تاريخ عالم الرسائل

تاريخ عالم الرسائل

صوره تاريخ عالم الرسائل

 

 

 

منذُ ان ظهر البريد الالكتروني
والاتكال عَليه يزداد يوما بَعد يوم
والملايين الَّذِين كَانوا يخطون رسائلهم علي الورق ويتوجهون الي مكتب البريد لارسالها املا فِي وصولها الي وجهتها بَعد عشرة ايام
علهم يحظون بجواب بَعد عشرين يوما
صاروا يرسلون رسائلهم مِن غرفة نومهم الي اصقاع الارض المختلفة
ليحصلوا علي الاجوبة بَعد دقائق
ومعظم ابناءَ الجيل الشاب اليوم
لم يجد نفْسه مضطرا ليكتب رسائله علي الورق
ولم يقصد مَرة مكتب بريد
ولكن هَل يَعني ذلِك موت البريد التقليدي الجواب الَّذِي قَد يفاجئ الكثيرين هُو ان البريد التقليدي لا يزال ينمو ويتطور
«فالبريد الملكي» فِي انجلترا مِثلا يوزع 84 مليون رسالة يوميا
عَبر 14376 مكتبا بريديا
وبلغت عوائده السنوية 9056 مليار جنيه استرليني فِي العام 2006م
وبعد تدني ارباحِ هَذا البريد باستمرار لمدة عقدين
حقق فِي العام 2008م ارباحا بلغت 321 مليون جنيه
ولو القينا نظرة خاطفة علي الموقع الالكتروني الخاص بالبريد السعودي
لوجدنا أنه يتالف اليَوم مِن 1230 مكتبا و82 وكالة و770 مكتب تمثيل بريدي
ويغطي 6123 مدينة وبلدة وقرية
ويتعامل سنويا مَع 950 مليون مادة بريدية ما بَين رسالة وطرد وغير ذلك
وأكثر مِن ذلك
يكشف الموقع عَن خطط تطويرية مدهشة لجهة اعتماد اجهزة البريد الالي مِثل الصراف الالي)
واجهزة اخري مِثل تسليم البريد بواسطة القارئ الكفي..! اذن لا شَيء يوحي بان البريد التقليدي سيخرج فِي المستقبل المنظور مِن حِياتنا
ولذا يجدر بنا ان نعرفه عَن قرب
وان نعرف شَيئا عَن مسيرته التاريخية
لكي نفهم مكانته فِي عالمنا
ونقيم بشَكل صحيحِ أي تطور يطرا عَليه.

اول تاريخه: اختراع الكتابة
يؤكد الباحثون ان حِاجة الانسان الي نقل كلامه لمسافة بعيدة كَان الدافع الاول الي اختراع الكتابة
ويستدل هؤلاءَ علي ذلِك بان اثارا وصلتنا مِن حِضارة اوغاريت
تضمنت الكثير مِن الرسائل الملكية
واوغاريت كَما هُو معروف هِي صاحبة أول ابجدية مسمارية
كَما عثر فِي مواقع كثِيرة مِن بلاد الشام وبلاد ما بَين النهرين علي رسائل متبادلة ما بَين ملوك هَذه البلدان وفراعنة مصر
فقد كَان لفراعنة مصر مِثلهم مِثل الصينيين والفرس والاشوريين انظمة بريدية منظمة ساعدت ملوك هَذه الحضارات علي ادارة ممالكهم الواسعة
وكان البريد انذاك حِكرا علي المسؤولين السياسيين والقادة العسكريين
اما العامة
فلم ينعموا بهَذه الخدمة
ولم يكونوا اصلا بحاجة اليها طالما ان معظمهم كَان يجهل القراءة والكتابة
ظل البريد منذُ نشاته فِي تلك العصور القديمة وحتي القرن السادس عشر
قائما علي «نظام التتابع»
ويقضي هَذا النظام بان يحمل عداءَ أو فارس الرسالة لمسافة محدودة يسلمها بَعد ذلِك الي عداءَ آخر أو فارس يَكون فِي مكتب بريد علي مسافة معلومة
ليتولي هَذا نقلها الي مكتب آخر وهكذا دواليك الي ان تصل الي هدفها.

صوره تاريخ عالم الرسائل

البريد العربي الاول
عرف العرب قديما عدة انظمة لارسال الرسائل مِن منطقة الي اخرى
ومن اشهرها نظام اشعال النيران علي القمم والمرتفعات الَّذِي اقتبسوه عَن البيزنطيين
وذلِك لنقل رسالة مختصرة جدا
متفق مسبقا علي ما تعنيه
ولكن البريد بمعناه الحقيقي ظهر فِي زمن الدولة الاموية
وازدهر فِي الدول اللاحقة
اذ تشير الوثائق التاريخية الي ان معاوية ابن ابي سفيان
رضي الله عنه
هو الَّذِي وَضع النظام الاول للبريد العربي
وجعل مِن مدينة البصرة فِي جنوب العراق مركزا له
ولاحقا
طور عبدالملك بن مروان ما بداه معاوية
حيثُ امر بوضع العناوين والاتجاهات والاشارات وتقدير المسافات علي الطرق ليستعين بها سعآة البريد الَّذِين ينقلون رسائل الخليفة الي الولآة والجنود
وتقول الوثائق ان عدَد محطات البريد فِي ايام الدولة الاموية قارب الالف محطة منتشرة فِي معظم ارجاءَ الدولة
وكان لكُل محطة رئيسها الَّذِي يراقب السعآة والخيول
اذ ضمت كُل واحدة مجموعة مِن الجياد القوية
ليقُوم الرسول أو ساعي البريد باستبدال فرسه المتعب بفرس آخر قوي
ليتمكن مِن مواصلة طريقَة بالسرعة المطلوبة
واطلق العرب علي المسافة بَين محطة بريد واخري مصطلحِ «ميل مِن البريد»
وهي مسافة يترواحِ طولها بَين فرسخين واربعة فراسخ
ولنا اليَوم ان نقدر تلك المسافة علي وجه الدقة
اذا ما علمنا بان الفرسخ يساوي ثلاثة اميال
فيما كَانت المحطات تعرف باسم «السكك»
وفي المتحف الوطني بالرياض يُوجد حِجر حِفر عَليه «ميل مِن البريد وهو علي سبعين ميلا مِن الكوفة»
وجاءَ فِي الوثائق أيضا ان الرسل وسعآة البريد كَانوا يقطعون المسافات البعيدة
من دون ان يعوقهم حِر الصيف أو برد الشتاءَ ليلا ونهارا
وتم تقدير المسافة الَّتِي يقطعها الساعي علي صهوة جواده فِي اليَوم الواحد بنحو مائة وخمسين كيلو مترا
ويشير المؤرخون الي ان البريد العربي بلغ ذروته فِي عصر دولة المماليك
وتحديدا فِي عهد الظاهر بيبرس
الذي كَان يواجه عدوين لدودين هما الفرنجة والمغول
فاولي تنظيم البريد الاهمية نفْسها الَّتِي اولاها لتنظيم الجيش
واعتمد فِي ذلِك علي شَبكة مكاتب السعآة الخيالة
وأيضا علي الحمام الزاجل
الذي كَان ينقل اخبار التطورات العسكرية علي ضفة الفرات
الي القاهرة خِلال يومين
او أقل.

