فضائل سورة الممتحنة واسباب نزولها

فضائل سورة الممتحنة واسباب نزولها

صوره فضائل سورة الممتحنة واسباب نزولها

مقصودها براءة مِن اقر بالايمان ممن اتسم بالعدوان دلالة علي صحة مدعاه كَما ان الكفار تبرءوا مِن المؤمنين وكذبوا بما جاءهم مِن الحق لئلا يكونوا علي باطلهم احرص مِن المؤمنين علي حِقهم
وتسميتها بالممتحنة اوضحِ شَيء فيها وادله علي ذلِك لان الصهر اعظم الوصل واشرفها بَعد الدين
فاذا ن فِي ومنع دل علي اعظم المقاطعة لدلالته علي الامتهان بسَبب الكفران الَّذِي هُو اقبحِ العصيان هَذه السورة حِلقة فِي سلسلة التربية الايمانية والتنظيم الاجتماعي والدولة فِي المجتمع المدني
حلقة مِن تلك السلسلة الطويلة
او مِن ذلِك المنهج الالهي المختار للجماعة المسلمة المختارة
الَّتِي ناط بها الله تحقيق مِنهجه الَّذِي يُريده للحيآة الانسانية
في صورة واقعية عملية
كيما يستقر فِي الارض نظاما ذا معالم وحدود وشخصية مميزة؛ تبلغ اليه البشرية احيانا
وتقصر عنه احيانا
ولكنها تبقي معلقة دائما بمحاولة بلوغه؛ وتبقي أمامها صورة واقعية مِنه
تحققت يوما فِي هَذه الارض.

صوره فضائل سورة الممتحنة واسباب نزولها
وقد اقتضي هَذا كَما قلنا فِي أول هَذا الجُزء اعدادا طويلا فِي خطوات ومراحل
وكَانت الاحداث الَّتِي تقع فِي محيط هَذه الجماعة
او تتعلق بها
مادة مِن مواد هَذا الاعداد
مادة مقدرة فِي علم الله
تَقوم عَليها مادة اخري هِي التفسير والتوضيحِ والتعقيب والتوجيه.
وفي مضطرب الاحداث
وفي تيار الحيآة المتدفق
تمت عملية بناءَ النفوس المختارة لتحقيق ذلِك المنهج الالهي فِي الارض
فلم تكُن هُناك عزلة الا العزلة بالتصور الايماني الجديد
وعدَم خلطه باية رقع غريبة عنه فِي اثناءَ التكوين النفسي لهَذه الجماعة
وكَانت التربية المستمَرة متجهة دائما الي انشاءَ هَذا التصور الايماني الخاص المميز
المنعزل بحقيقته وطبيعته عَن التصورات السائدة فِي العالم كله يومذاك
وفي الجزيرة العربية بصفة خاصة
اما الناس الَّذِين ينشا هَذا التصور المتميز فِي نفوسهم فلم يكونوا بمعزل عَن واقع الحيآة ومضطرب الاحداث
بل كَانوا يصهرون فِي بوتقة الحوادث يوما بَعد يوم
ومَرة بَعد مرة
ويعاد صهرهم فِي الامر الواحد والخلق الواحد مرات كثِيرة
وتحت مؤثرات متنوعة؛ لان الله الَّذِي خلق هَذه النفوس يعلم أنها ليست كلها مما يتاثر ويستجيب ويتكيف ويستقر علي ما تكيف بِه منذُ اللمسة الاولى
وكان يعلم ان رواسب الماضي
وجواذب الميول الطبيعية
والضعف البشري
وملامسات الواقع
وتحكم الالف والعادة
كلها قَد تَكون معوقات قوية تغلب عوامل التربية والتوجيه مَرة بَعد مرة
وتحتاج فِي مقاومتها الي التذكير المتكرر
والصهر المتوالي.
فكَانت الاحداث تتوالي كَما هِي منسوقة فِي قدر الله
وتتوالي الموعظة بها
والتحذير علي ضوئها
والتوجيه بهديها
مَرة بَعد مرة.
وكان رسول الله صلي الله عَليه وسلم يقُوم فِي يقظة دائمة والهام بصير
بالتقاط الاحداث والوقائع والمناسبات فِي كُل فرصة
واستخدامها بحكمة بالغة فِي بناءَ هَذه النفوس
والوحي والالهام يؤيدانه ويسددانه صلي الله عَليه وسلم حِتّى تصنع تلك الجماعة المختارة علي عين الله
بتوفيق الله
علي يدي رسول الله.

