده الايمان بالله. و الوقوف تحت رايه الله. في حزب الله.
ان العالم الذى يريده الاسلام عالم ربانى انساني. ربانى بمعني انه يستمد كل مقوماته من توجيه الله و حكمه، و يتجه الى الله بكل شعوره و عمله. و انسانى بمعني انه يشمل الجنس الانسانى كله في رحاب العقيدة و تذوب فيه فواصل الجنس و الوطن و اللغه و النسب. و سائر ما يميز انسانا عن انسان، عدا عقيده الايمان. و هذا هو العالم الرفيع اللائق ان يعيش فيه الانسان الكريم على الله، المتضمن كيانه نفحه من روح الله.
ودون اقامه هذا العالم تقف عقبات كثيرة كانت في البيئه العربيه و ما تزال في العالم كله الى اليوم عقبات من التعصب للبيت، و التعصب للعشيره و التعصب للقوم، و التعصب للجنس، و التعصب للارض. كما تقف عقبات اخري من رغائب النفوس و اهواء القلوب، من الحرص و الشح و حب الخير للذات، و من الكبرياء الذاتيه و الالتواءات النفسية.. و الوان غيرها كثير من ذوات الصدور!
وكان على الاسلام ان يعالج هذا كله في الجماعه التى يعدها لتحقيق منهج الله في الارض في صوره عمليه و اقعة. و كانت هذه الصوره حلقه في سلسله هذا العلاج الطويل.
وكان بعض المهاجرين الذين تركوا ديارهم و اموالهم و اهليهم في سبيل عقيدتهم، ما تزال نفوسهم مشدوده الى بعض من خلفوا هنالك من ذريه و ازواج و ذوى قربى. و على الرغم من كل ما ذاقوا من العنت و الاذي في قريش فقد ظلت بعض النفوس تود لو و قعت بينهم و بين اهل مكه المحاسنه و المودة؛ وان لو انتهت هذه الخصومه القاسيه التى تكلفهم قتال اهليهم و ذوى قرابتهم، و تقطع ما بينهم و بينهم من صلات!
وكان الله يريد استصفاء هذه النفوس و استخلاصها من كل هذه الوشائج، و تجريدها لدينه و عقيدته و منهجه. و هو-سبحانه يعلم ثقل الضغط الواقع عليها من الميول الطبيعيه و رواسب الجاهليه جميعا و كان العرب بطبيعتهم اشد الناس احتفالا بعصبيه القبيله و العشيره و البيت فكان ياخذهم يوما بعد يوم بعلاجه الناجع البالغ، بالاحداث و بالتعقيب على الاحداث، ليكون العلاج على مسرح الحوادث و ليكون الطرق و الحديد ساخن!
وتذكر الروايات حادثا معينا نزل فيه صدر هذه السورة. و قد تكون هذه الروايات صحيحه في سبب النزول المباشر. و لكن مدي النصوص القرانيه دائما ابعد من الحوادث المباشرة.

بالصور فضائل سورة الممتحنة واسباب نزولها 20160626 1065
وقد قيل في هذا الحادث: ان حاطب بن ابى بلتعه كان رجلا من المهاجرين. و كان من اهل بدر ايضا. و كان له بمكه اولاد و ما ل، و لم يكن من قريش انفسهم بل كان حليفا لعثمان. فلما عزم رسول الله صلى الله عليه و سلم على فتح مكه لما نقض اهلها عهد الحديبيه امر المسلمين بالتجهيز لغزوهم، و قال: «اللهم عم عليهم خبرنا».. و اخبر رسول الله صلى الله عليه و سلم جماعه من اصحابه بوجهته، كان منهم حاطب. فعمد حاطب فكتب كتابا و بعثه مع امرأة مشركة قيل من مزينة جاءت المدينه تسترفد الى اهل مكه يعلمهم بعزم رسول الله صلى الله عليه و سلم على غزوهم، ليتخذ بذلك عندهم يدا. فاطلع الله تعالى رسوله على ذلك استجابه لدعائه. و امضاء لقدره في فتح مكة. فبعث في اثر المرأة فاخذ الكتاب منها.