عصر السرعة.
اينما كَان
في اواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين
نمت الخدمات البريدية بسرعة فائقة
فقد ادي تطور الملاحة البحرية
وظهور القطارات الي تسريع تسليم البريد الَّذِي زاد مِن رغبة الناس فِي كتابة الرسائل
وللدلالة علي الدور الَّذِي تلعبه السرعة فِي عالم البريد
نذكر ان فرز الرسائل كَان يتِم علي متن القطارات اختصارا للوقت
كَما ان القطارات زودت بمقابض معدنية تسمحِ لَها بالتقاط اكياس البريد مِن علي ارصفة المحطات الَّتِي لا يتوقف فيها القطار.ولم يتاخر البريد الجوي ابدا عَن ظهور الطائرة
ففي العام 1910م تم نقل البريد جوا لاول مَرة ما بَين مدينتين فِي بريطانيا
وفي العام التالي
نقل طيار فرنسي البريد ما بَين مدينتي الله اباد ونايفي جنكشن فِي الهند
ليتاسس بَعد ذلِك باشهر «البريد الجوي» فِي كُل مِن بريطانيا وامريكا اولا
ولاحقا فِي كُل دول العالم
واضيف فِي البريد الي خدمة نقل الرسائل
خدمات نقل الطرود والبرقيات والحوالات المالية
والوثائق الرسمية
وتوزع مستوي الخدمة ما بَين المضمون والعادي وغير ذلِك الكثير
عربيا
كان العراق أول دولة عربية تتاسس فيها دائرة رسمية للبريد فِي العهد الحديث
وكان ذلِك فِي عام 1874م
اما المملكة العربية السعودية فقد كَانت ثاني دولة عربية تصدر طابعا بريديا
وكان ذلِك عام 1334ه
في اطار تطوير البريد السعودي بَعد توحيد المملكة علي يد جلالة المغفور لَه الملك عبدالعزيز
اذ قَبل دخول الملك عبدالعزيز الرياض عام 1319ه
كان اصحاب الدكاكين فِي الرياض يتطوعون للقيام بخدمة البريد فِي ما يعرف الآن ميدان العدل الصفاة)
بوضع اكياس مِن القماشَ الابيض كتب علي كُل واحد مِنها اسم مدينة أو قرية
ويضع كاتب الرسالة رسالته فِي الكيس المناسب
الذي يرسل الي وجهته علي الدواب الَّتِي يستخدمها المسافرون
اما البريد الوارد
فكان يوضع فِي اماكن خاصة داخِل الدكاكين ومن لَه رسالة عَليه ان يحضر لياخذها
وفي مكة المكرمة وجدة
كان البريد يسير علي الدواب
وكان مكتب البريد يتَكون مِن نائب ورئيس لَه وبائع طوابع يسمي مامور كشك ومامور المسجلات والبريد العادي
وكان البريد يحمل علي الجمال الي الليث وجازان وابها ونجران وغيرها مِن مدن الجنوب مَرة أو مرتين شَهريا
وبعد انشاءَ الخط الحديدي بَين جدة ودمشق
صار البريد ينقل بالقطار
كَما كَان البريد الخارجي بَين جدة ومصر ينقل اسبوعيا بواسطة شَركات الملاحة الخديوية والايطالية والهندية
ومَرة كُل عشرين يوما الي الهند
وفي المملكة
كَما هُو الحال فِي كُل الدول العربية والعالم
خطا البريد خطوات واسعة متتالية طوال القرن العشرين
ولتنظيم العمل البريدي العربي
فقد تداعت الدول العربية الي تاسيس «اتحاد البريد العربي» عام 1972م
الذي اتخذ مِن مدينة دبي فِي الامارات العربية المتحدة مقرا له
ويشارك فِي عضويته ممثلو ادارات البريد العربية
وهُناك اللجنة العربية العليا للبريد
وهي احدي اللجان التابعة للجامعة العربية ومقرها فِي القاهرة
كَما باتت معظم الدول العربية تشارك فِي عضوية اتحاد البريد العالمي الَّذِي تاسس عام 1874م واتخذ مِن مدينة جنيف السويسرية مقرا له
وتهدف هَذه التجمعات المهنية الي تنظيم العمل وتطوير مهارات العاملين فِي البريد
وتفعيل الاتفاقات والقوانين الدولية الَّتِي تحمي البريد وتمنع استغلاله مِن البعض فِي شَحن مواد تتعارض مَع القوانين المرعية فِي الدول الاعضاء.

صوره تاريخ عالم الرسائل

العصر الذهبي للرسالة الشخصية
من المرجحِ ان الفترة الواقعة ما بَين خمسينيات القرن العشرين والثمانينيات مِنه
شهدت العصر الذهبي للبريد العالمي
وبشَكل خاص علي صعيد الرسائل الشخصية
ففي تلك الفترة
كان البريد الجوي قَد انتظم فِي كُل دول العالم
كَما كَان عدَد الرحلات يزداد باستمرار
وفي تلك الفترة كَان الاتصال الهاتفي بعيد المدي باهظ التكلفة
كَما ان الهاتف لَم يكن متوافرا فِي كُل البيوت
ومن جهة اخري لَم تكُن الات مِثل الفاكس قَد ظهرت بَعد
ومن جهة ثالثة كَان السلام الَّذِي اعقب الحرب العالمية الثانية عاملا مشجعا علي السفر والهجرة
فتوافرت بذلِك كُل العناصر المغذية للبريد وتنشيطه
بحيثُ كَان بامكان الَّذِين يتبادلون الرسائل بانتظام
توقع وصول الرسائل الجوابية فِي يوم محدد
ونادرا ما كَانوا يخطئون
وتمتع البريد انذاك بنسبة مدهشة مِن الامان
حتي ان البعض كَانوا يضمنون رسائلهم بَعض الاوراق النقدية كهدايا
من دون الخوف عَليها مِن الضياع أو السرقة.