صوره فضائل سورة الممتحنة واسباب نزولها
هَذه السورة حِلقة فِي سلسلة ذلِك الاعداد الطويل
تستهدف مَع غَيرها مما جاءَ فِي مِثل موضوعها اقامة عالم رباني خالص فِي ضمير المسلم
عالم محوره الايمان بالله وحده
يشد المسلمين الي هَذا المحور وحده
بعروة واحدة لا انفصام لها؛ ويبرئ نفوسهم مِن كُل عصبية اخرى
عصبية للقوم أو للجنس أو للارض أو للعشيرة أو للقرابة
ليجعل فِي مكأنها جميعا عقدة واحدة
هي عقدة الايمان بالله
والوقوف تَحْت راية الله
في حِزب الله.
ان العالم الَّذِي يُريده الاسلام عالم رباني انساني
رباني بمعني أنه يستمد كُل مقوماته مِن توجيه الله وحكمه
ويتجه الي الله بِكُل شَعوره وعمله
وانساني بمعني أنه يشمل الجنس الانساني كله فِي رحاب العقيدة وتذوب فيه فواصل الجنس والوطن واللغة والنسب
وسائر ما يميز انسانا عَن انسان
عدا عقيدة الايمان
وهَذا هُو العالم الرفيع اللائق ان يعيشَ فيه الانسان الكريم علي الله
المتضمن كيانه نفحة مِن روحِ الله.
ودون اقامة هَذا العالم تقف عقبات كثِيرة كَانت فِي البيئة العربية وما تزال فِي العالم كله الي اليَوم عقبات مِن التعصب للبيت
والتعصب للعشيرة
والتعصب للقوم
والتعصب للجنس
والتعصب للارض
كَما تقف عقبات اخري مِن رغائب النفوس واهواءَ القلوب
من الحرص والشحِ وحب الخير للذات
ومن الكبرياءَ الذاتية والالتواءات النفسية.
والوان غَيرها كثِير مِن ذوات الصدور!
وكان علي الاسلام ان يعالج هَذا كله فِي الجماعة الَّتِي يعدها لتحقيق مِنهج الله فِي الارض فِي صورة عملية واقعة
وكَانت هَذه الصورة حِلقة فِي سلسلة هَذا العلاج الطويل.
وكان بَعض المهاجرين الَّذِين تركوا ديارهم واموالهم واهليهم فِي سبيل عقيدتهم
ما تزال نفوسهم مشدودة الي بَعض مِن خَلفوا هنالك مِن ذرية وازواج وذوي قربى
وعلي الرغم مِن كُل ما ذاقوا مِن العنت والاذي فِي قريشَ فقد ظلت بَعض النفوس تود لَو وقعت بينهم وبين اهل مكة المحاسنة والمودة؛ وان لَو انتهت هَذه الخصومة القاسية الَّتِي تكلفهم قتال اهليهم وذوي قرابتهم
وتقطع ما بينهم وبينهم مِن صلات!
وكان الله يُريد استصفاءَ هَذه النفوس واستخلاصها مِن كُل هَذه الوشائج
وتجريدها لدينه وعقيدته ومنهجه
وهو-سبحانه يعلم ثقل الضغط الواقع عَليها مِن الميول الطبيعية ورواسب الجاهلية جميعا وكان العرب بطبيعتهم اشد الناس احتفالا بعصبية القبيلة والعشيرة والبيت فكان ياخذهم يوما بَعد يوم بعلاجه الناجع البالغ
بالاحداث وبالتعقيب علي الاحداث
ليَكون العلاج علي مسرحِ الحوادث وليَكون الطرق والحديد ساخن!
وتذكر الروايات حِادثا معينا نزل فيه صدر هَذه السورة
وقد تَكون هَذه الروايات صحيحة فِي سَبب النزول المباشر
ولكن مدي النصوص القرانية دائما ابعد مِن الحوادث المباشرة.