وقد روي البخارى في المغازي، و رواه مسلم في صحيحه من حديث حصين بن عبد الرحمن، عن سعد ابن عبيده عن ابى عبد الرحمن السلمي، عن على رضى الله عنه قال: «بعثنى رسول الله صلى الله عليه و سلم و ابا مرثد و الزبير بن العوام و كلنا فارس و قال: انطلقوا حتى تاتوا روضه خاخ، فان بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن ابى بلتعه الى المشركين. فادركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله صلى الله عليه و سلم فقلنا: الكتاب فقالت ما معى كتاب. فانخناها فالتمسنا فلم نر كتابا. فقلنا: ما كذب رسول الله صلى الله عليه و سلم لتخرجن الكتاب او لنجردنك. فلما رات الجد اهوت الى حجزتها، و هى محتجزه بكساء، فاخرجته. فانطلقنا به الى رسول الله صلى الله عليه و سلم فقال عمر: يا رسول الله. قد خان الله و رسوله و المؤمنين، فدعنى فلاضربن عنقه. فقال النبى صلى الله عليه و سلم: ما حملك على ما صنعت قال حاطب: و الله ما بى الا ان اكون مؤمنا بالله و رسوله صلى الله عليه و سلم اردت ان تكون لى عند القوم يد. يدفع الله بها عن اهلى و ما لي، و ليس احد من اصحابك الا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن اهله و ما له. فقال: صدق لا تقولوا الا خيرا. فقال عمر: انه قد خان الله و رسوله و المؤمنين، فدعنى فلاضرب عنقه. فقال: اليس من اهل بدر فقال-: لعل الله اطلع الى اهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة او قد غفرت لكم. فدمعت عينا عمر، و قال: الله و رسوله اعلم».. و زاد البخارى في كتاب المغازي: فانزل الله السورة: يا ايها الذين امنوا لا تتخذوا عدوى و عدوكم اولياء تلقون اليهم بالمودة}.. و في روايه اخري ان الذين ارسلوا كانوا هم على و الزبير و المقداد.
ولوقوف قليلا امام هذا الحادث و ما دار بشانه لا يخرج بنا عن ظلال القران و التربيه به و بالاحداث و التوجيهات و التعقيبات عن طريق رسول الله صلى الله عليه و سلم القائد المربى العظيم.. و اول ما يقف الانسان امامه هو فعله حاطب، و هو المسلم المهاجر، و هو احد الذين اطلعهم رسول الله صلى الله عليه و سلم على سر الحملة.. و فيها ما يكشف عن منحنيات النفس البشريه العجيبه و تعرض هذه النفس للحظات الضعف البشرى مهما بلغ من كمالها و قوتها؛ وان لا عاصم الا الله من هذه اللحظات فهو الذى يعين عليها.
ثم يقف الانسان مره اخري امام عظمه الرسول صلى الله عليه و سلم و هو لا يعجل حتى يسال: «ما حملك على ما صنعت» في سعه صدر و عطف على لحظه الضعف الطارئه في نفس صاحبه، و ادراك ملهم بان الرجل قد صدق، و من ثم يكف الصحابه عنه: «صدق لا تقولوا الا خيرا».. ليعينه وينهضه من عثرته، فلا يطارده بها و لا يدع احدا يطارده. بينما نجد الايمان الجاد الحاسم الجازم في شده عمر: «انه قد خان الله و رسوله و المؤمنين. فدعنى فلاضرب عنقه».. فعمر رضى الله عنه انما ينظر الى العثره ذاتها فيثور لها حسه الحاسم وايمانه الجازم. اما رسول الله صلى الله عليه و سلم فينظر اليها من خلال ادراكه الواسع الشامل للنفس البشريه على حقيقتها، و من كل جوانبها، مع العطف الكريم الملهم الذى تنشئه المعرفه الكلية. في موقف المربى الكريم العطوف المتانى الناظر الى كل الملابسات و الظروف..