ضربات متتالية غَير قاضية
عاشت الرسالة الشخصية ردحا طويلا مِن الزمن وهي تتخذ شَكلها الجميل شَبه الموحد: ورقة أو أكثر ضمن ظرف مغلق
وعلي الظرف العنوان
يعلوه الطابع الملون الَّذِي يرمز بمضمونه الي معلم ثقافي فِي تلك البلاد البعيدة الَّتِي اتت مِنها الرسالة
وعلي الطابع
الذي يمثل دفع اجرة النقل ختم البريد الَّذِي يؤكد قانونية عملية النقل بِكُل اوجهها
في اواسط القرن العشرين شَاع استخدام جهاز التلكس
وهو نظام توجيه البرقيات مشفرة
فيستقبلها جهاز مماثل يفك الشيفرة ويقدمها مطبوعة
ولكن استخدام جهاز التلكس بقي نظرا لكلفته المرتفعة حِكرا علي المؤسسات
ثم ظهر «الفاكس» فِي ثمانينيات القرن الماضي
وهو أقل تكلفة مِن التلكس
يصور الرسالة ويرسلها هاتفيا
فقضم الفاكس شَيئا مِن الرسالة المهنية
ولكن ليس الكثير مِن الرسائل الشخصية
الي ان ظهر البريد الالكتروني.

البريد الالكتروني
تعود جذور البريد الالكتروني الي العام 1973م
تاريخ ابتكار نظام ال «اربانيت» لنقل المعلومات مِن جهاز كمبيوتر الي اخر
وفي مطلع الثمانينيات
تم تحويل نظام الاربانيت الي الانترنت
ومع ذلك
فان رسالة الكترونية نرسلها اليوم
تشبه فِي اسسها الرسائل الَّتِي تبودلت فِي النصف الاول مِن السبعينيات
ولكن كَان علي البريد الالكتروني ان ينتظر انتشار جهاز الكمبيوتر بَين ايدي العامة
كي يصبحِ وسيلة رائجة لتبادل الرسائل
وهَذا ما حِصل منذُ الامس القريب
فقد اعاد البريد الالكتروني ترتيب الاولويات فِي حِيآة المجتمعات
ولم يعد الشباب وحدهم منحازين لهَذا النوع مِن المراسلات
بل انتقلت «عدوى» التكنولوجيا الي المؤسسات الرسمية وشبه الرسمية والشركات ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها
بسَبب انخفاض كلفة هَذه المراسلات مِن جهة
وسرعة وصولها الي الجهة المستهدفة مِن جهة اخرى
مخترقة الفضاءَ والمسافات الطويلة الَّتِي تتطلب وقْتا حِتّى عِند اسرع انواع المراسلات التقليدية
في البريد الالكتروني
وجد مستخدموه فضاءَ اوسع
وحرية لَم تكُن متوافرة لَهُم فِي السابق
فلا تخضع رسائلهم للرقابة مُهما احتوت مِن معلومات
وبكبسة زر واحدة يستطيع صاحب الرسالة ان يبعث بها الي اعداد كبيرة مِن الاشخاص المستهدفين فِي مختلف جهات الارض
بعكْس الرسائل التقليدية الَّتِي لا تصل الا لعنوان واحد فقط
ولشخص بعينه دون غَيره مِن الناس
وصار بامكان مستخدمي البريد الالكتروني حِيازة أكثر مِن صندوق بريد فِي الوقت نفْسه
باسماءَ وهمية
يستقبلون عبرها رسائل وصورا ووثائق وغيرها مِن المواد القابلة للارسال
بالصوت والصورة ايضا
ودفع ذلِك بهوآة هَذا النوع مِن المراسلات الي تشكيل مجموعات بريدية
قد تبدو فِي الظاهر متجانسة
اذ تَقوم بتبادل افكارها وارائها بَين اعضاءَ المجموعة بسهولة
واذا كَان رب العائلة الوقور
او الشاب المتعلم المثقف
هو الَّذِي يحرص علي اقتناءَ صندوق البريد التقليدي فِي السابق
فان افراد العائلة جميعا
وخاصة مِن فئة الشباب
ذكورا واناثا يملكون صناديق بريد الكترونية هَذه الايام
وهي صناديق تبدلت طريقَة فَتحها لاستلام ما بداخلها
فقد تم استبدال المفتاحِ الصغير الَّذِي تم الحصول عَليه مِن ادارة البريد
بكلمة سر خاصة بالبريد الالكتروني
تمثل مفتاحا سحريا لهَذا الصندوق العجيب
ويستطيع الشخص المعني استبدالها فِي أي وقْت يشاء
حفاظا علي سرية مفترضة
وخوفا مِن تعرض محفظة رسائله لقرصنة الكترونية
لا بد مِن الاعتراف ان الرسالة الالكترونية سحبت البساط مِن تَحْت الرسالة الورقية التقليدية
وهُناك الملايين مِن ابناءَ الجيل الشاب فِي وقْتنا الحاضر الَّذِين لَم يكتبوا اية رسالة ورقية فِي حِياتهم
ولكننا نشدد هُنا ان الرسالة الَّتِي تلقت هَذه الضربة الالكترونية هِي الرسالة الشخصية فقط
اما باقي الرسائل وخاصة فِي مجال الاعمال
فلا تزال ورقية
وما زالت العمود الفقري للبريد أينما كَان فِي العالم
بدليل الارقام الَّتِي اوردناها عِند بِداية حِديثنا هذا
وللتعويض عَن خسارته الكبيرة فِي عالم الرسائل الشخصية
عرف البريد كَيف ينوع خدماته
علي صعيد نقل الطرود وفق مستويات مختلفة مِن السرعة والخدمة
فظهر البريد السريع المعروف باسم «EMS» الَّذِي يغطي حِاليا أكثر مِن سبعين دولة فِي العالم
ويمكن بواسطته ايصال اية رسالة أو طرد الي هدفه فِي مهلة زمنية لا تتجاوز الاربعة أو خمسة ايام
والي ذلك
اضاف البريد الي خدماته فِي بَعض الدول الحوالات المالية
وامكانية استصدار جواز سفر عَبر مكاتبه وغير ذلِك الكثير مما يتنوع بَين بلد واخر.