صوره فضائل سورة الممتحنة واسباب نزولها
وقد قيل فِي هَذا الحادث: ان حِاطب بن ابي بلتعة كَان رجلا مِن المهاجرين
وكان مِن اهل بدر ايضا
وكان لَه بمكة اولاد ومال
ولم يكن مِن قريشَ انفسهم بل كَان حِليفا لعثمان
فلما عزم رسول الله صلي الله عَليه وسلم علي فَتحِ مكة لما نقض اهلها عهد الحديبية امر المسلمين بالتجهيز لغزوهم
وقال: «اللهم عم عَليهم خبرنا».
واخبر رسول الله صلي الله عَليه وسلم جماعة مِن اصحابه بوجهته
كان مِنهم حِاطب
فعمد حِاطب فكتب كتابا وبعثه مَع امرآة مشركة قيل مِن مزينة جاءت المدينة تسترفد الي اهل مكة يعلمهم بعزم رسول الله صلي الله عَليه وسلم علي غزوهم
ليتخذ بذلِك عندهم يدا
فاطلع الله تعالي رسوله علي ذلِك استجابة لدعائه
وامضاءَ لقدره فِي فَتحِ مكة
فبعث فِي اثر المراة
فاخذ الكتاب مِنها.
وقد روي البخاري فِي المغازي
ورواه مسلم فِي صحيحه مِن حِديث حِصين بن عبدالرحمن
عن سعد ابن عبيدة عَن ابي عبدالرحمن السلمي
عن علي رضي الله عنه قال: «بعثني رسول الله صلي الله عَليه وسلم وابا مرثد والزبير بن العوام وكلنا فارس وقال: انطلقوا حِتّى تاتوا روضة خاخ
فان بها امرآة مِن المشركين معها كتاب مِن حِاطب بن ابي بلتعة الي المشركين
فادركناها تسير علي بعير لَها حِيثُ قال رسول الله صلي الله عَليه وسلم فقلنا: الكتاب فقالت ما معي كتاب
فانخناها فالتمسنا فلم نر كتابا
فقلنا: ما كذب رسول الله صلي الله عَليه وسلم لتخرجن الكتاب أو لنجردنك
فلما رات الجد اهوت الي حِجزتها
وهي محتجزة بكساء
فاخرجته
فانطلقنا بِه الي رسول الله صلي الله عَليه وسلم فقال عمر: يا رسول الله
قد خان الله ورسوله والمؤمنين
فدعني فلاضربن عنقه
فقال النبي صلي الله عَليه وسلم: ما حِملك علي ما صنعت قال حِاطب: والله ما بي الا ان اكون مؤمنا بالله ورسوله صلي الله عَليه وسلم اردت ان تَكون لِي عِند القوم يد
يدفع الله بها عَن اهلي ومالي
وليس أحد مِن اصحابك الا لَه هُناك مِن عشيرته مِن يدفع الله بِه عَن اهله وماله
فقال: صدق لا تقولوا الا خيرا
فقال عمر: أنه قَد خان الله ورسوله والمؤمنين
فدعني فلاضرب عنقه
فقال: اليس مِن اهل بدر فقال-: لعل الله اطلع الي اهل بدر فقال: اعملوا ما شَئتم فقد وجبت لكُم الجنة أو قَد غفرت لكم
فدمعت عينا عمر
وقال: الله ورسوله اعلم».
وزاد البخاري فِي كتاب المغازي: فانزل الله السورة: يا ايها الَّذِين امنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم اولياءَ تلقون اليهم بالمودة}.
وفي رواية اخري ان الَّذِين ارسلوا كَانوا هُم علي والزبير والمقداد.
ولوقوف قلِيلا أمام هَذا الحادث وما دار بشانه لا يخرج بنا عَن ظلال القران والتربية بِه وبالاحداث والتوجيهات والتعقيبات عَن طريق رسول الله صلي الله عَليه وسلم القائد المربي العظيم.
واول ما يقف الانسان أمامه هُو فعلة حِاطب
وهو المسلم المهاجر
وهو أحد الَّذِين اطلعهم رسول الله صلي الله عَليه وسلم علي سر الحملة.
وفيها ما يكشف عَن منحنيات النفس البشرية العجيبة
وتعرض هَذه النفس للحظات الضعف البشري مُهما بلغ مِن كمالها وقوتها؛ وان لا عاصم الا الله مِن هَذه اللحظات فَهو الَّذِي يعين عَليها.
ثم يقف الانسان مَرة اخري أمام عظمة الرسول صلي الله عَليه وسلم وهو لا يعجل حِتّى يسال: «ما حِملك علي ما صنعت» فِي سعة صدر وعطف علي لحظة الضعف الطارئة فِي نفْس صاحبه
وادراك ملهم بان الرجل قَد صدق
ومن ثُم يكف الصحابة عنه: «صدق لا تقولوا الا خيرا».
ليعينه وينهضه مِن عثرته
فلا يطارده بها ولا يدع احدا يطارده
بينما نجد الايمان الجاد الحاسم الجازم فِي شَدة عمر: «انه قَد خان الله ورسوله والمؤمنين
فدعني فلاضرب عنقه».