ثم يقف الانسان امام كلمات حاطب، و هو في لحظه ضعفه، و لكن تصوره لقدر الله و للاسباب الارضيه هو التصور الايمانى الصحيح.. ذلك حين يقول: «اردت ان تكون لى عند القوم يد.. يدفع الله بها عن اهلى و ما لي».. فالله هو الذى يدفع، و هذه اليد لا تدفع بنفسها، انما يدفع الله بها. و يؤكد هذا التصور في بقيه حديثه و هو يقول: «وليس احد من اصحابك الا له هناك من عشيرته من يدفع.. الله.. به عن اهله و ما له» فهو الله حاضر في تصوره، و هو الذى يدفع لا العشيرة. انما العشيره اداه يدفع الله بها..
ولعل حس رسول الله الملهم قد راعي هذا التصور الصحيح الحى في قول الرجل، فكان هذا من اسباب قوله صلى الله عليه و سلم: «صدق. لا تقولوا الا خيرا»..
واخيرا يقف الانسان امام تقدير الله في الحادث؛ و هو ان يكون حاطب من القله التى يعهد اليها رسول الله صلى الله عليه و سلم بسر الحملة. وان تدركه لحظه الضعف البشرى و هو من القله المختارة. ثم يجرى قدر الله بكف ضرر هذه اللحظه عن المسلمين. كانما القصد هو كشفها فقط و علاجها ثم لا يكون من الاخرين الذين لم يعهد اليهم بالسر اعتراض على ما و قع، و لا تنفج بالقول: ها هو ذا احد من استودعوا السر خانوه، و لو اودعناه نحن ما بحنا به فلم يرد من هذا شيء. مما يدل على ادب المسلمين مع قيادتهم، و تواضعهم في الظن بانفسهم، و اعتبارهم بما حدث لاخيهم…
والحادث متواتر الرواية. اما نزول هذه الايات فيه فهو احد روايات البخاري. و لا نستبعد صحه هذه الرواية؛ و لكن مضمون النص القراني كما قلنا ابعد مدى، و ادل على انه كان يعالج حاله نفسيه اوسع من حادث حاطب الذى تواترت به الروايات، بمناسبه و قوع هذا الحادث، على طريقه القران.
كان يعالج مشكله الاواصر القريبه و العصبيات الصغيره و حرص النفوس على ما لوفاتها الموروثه ليخرج بها من هذا الضيق المحلى الى الافق العالمى الانساني.
وكان ينشئ في هذه النفوس صوره جديده و قيما جديده و موازين جديده و فكره جديده عن الكون و الحياه و الانسان، و وظيفه المؤمنين في الارض، و غايه الوجود الانساني.
وكان كانما يجمع هذه النبتات الصغيره الجديده في كنف الله؛ ليعلمهم الله و يبصرهم بحقيقه وجودهم و غايته، و ليفتح اعينهم على ما يحيط بهم من عداوات و مكر و كيد، و ليشعرهم انهم رجاله و حزبه، و انه يريد بهم امرا، و يحقق بهم قدرا. و من ثم فهم يوسمون بسمته و يحملون شارته، و يعرفون بهذه الشاره و تلك السمه بين الاقوام جميعا. في الدنيا و الاخرة. و اذن فليكونوا خالصين له، منقطعين لولايته، متجردين من كل و شيجه غير و شيجته. في عالم الشعور و عالم السلوك.
والسوره كلها في هذا الاتجاه. حتى الايات التشريعيه التنظيميه الوارده في اخرها عن معامله المهاجرات المؤمنات، و مبايعه من يدخلن في الاسلام، و الفصل بين المؤمنات و ازواجهن من الكفار. و بين المؤمنين و زوجاتهم من الكوافر.. فكلها تنظيمات منبثقه من ذلك التوجيه العام.
ثم ختام السوره كما بدات بالنهى عن موالاه اعداء الله، ممن غضب عليهم الله، سواء من المشركين او من اليهود. ليتم التمييز و الانفراد و المفاصله من كل الوشائج و الروابط غير رابطه العقيده و غير و شيجه الايمان

315 views

فضائل سورة الممتحنة واسباب نزولها