صوره تاريخ عالم الرسائل

شكرا لساعي البريد
يمكن استلام البريد أينما كَان فِي العالم بواحدة مِن طريقتين: اما عَبر صندوق البريد المستاجر فِي مكتب البريد
واما بواسطة الساعي الَّذِي يحملها مِن مكتب البريد الي عنوان المرسل اليه
وفي العصر الذهبي للرسائل الشخصية
كان للصندوق ولساعي البريد مكانتهما فِي الحيآة اليومية للناس أينما كَان
فمجرد فَتحِ الصندوق كَان مصدر اثارة وتشويق يتكلل بالبهجة عندما تظهر فيه رسالة
ومصدر خيبة إذا كَان فارغا
اما ساعي البريد
فكان علما اجتماعيا فِي القرية والمدينة علي حِد سواء
وفي كُل بلدان العالم
كان يتميز عَن غَيره بلباسه الرسمي
فكَانت اطلالته ايذانا باحتمال الحصول علي رسالة مِن الغائبين
ومن العادات الطريفة الَّتِي كَانت شَائعة عِند البعض فِي البلاد العربية
ان يضيفوا الي عنوان المرسل اليه علي الظرف عبارة: «شكرا لساعي البريد»
اعتقادا مِنهم ان هَذه الملاطفة ستدفع الساعي الي الاهتمام الخاص بهَذه الرسالة أكثر مِن غَيرها
وسيعمل علي ايصالها الي وجهتها بسرعة استثنائية.. وخلال تاريخ البريد الطويل كَانت شَخصية الساعي تتغير وتتطور ببطء
فاذا كَان الساعي القديم الَّذِي ينقل الرسالة علي ظهر جواد يعدو بسرعة قَد يصل الي وجهته معفرا بالغبار ومرهقا
فان صورة ساعي البريد الحديث تكاد تَكون لافتة باناقة الهندام صورة المؤسسة الَّتِي يمثلها)
والحقيبة الَّتِي يعلقها بكتفه
اما وسيلة النقل الخاصة به
فلم تتجاوز الدراجة
لان محطات توقفه غالبا ما تَكون متقاربة مِن بَعضها
اما التغير الاكبر الَّذِي طرا علي صورة الساعي فِي وقْتنا الحاضر
فيعود الي تراجع الرسالة الشخصية أمام الرسالة الالكترونية
واقتصار البريد الَّذِي يحمله الساعي علي اوراق الاعمال والطرود والتبليغات الرسمية
ومن الطبيعي ان تختلف مشاعرنا تجاه مِن يحمل الينا رسائل مِن الاحباءَ المسافرين
عن ذلِك الَّذِي يحمل لنا كشفا بالحساب المصرفي
او رسالة اعلانية
او مجلة اشتركنا بها ونتوقع وصولها مِن دون اية مفاجاة.

اول بريد سريع.
الحمام الزاجل
كان الاغريق أول مِن استخدم الحمام الزاجل فِي مراسلاتهم
وانتبهوا الي وظيفته فِي المجتمع
فمن خِلاله تم نقل نتائج الالعاب الاولمبية مِن مكان اقامتها الي المدن البعيدة ليتسني للمواطنين معرفة اخبار الرياضة المحببة اليهم
لكن أول استخدام عسكري للحمام الزاجل
حسب المصادر التاريخية
كان فِي زمن الامبراطور الروماني اوكتافيوس الثالث
الذي استخدم هَذا النوع مِن الحمام لتبادل الاخبار والخطط العسكرية مَع قائد جيشه بروتس الَّذِي حِاصرته قوات مارك انطوني فِي مدينة «فودليا»
وهو بروتس نفْسه الَّذِي خلده الكاتب الشهير وليم شَكسبير فِي مسرحيته ذائعة الصيت يوليوس قيصر.ولم يقتصر استخدام الحمام الزاجل علي الاغريق فقط
فقد استخدمه الفراعنة والفرس والعرب ايضا
وكل حِسب حِاجته وحسب مصلحة بلاده العليا
وفي هَذا الاطار
تشير المصادر التاريخية الي ان الخليفة العباسي المعتصم علم بخبر انتصار جيشه علي بابك الخرمي واسره بواسطة رسالة نقلها حِمام زاجل الي قصره مِن موقع المعركة
ويقول الجاحظ فِي معرض توثيقه لوظيفة الحمام الزاجل ودوره فِي الحيآة العامة «ان العرب تعرف انواع الحمام الزاجل كَما تعرف انساب الخيول»
وفي هَذا اشارة واضحة الي الاهتمام المتزايد الَّذِي ابداه العرب تجاه هَذا الطائر العجيب الَّذِي قدم فَتحا كبيرا فِي عالم الاتصالات فِي العصور القديمة
واذا كَانت مُهمة الحمام الزاجل قَد اقتصرت علي نقل الرسائل العسكرية مِن المركز الي قادة الجيوشَ المحاربة مِن اجل المشاركة فِي ادارة المعركة
فان وسيلة الاتصال هَذه انتقلت مِن بغداد العباسية الي الدولة الاموية فِي الاندلس
وظلت الرسائل الَّتِي ينقلها الحمام الزاجل مقتصرة علي الجانب العسكري بشَكل خاص والجانب الرسمي للدولة بشَكل عام
ليصبحِ هَذا الحمام وسيلة رئيسة فِي الاتصال بَين قادة الجيوشَ العربية الاسلامية وسكان المدن العربية الَّتِي حِاصرها الفرنجة فِي الحروب الصليية
وتشير الدراسات الَّتِي تعاملت مَع مُهمة الحمام الزاجل علي مر العصور الي ان نسبة الخطا فِي ايصال الرسالة هِي متدنية جداً قياسا بالجهد البشري
اي ان هَذا النوع مِن الحمام الخاضع للتدريب المكثف نجحِ فِي ايصال الرسائل الي اصحابها بعيدا عَن المطاردة والرقابة والخوف مِن التفتيشَ أو وقوع الرسالة فِي يد الاعداء
وذهب الامريكيون والبريطانيون فِي العصر الحديث الي استخدام الحمام الزاجل ضمن ترسانة جيوشهم المقاتلة كَما تشير الي ذلِك صفحات الحرب العالمية الاولي ووثائقها وخاصة فِي المناطق الَّتِي تعرض فيها الجيشَ البريطاني للحصار مِن قَبل الجيشَ الالماني
وانتبه العالم مؤخرا الي ضرورة الحفاظ علي الحمام الزاجل والعناية به
فتم تاسيس الاتحاد الدولي للحمام الزاجل ومقره فِي العاصمة البلجيكية بروكسل
ليضم فِي عضويته عدَدا مِن الاتحادات العربية الشبيهة فِي الوظيفة نفْسها ومن بينهم الاتحاد المصري
كان القائمون علي استخدام الحمام الزاجل فِي العصور القديمة يربطون الي رجله رسالة قصيرة ومكثفة تحمل اسئلة أو اجابات وتوضيحات ويتِم اطلاقه باتجاه الجهة المقصودة الَّتِي هِي المكان الَّذِي اعتاد العيشَ فيه
ونقل فِي قفص مِنه
ليعود اليه عندما يطلق سراحه
وبهَذا اعتبرته الوثائق التاريخية اسرع وسيلة اتصال فِي ذلِك الوقت أو «البريد السريع»
القادر علي الطيران فِي الليل
والطيران لمسافات بعيدة.