فعمر رضي الله عنه إنما ينظر الي العثرة ذاتها فيثور لَها حِسه الحاسم وايمانه الجازم
اما رسول الله صلي الله عَليه وسلم فينظر اليها مِن خِلال ادراكه الواسع الشامل للنفس البشرية علي حِقيقتها
ومن كُل جوانبها
مع العطف الكريم الملهم الَّذِي تنشئه المعرفة الكلية
في موقف المربي الكريم العطوف المتاني الناظر الي جميع الملابسات والظروف..
ثم يقف الانسان أمام كلمات حِاطب
وهو فِي لحظة ضعفه
ولكن تصوره لقدر الله وللاسباب الارضية هُو التصور الايماني الصحيح.
ذلِك حِين يقول: «اردت ان تَكون لِي عِند القوم يد.
يدفع الله بها عَن اهلي ومالي».
فالله هُو الَّذِي يدفع
وهَذه اليد لا تدفع بنفسها
إنما يدفع الله بها
ويؤكد هَذا التصور فِي بقية حِديثه وهو يقول: «وليس أحد مِن اصحابك الا لَه هُناك مِن عشيرته مِن يدفع.
الله.
به عَن اهله وماله» فَهو الله حِاضر فِي تصوره
وهو الَّذِي يدفع لا العشيرة
إنما العشيرة ادآة يدفع الله بها..
ولعل حِس رسول الله الملهم قَد راعي هَذا التصور الصحيحِ الحي فِي قول الرجل
فكان هَذا مِن اسباب قوله صلي الله عَليه وسلم: «صدق
لا تقولوا الا خيرا»..
واخيرا يقف الانسان أمام تقدير الله فِي الحادث؛ وهو ان يَكون حِاطب مِن القلة الَّتِي يعهد اليها رسول الله صلي الله عَليه وسلم بسر الحملة
وان تدركه لحظة الضعف البشري وهو مِن القلة المختارة
ثم يجري قدر الله بكف ضرر هَذه اللحظة عَن المسلمين
كإنما القصد هُو كشفها فَقط وعلاجها ثُم لا يَكون مِن الاخرين الَّذِين لَم يعهد اليهم بالسر اعتراض علي ما وقع
ولا تنفج بالقول: ها هُو ذا أحد مِن استودعوا السر خانوه
ولو اودعناه نحن ما بحنا بِه فلم يرد مِن هَذا شَيء
مما يدل علي ادب المسلمين مَع قيادتهم
وتواضعهم فِي الظن بانفسهم
واعتبارهم بما حِدث لاخيهم…
والحادث متواتر الرواية
اما نزول هَذه الايات فيه فَهو أحد روايات البخاري
ولا نستبعد صحة هَذه الرواية؛ ولكن مضمون النص القراني كَما قلنا ابعد مدى
وادل علي أنه كَان يعالج حِالة نفْسية اوسع مِن حِادث حِاطب الَّذِي تواترت بِه الروايات
بمناسبة وقوع هَذا الحادث
علي طريقَة القران.
كان يعالج مشكلة الاواصر القريبة
والعصبيات الصغيرة
وحرص النفوس علي مالوفاتها الموروثة ليخرج بها مِن هَذا الضيق المحلي الي الافق العالمي الانساني.
وكان ينشئ فِي هَذه النفوس صورة جديدة
وقيما جديدة
وموازين جديدة
وفكرة جديدة عَن الكون والحيآة والانسان
ووظيفة المؤمنين فِي الارض
وغاية الوجود الانساني.
وكان كَإنما يجمع هَذه النبتات الصغيرة الجديدة فِي كنف الله؛ ليعلمهم الله ويبصرهم بحقيقة وجودهم وغايته
وليفَتحِ اعينهم علي ما يحيط بهم مِن عداوات ومكر وكيد
وليشعرهم أنهم رجاله وحزبه
وانه يُريد بهم امرا
ويحقق بهم قدرا
ومن ثُم فهم يوسمون بسمته ويحملون شَارته
ويعرفون بهَذه الشارة وتلك السمة بَين الاقوام جميعا
في الدنيا والاخرة
واذن فليكونوا خالصين له
منقطعين لولايته
متجردين مِن كُل وشيجة غَير وشيجته
في عالم الشعور وعالم السلوك.
والسورة كلها فِي هَذا الاتجاه
حتي الايات التشريعية التنظيمية الواردة فِي اخرها عَن معاملة المهاجرات المؤمنات
ومبايعة مِن يدخلن فِي الاسلام
والفصل بَين المؤمنات وازواجهن مِن الكفار
وبين المؤمنين وزوجاتهم مِن الكوافر.
فكلها تنظيمات منبثقة مِن ذلِك التوجيه العام.
ثم ختام السورة كَما بدات بالنهي عَن موالآة اعداءَ الله
ممن غضب عَليهم الله
سواءَ مِن المشركين أو مِن اليهود
ليتِم التمييز والانفراد والمفاصلة مِن جميع الوشائج والروابط غَير رابطة العقيدة وغير وشيجة الايمان

  • فوائدالممتحنه
الممتحنة سورة فوائد 135 مشاهده
1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...