نشآة البريد الحديث
غدآة انتهاءَ الحروب الصليبية
ازدهرت حِركة التجارة الدولية ما بَين اوروبا والشرق الاسلامي
وهَذا ما دفع التجار والشركات التجارية الي تاسيس خدمات النقل الخاصة بهم
وببطء راحت الجهات الَّتِي انشات بريدها الخاص تتكاثر لتشمل بَعض المجموعات الدينية الاوروبية ومنظمات العمال
والجامعات
وبعد اختراع الطباعة وانتشار التعليم والمعرفة بدءا مِن القرن الخامس عشر
ازداد الطلب علي الخدمات البريدية
وفيما كَان ملوك اوروبا يحسنون تنظيم بريدهم الرسمي ويرفعون كفاءته
كَانت الخدمات البريدية الخاصة تنبثق أينما كَان
ففي العاصمة النمساوية فينا
نظمت عائلة تاكسيس واحدا مِن اشهر الانظمة البريدية الخاصة
حتي أنها كَانت فِي مطلع القرن السابع عشر توظف نحو 20 الف ساعي بريد
يجوبون معظم انحاءَ اوروبا
ولكن
وبشَكل عام
ظلت هَذه الخدمة بطيئة نسبيا ومرتفعة التكاليف
وتعتمد مِثل البريد القديم علي الخيول والعربات
والسفن لنقلها الي ما وراءَ البحار
التطور البارز الكبير فِي تلك المرحلة
ظهر فِي القرن السابع عشر
عندما لاحظت الحكومات المكاسب الكبيرة الَّتِي تحققها شَركات نقل البريد
فانشات مكاتب بريد عامة
وبعضها مَنع الجهات الخاصة مِن نقل الرسائل.

الرسالة فِي الادب.
بدئت الكتابة بعبد الحميد
يمكن الجزم بسهولة ان العرب كَانوا أول مِن ارتقي بالرسالة الي مستوي الادب وحتي الفلسفة
فقد شَهد ديوان الرسائل الَّذِي انشاه الخليفة معاوية بن ابي سفيان
رضي الله
عنه
عددا مِن كبار الادباءَ الَّذِين تعاقبوا علي ادارته
كان اشهرهم عبدالحميد الكاتب الَّذِي تولي امر هَذا الديوان فِي عهد الخليفة مروان بن محمد
وقد عرف عبدالحميد بالبراعة فِي فن كتابة الرسائل حِتّى غدت رسائله مضرب مِثل فِي الاتقان وقيل «بدئت الكتابة بعبدالحميد»
ومن اشهر رسائله واحدة وجهها الي عمال مروان بن محمد فِي الامصار يامرهم بمحاربة لعبة الشطرنج
ورسالته الي الكتاب الَّتِي اصبحت دستورا لمهنة الكتابة
ورسالة كتبها عَن مروان الي ابنه وولي عهده عندما وجهه الي محاربة الضحاك بن قيس الشيباني الَّذِي ثار فِي العراق
وفي الدولة العباسية لمع عدَد مِن اسماءَ الكتاب الَّذِين ابدعوا فِي فن الترسل
نذكر مِنهم يحيي بن خالد البرمكي وابنه جعفر
واحمد بن يوسف الكاتب
والصاحب بن عباد وضياءَ الدين ابن الاثير.
وغيرهم
وقد تطور فن الرسائل وتوسع مفهومه حِتّى ابتعد عَن اصله
اي عَن كونه نصا موجها الي جهة محددة
ومن الامثلة علي ذلِك «رسالة الغفران» لابي العلاءَ المعري
وهي رحلة خيالية كتبها
ابو العلاءَ ردا علي رسالة وجهها اليه علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارحِ يساله فيها عَن جملة مِن الامور تتصل بالتاريخ والفقه والتصوف والادب والنحو وغير ذلك.
جاءت رسالة الغفران مِن شَقين: ينطوي الشق الثاني علي رد ابي العلاءَ علي المسائل الَّتِي تؤرق ابن القارح
اما الشق الاول
فَهو رحلة متخيلة الي العالم الاخر
هو الَّذِي ضمن الخلود لابي العلاء
نظرا للاراءَ الَّتِي يتضمِنها ومزجه الجد بالسخرية فِي ابداءَ موقفه مِن أهم قضايا عصره
ولا يختلف الامر كثِيرا فِي الفلسفة الاوروبية والادب الاوروبي
فهُناك عشرات المفكرين والادباءَ الَّذِين جمعت رسائلهم فِي كتب
نظرا لاهمية محتَوي هَذه الرسائل
ومن هؤلاءَ نذكر علي سبيل المثال الكاتب الايرلندي الساخر جورج برنارد شَو
الذي جمعت رسائله الي الممثلة الين تاري والملاكم جين توني وغيرهما فِي كتب
اما رسائله الي السيدة باتريك كاميل
فلم تجمع فَقط فِي كتاب
بل تحولت الي مسرحية بعنوان «عزيزي الكذاب»
غير ان واحدا مِن اخطر الكتب فِي الفلسفة الاوروبية والفرنسية تحديدا واستخدم فن الرسالة لتحقيق غايته
هو كتاب المفكر الفرنسي مونتسكيو «رسائل فارسية»
فهَذا الكتاب الَّذِي صدر عام 1721م
يتخذ شََكل رواية ساخرة
موضوعها رحلة يقُوم بها نبيلان فارسيان الي فرنسا فِي ذلِك العصر
ومن هُناك يكتبان رسائل الي ذويهما فِي اصفهان يصفان فيها الحيآة فِي فرنسا وعاداتها وقيمها وكل ما فِي المجتمع الفرنسي مِن ميزات وعيوب
وتتضمن هَذه الرواية مئة وخمسين رسالة
تلخص فِي الواقع نظرة المفكر الي واقع الحال فِي بلاده
ونقمته علي الاوضاع الاجتماعية والسياسية
فكان هَذا الكتاب بلا شَك مِن جملة العوامل الَّتِي غذت التذمر الشعبي
وقادت لاحقا الي الثورة الفرنسية.

ساعي البريد.
في الادب والفنون
حظيت شَخصية ساعي البريد باهتمام كبير مِن الادباءَ والفنانين
حتي صار بطلا للكثير مِن القصص والروايات والقصائد والاغنيات والافلام السينمائية.ولعل فلم «البوسطجي» الماخوذ عَن رواية الكاتب يحيي حِقي
نجحِ فِي تناول جانب مسكوت عنه فِي حِيآة هَذه الشريحة مِن الموظفين
حين سمحِ هَذا الرجل لنفسه بالتجسس علي اخبار الناس مِن خِلال قراءة رسائلهم
والتعرف الي كثِير مِن اسرار القرية
ومن بينها جريمة قتل
حين اعتقد أنه بصمته كَان شَريكا فِي تلك الجرائم
اما اشهر فلم فِي السينما الغربية حَِول ساعي البريد فَهو فلم «البوستينو»
المقتبس عَن رواية تدور حَِول اقامة الشاعر التشيلي بابلو نيرودا عام 1970م فِي جزيرة «ايسلا نيغرا» فِي التشيلي
غير ان الفلم ينقل الرواية الي جزيرة ايطالية فِي المتوسط
ويعود بها زمنيا الي الخمسينيات
يروي هَذا الفلم قصة شَاب ايطالي يدعي ماريو تمرد علي مهنة ابيه العامل فِي صيد السمك
وقرر ان يصبحِ ساعي بريد
يسلم الرسائل الي شَخص واحد مقيم علي الجزيرة
هو الشاعر نيرودا المنفي مِن بلاده لاسباب سياسية
ويستعرض الفلم فِي اطار الصداقة الَّتِي تجمع الاثنين الكثير مِن الجوانب الادبية والسياسية والاجتماعية وصولا الي زواج ماريو ومن ثُم مقتله فِي تجمع سياسي
وعودة نيرودا الي التشيلي
ومن ثُم رجوعه الي الجزيرة سائحا ليستلم شَريط تسجيل تركه لَه صديقه الراحل وعليه اصوات الجزيرة وحتي صوت اغتياله فِي التجمع
وفي معظم الاحيان تعاملت القصائد والاغاني مَع ساعي البريد باعتباره رسولا بَين العشاق والمحبين
فَهو وحده مِن يستطيع اقتحام كُل المواقع دون ان يثير شَبهة أو اسئلة محرجة
بسَبب وظيفته الَّتِي تتطلب ذلك
ومن المؤكد ان تلك القصائد والاغنيات قَد حِملت ساعي البريد أكثر مِن طاقته
وربما دفعت بِه الي ممارسة دور لا يخص وظيفته اصلا
وهَذا ما يفسر موقف شَاعر عاشق
ينتظر ساعي البريد بشوق واضح
معتقدا ان ما يعجز هُو عَن فعله
من المُمكن ان يعوضه هَذا الرجل الَّذِي يحمل اسرار الناس
فيقول موجها خطابه اليه: وَضعت بَين يديك اليَوم اسراري فكن شَفوقا علي قلبي واشعاري وكن رسولا عطوفا فِي مضاربها لعلها تتملي بَعض اعذاري وفي قصيدة اخري يقول شَاعر ملهوف تعلقت عيناه بخطوات ساعي البريد واتجاه حِركته: ساعي البريد تاخر المكتوب والقلب ياسيدي بالعشق معطوب وفي هَذا الاطار شَاعت كلمات اغنية الفنانة فيروز الَّتِي تخاطب مِن خِلالها ساعي البريد
فتقول: يامرسال المراسيل علَى الضيعة القريبة خذلي بدربك هالمنديل واعطيه لحبيبي وهي بذلِك تُريد ان يَكون المنديل هُو رسالتها للحبيب
بدل تلك الرسائل التقليدية الَّتِي اعتاد ساعي البريد ايصالها لاصحابها
وكم تمني العشاق تقمص شَخصية ساعي البريد
من اجل ان يقوموا بايصال رسائلهم الي مِن يحبون بانفسهم
بعيدا عَن اثارة فضول الاخرين الَّذِين لا يتوجسون مِن حِركة هَذا الرجل الَّذِي يبدو مخولا بطرق جميع الابواب
وفي اغنية اخري تقول فيروز بلغة الندم علي رسائل عديدة وجهتها لحبيبها دون ان تتلقي الرد علي أي مِنها: كتبنا وما كتبنا يا خسارة ما كتبنا كتبنا مية مكتوب ولهلا ما جاوبنا اشارة لما تعنيه الرسائل بَين المحبين الَّذِين يختصرون بمكاتيب المحبة الكثير مِن الكلام
لكن مائة رسالة ظلت تسير باتجاه واحد خلقت حِالة مِن الغضب الَّتِي برزت علي شََكل عتاب للحبيب الَّذِي تجاهل الرد علي رسائلها
وفي فترة سابقة شَاعت اغنية الفنان محمد عبدالمطلب الَّتِي يخاطب مِن خِلالها الحبيب بقوله: «ابعت لِي جواب وطمني»
فالرسالة هِي مصدر الاطمئنان.
الاطمئنان الي حِال الاحباءَ ايا كَانوا واينما كَانوا.

الطوابع وهوآة جمعها
كَانت بريطانيا أول دولة فِي العالم تصدر طابع بريد
وكان ذلِك عام 1840م
وكان الطابع يمثل صورة جانبية للملكة فيكتوريا باللون الاسود وحدد ثمنه ببني واحد
اعقبه بَعد ذلِك طابع برازيلي عرف باسم «عين الثور» عام 1843م
والتحقت مصر بهَذا الركب فاصدرت أول طابع عربي عام 1866م
وما هِي الا سنوات معدودة حِتّى كَانت كُل دول العالم المستقلة تصدر طوابعها البريدية الخاصة
الَّتِي اصبحت لازمة ضرورية مِن لوازم الرسائل البريدية
وعلي مدي أكثر مِن قرن ونصف القرن شَكلت الطوابع البريدية جزءا اساسيا مِن شَخصية الرسالة
وأكثر مِن ذلك
عملا فنيا كاملا ذا خطاب واضح
فقد اتقنت دول العالم اصدار طوابعها البريدية منذُ البداية
واولته الاهتمام المماثل لاهتمامها بطباعة اوراقها النقدية
ان علي مستوي اختيار المواضيع
او لجهة حِسن الطباعة والتنفيذ
ولهَذا لَم يكن مستغربا ان تجد هَذه الاعمال الفنية الصغيرة هوآة يحبونها ويجمعونها.

موضوعات طوابع البريد
استوعبت طوابع البريد شَتي المواضيع مِن دون أي قيد أو شَرط غَير ان تَكون مستمدة مِن ثقافة البلد الَّذِي يصدرها ومعالم الحيآة فيه واعلامها
فنري مِثلا صور الملوك
والبلد الَّذِي لَم يتخل يوما عَن صورة ملكه هُو بريطانيا
حتي فِي الطوابع التذكارية الَّتِي تَكون موضوعاتها مختلفة
نري صورة خيال لوجه الملكة تعلو الطابع
واستطرادا نشير الي ان بريطانيا هِي البلد الوحيد الَّذِي لا يذكر اسمه علي الطابع
طالما ان أول طابع ظهر فيها
كَما أنه لا يذكر نوع النقد بجانب الرقم إذا كَان الثمن أقل مِن جنيه استرليني
واضافة الي صور الحكام
نري صور الابطال التاريخيين
مثل بطل استقلال امريكا الجنوبية سيمون بوليفار علي طوابع فنزويلا وكولومبيا والارجنتين وغيرها
ونري المنتجات الوطنية مصدر اعتزاز بلد معين
مثل المجموعة الَّتِي اصدرتها فرنسا فِي الستينيات تكريما لصناعات تصميم الازياءَ والعطور والمجوهرات.
ونري أيضا صور العلماءَ والمخترعين مِثل أينشتاين علي طابع امريكي
وأيضا اللوحات الفنية وخاصة فِي دول اوروبا اللاتينية فرنسا
ايطاليا
اسبانيا الَّتِي اصدرت طوابع تكريمية لكُل الكبار مِن فنانيها ولوحاتهم
وتشمل موضوعات الطوابع أيضا الحيآة الفطرية بِكُل ما فيها مِن نباتات وحيوانات واشجار
من دون ان ننسي الاشجار الوطنية كَما هُو حِال الارز فِي لبنان وورقة الدلب
رمز كندا
وفي عصر الاستعمار حِتّى النصف الاول مِن القرن العشرين)
كَانت المستعمرات شَبه محرومة مِن حِق اصدار الطوابع
كَما ان بريدها هُو فِي ايدي المستعمرين
ولذا كنا نري الطوابع البريطانية العادية مِثلا تدمغ بالخط الاسود قَبل إستعمالها بعبارة «الهند» أو «الصين»
تماما كَما كَانت الطوابع الفرنسية تدمغ بعبارة «افريقيا الغربية الفرنسية» لاستعمالها هناك.

جمع الطوابع
بدا جمع الطوابع كهواية منذُ الايام الاولي لصدور الطابع البريطاني الاول
وان بقيت هَذه الهواية حِكرا علي صغار السن فِي بدايتها
فأنها سرعان ما صارت هواية الكبار
وتطورت فِي القرن العشرين لتضم كبار الاثرياءَ القادرين علي ان يدفعوا عشرات أو مئات الاف الدولارات ثمنا لطابع نادر
ولكن بعيدا عَن الجانب التجاري أو الاستثماري فِي جمع الطوابع وبشَكل خاص النادر مِنها
تكمن القيمة الكبري لهَذه الهواية فِي بَعدها الثقافي
فمن يجمع الطوابع عَليه ان يرتبها فِي مجلدات خاصة لهَذه الغاية وفق انتمائها الي هَذه الدولة أو تلك
كَما ان عَليه ان يدرسها عَن كثب ليري أي اختلاف بينها وبين طابع مشابه علي صعيد اللون أو السعر
وحتي حِالة الطابع نفْسه وما إذا كَان ممزقا أو ينقصه سن عِند حِافته
وخلال هَذا الدرس
والتمعن فِي محتَوي كُل طابع علي حِدة
يَكون الهاوي ثقافة عامة قَد لا تتوافر لَه بصيغتها هَذه وتنوعها مِن أي مصدر اخر
فيصبحِ وهو لا يزال علي مقاعد الدراسة ملما بصور حِكام العالم والابطال التاريخيين فِي هَذه الدولة أو تلك
ونوعية الحيآة الفطرية فيها
وموردها الاقتصادي الاول وغير ذلِك الكثير
وبسَبب جاذبيتها
اصبحت هواية جمع الطوابع الهواية التجميعية الاولي فِي العالم مِن دون أي منافس قريب
واصبحِ عدَد جمعيات هوآة جمع الطوابع فِي العالم بالالاف فِي المملكة مِثلا
تُوجد جمعيتان لهوآة جمع الطوابع ومقرهما فِي الرياض)
وتصدر سنويا اربعة كاتالوجات شَاملة بِكُل طوابع العالم مَع تقدير اسعارها الحالية فِي حِالَّتِي الطابع: جديد ومستعمل
وهَذه الكاتالوجات هي: ستانلي غيبونز فِي بريطانيا
وسكوت فِي امريكا
ومايكل فِي المانيا
وايفير فِي فرنسا.

نكسة الطابع.
وليس الهواية
قبل عصر الانترنت
واجه الطابع محاولات الاستغناءَ عنه
عندما راحت بَعض مؤسسات البريد فِي امريكا اولا ومن ثُم فِي اوروبا وباقي دول العالم
تستعيض عنه بختم يمهر بِه الظرف يشير الي دفع قيمة النقل
بدلا مِن شَراءَ طابع لهَذه الغاية
وقد رفض افراد كثِيرون اعتماد الختم
وتمسكوا بطابع البريد
خاصة فِي رسائلهم الشخصية
ولكن المؤسسات الَّتِي صارت توجه الرسالة الواحدة بالجملة الي المئات والالاف مِن الناس
لم تكُن تبالي
لا بل ظهر الختم وسيلة فعالة ومريحة أكثر مِن الصاق طابع علي كُل ظرف علي حِدة
ومن ثُم جاءَ تداعي عالم الرسالة الشخصية فِي عصر الانترنت ليوجه ضربة قاسية لطابع البريد
ولكن ذلِك لَم يقض نهائيا علي الطابع
بدليل ان الدول لا تزال تصدر طوابعها
لا بل ان تطورا جديدا عزز بَعض الشيء مِن كرامة الطابع الجريح
اذ ظهرت فِي امريكا عام 1992م
الات بيع طوابع البريد فِي الشوارع علي غرار الات الصراف الالي
كَما ان دوائر البريد فِي كُل بلدان العالم
لم تفقد اهتمامها بالطابع
الذي لا يزال يشَكل موردا ماليا مُهما لها
نظرا لاقبال الهوآة عَليه
ولذا نراها حِتّى اليَوم لا تزال تصدر الطوابع التذكارية فِي مجموعات لمناسبات مختلفة
وتسوق بَعضها باسعار باهظة عَبر ما يعرف اليَوم الاول للاصدار
حيثُ يلصق الطابع علي ظرف خاص
ويمهر بختم البريد علي أنه «اليَوم الاول»
الذي يبدو مختلفا عَن باقي الايام
من وجهة نظر جامعي الطوابع طبعا
اما لماذا
فالجواب عندهم.

البطاقات البريدية للتحيات والايام الجميلة
تعود جذور البطاقات البريدية الي ما قَبل ظهور الطوابع
وكَانت فِي بداياتها
عبارة عَن قطعة مِن الورق المقوي المزين ببعض الزخارف البسيطة
الَّتِي تمت طباعتها بواسطة الحفر علي الخشب
ومن ثُم بالحفر علي الحجر الليتوغرافيا)
وكَانت هَذه البطاقات تسلم باليد
ويقتصر استخدامها علي تبادل التحيات أو توجيه الدعوات
او بَعض المجاملات الاجتماعية
ولكن مَع القفزة الَّتِي قفزها البريد تنظيما وتنشيطا
ظهرت فِي العام 1861م
البطاقات البريدية الحكومية مدفوعة الاجرة مسبقا)
وظلت هَذه البطاقات قيد التداول حِتّى العام 1873م
اما البطاقات غَير الحكومية
اي الَّتِي يَجب ان تدفع اجرة نقلها فِي مكتب البريد
فقد ظهرت فِي النمسا اولا عام 1869م
وبدءا مِن العام التالي انتشرت البطاقات المصورة انتشار النار فِي الهشيم فِي كُل انحاءَ اوروبا
فقد ادي تولي القطاع الخاص مُهمة اصدار هَذه البطاقات الي التفنن فِي اختيار موضوعاتها بما يرضي كُل الاذواق والاهتمامات
ومع انتشار الات التصوير الفوتوغرافي
وتطور الطباعة الملونة
ظهرت البطاقات البريدية القائمة علي الصور الفوتوغرافية الملونة فِي العام 1939م
وما زالت صناعتها قائمة حِتّى اليوم
وبشَكل عام
تبقي البطاقة البريدية
الَّتِي يُمكن ارسالها مِن دون وَضعها داخِل ظرف
مؤلفة مِن لوحِ صغير مِن الورق المقوى
ينقسم خَلفه الابيض بخط عمودي
بحيثُ تَكون نصف المساحة مخصصة لكتابة نص صغير
والنصف الاخر لكتابة العنوان
اما وجه البطاقة فتطبع عَليه صورة
لا حِدود للموضوعات الَّتِي يُمكن ان تمثلها
شرط ان تستجيب لشرط واحد: ان تَكون جميلة ومعبرة بشَكل جميل
وبناءَ علي هَذا يُمكن القول ان البطاقات البريدية كَانت ولا تزال اعمالا فنية حِقيقية ومتكاملة وان كَانت صغيرة
وقد ارتبط ازدهار هَذا الفن بشَكل خاص بحركة السفر والسياحة
فمن المهمات التقليدية الَّتِي ما كَان يجوز للمسافر أو السائحِ بشَكل خاص ان يهملها
كان ارسال البطاقات البريدية مِن وجهة سفره الي ذويه واصدقائه فِي وطنه
ولذا طغت علي هَذه البطاقات الصور الفوتوغرافية الَّتِي تمثل مشاهد سياحية وثقافية عامة خاصة بالبلد الَّذِي تصور وتروج فيه
وانتبه الكثيرون الي الاهمية الجمالية والثقافية لهَذه البطاقات
فكان شَأنها شَان طوابع البريد
وسرعان ما تحولت الي مادة هواية بالنسبة الي الكثيرين الَّذِين راحوا يجمعونها
حتي صارت الهواية التجميعية الثالثة فِي العالم بَعد الطوابع والعملات
وتحظي البطاقات البريدية وتاريخها بمتحف خاص هُو «متحف البطاقة البريدية» القائم فِي مدينة شَيكاغو الامريكية
الذي يعرض لزواره المسيرة التاريخية الَّتِي قطعتها هَذه الجوهرة الطباعية – البريدية منذُ نشاتها وحتي اليوم… اليَوم الَّذِي يبدو فيه بَعض المسافرين
وخاصة الشبان
يستعيضون عَن البطاقات الجميلة الملونة والمفرحة
برسالة قصيرة عَبر هاتفهم الجوال.
فهل تتغلب هَذه الرسائل القصيرة علي التاريخ الطويل للبطاقات البريدية وصناعتها العملاقة حِتّى الآن لَم يحصل الامر
ولكن الخطر علي البطاقة البريدية يبقي قائما.

البريد والرسالة.
لغويا
اختلف المؤرخون واللغويون العرب علي نسبة كلمة «بريد»
فبعضهم
مثل الزمخشري
راي ان الكلمة عربية وتعني الرسول
فيما ذهب اخرون الي نسبة كلمة البريد الي البردة
وهي العباءة
اذ كَان علي ساعي البريد
اي الرسول الَّذِي يحمل الرسائل
ارتداءَ عباءة حِمراءَ ليتميز بها عَن غَيره مِن الناس
وجاءَ فِي «الموسوعة العربية العالمية» ان «كلمة بريد فارسية معربة اصلها «بريده دم»
ومعناها «مقطوع الذنب»
لان بغال البريد كَانت مقطوعة الاذناب علامة لها
ثم عربت الكلمة وخففت
ويدور معني البريد عِند العرب علي معني الرسول
فهم يقولون الحمي بريد الموت
يريدون أنها رسوله
تتقدمه وتنذر به
ويقولون لطائر الغرانق: البريد
لانه ينذر قدام الاسد»
اما الرسالة
فَهي تسمية واسعة لاي نص موجه الي افراد أو جماعة
وقد تَكون الرسالة رسمية وجادة فِي نغمتها
غير شَخصية
او تَكون تعبيرا ذاتيا خاصا
او بَين الامرين
وتضيف الموسوعة: ان لكلمة الرسالة أيضا معني دينيا
كان يقال رسالة الاسلام بمعني مضمون الاسلام ومقاصده واهدافه الدينية والدنيوية
كذلِك شَاع استخدام كلمة الرسالة فِي اسماءَ بَعض الاعمال الادبية والفنية والعلمية فِي التراثين العربي والغربي.

  • تفسير حلم الرسالة الورقية
الرسائل عالم 94 مشاهده
1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...