10:44 مساءً الأحد 27 مايو، 2018

بحث عن الحضارة الفارسية



بحث عَن ألحضارة ألفارسيه

صوره بحث عن الحضارة الفارسية

مقدمه
الفرس أمه متجذره فِى ألتاريخ،
لهم فِى ألحضارة ألانسانيه أصاله يشهد لَها تراثهم،
وفي ألحربِ درايه و خبره و فنون أثبتتها حِروبهم مَع ألعربِ و ألروم و ألهياطله،
وهى حِروبِ و صفت بِأنها “استولت علَي عقول ملوك أل ساسان،
فلم يستريحوا مِنها و لم يريحوا ألشعبِ حِتّي أن ألملك ألواحد كَان يحاربِ ألروم سنوات،
ثم تعلن ألهدنه ربما يستجمع قواه و يعد لَها و قودا جديده”(1).
اولا:
تنظيم ألدوله ألعسكري
كان ألفرس فِى تاريخهم ألقديم “امه مسلحه” و شعبا محاربا،
ولذلِك تمكن ألاشكانيون “نظرا الي تربيتهم ألعسكريه مِن ألاستيلاءَ علَي “بارتا”،
ثم خلقوا بِالغزو دوله أيرانية جديده”(2 أسموها “الدوله ألبرتيه”.
ويبدو أن ألامبراطوريه ألفارسيه نظمت ألمجتمع ألفارسى ليَكون مجتمع حِرب،
فاعتمدت نظاما أسريا و أقليميا يرتكز علَي أربع و حِدات “البيت غانه و ألقريه و يس و ألقبيله زنتو و ألاقليم(دهيو)”(3).
كان رؤساءَ ألقري يضطلعون بِدور أساسى فِى هَذا ألتنظيم،
“فهم كَانوا كبار أمراءَ ألملك…،
وكانوا ينشئون رعاياهم علَي ألحرب”(4).
وخضع تركيبِ ألمجتمع ألفارسى الي ألنظم ألاقطاعيه و ألطبقيه لكى ياتى متوافقا مَع ألنظم ألحربيه للدوله.
ويشير تنسر الي تقسيم ألهيكل ألاجتماعى ألَّذِى كَان سائدا أيام ألساسانين “الي أعضاءَ أربعه مِنهم ألملك:
العضو ألاول هُو أهل ألدين أثروان Athravan)،
والعضو ألثانى ألمقاتله أرتشتاران Rathaestar و ألعضو ألثالث ألكتابِ دبيران و ألعضو ألرابع ألمهنه ألفلاحون و ستريوشان و ألصناع هُو تخشان)(5)”.

صوره بحث عن الحضارة الفارسية
وظهرت فِى ألدوله ألساسانيه تقسيمات أجتماعيه اُخري مِنها ما أورده ألجاحظ فِى كتابة “التاج” بِقوله:
“جعل أزدشير ألناس علَي أقسام أربعه،
وحصر كُل طبقه علَي قسمتها:
فالاول ألاساوره مِن أبناءَ ألملوك،
والقسم ألثانى ألنساك و سدنه بِيوت ألنيران،
والقسم ألثالث ألاطباءَ و ألكتابِ و ألمنجمون،
والقسم ألرابع ألزراع و ألمهان و أضرابهم”(6).
ويقول ألمسعودى أن أزدشير رتبِ ندماءه فِى طبقات “وكان يري أن ذلِك مِن ألسياسة و مما يرم عمود ألرئاسه،
فالاولي ألاساوره و أبناءَ ألملوك،
وكَانت ألطبقه ألثانية و جوه ألمرازبه و ملوك ألكور ألمقيمين بِبابِ أزدشير و ألاصبهبذيه ممن كَانت لَه مملكه ألكور فِى أيامه،
واهل ألطبقه ألثالثة ألمضحكون و أهل ألبطاله و أهل ألهزل”(7).


ومهما كَانت تسميه ألطبقات ألَّتِى أعتمدت فِى فارس فإن هَذا ألتنظيم أوحي بِالطبيعه ألحربيه ألَّتِى بِنيت عَليها دوله ألفرس.
فالملك ألَّذِى كَان يقف علَي راس هَذه ألطبقات،
كان عسكريا بِطبعه و تربيته،
ويقول كريستنسن “ان اكثر ملوك ألساسانيين شغوفون بِالحربِ و أشتركوا فعلا فِى أعمالها”(8).
الا أن ألَّذِى يثير ألاستغرابِ هَذا ألتضاربِ فِى أولويات تصنيف ألطبقات،
فكتابِ “تنسر” يجعل ألمقاتله فِى ألطبقه ألثانية بَِعد أهل ألدين،
ويحصر تكوينها بِالفرسان و ألرجاله بِرتبهم و موظفيهم كافه،
اما ألجاحظ فيجعل ألاساوره مِن أبناءَ ألملوك فِى ألمقدمه.
ومصطلحِ ألاساوره يرد فِى كتابِ كريستنسن فِى سياقين،
الاول “ان ضباط ألجيش كَانوا يسمون ألاساوره”(9)،

والثانى يحدده بِسلاحِ ألفرسان و يصفهم “بصفوه ألجيش مِن ألاساوره ألفرسان ألمصفحين”(10).
اما تنسر فيجعل فِى ألطبقه ألرابعة مِن تقسيمه ألزراع و ألرعاه و ألتجار و أصحابِ ألمهن،
وهى طبقه ليست فِى و جهها ألاخر سوي “مصدر ألرجال للحرب”(11)،
الذين و صفهم كريستنسن بِانهم “طبقه سيئه ألتكوين و مؤلفه مِن جند غَير أكفياء”(12).
وفيما تبدو صورة ألمجتمع ألحربى ألفارسى ظاهره فِى ترتيبِ طبقاته،
ياخذ ألتقسيم ألادارى لبلاد فارس طابعا عسكريا و أضحا بِاعتمادة “نظام ألمرازبه ألاربعه”.
وفي هَذا ألاطار حِفظ لنا تنسر تنظيم ألدفاع عَن فارس بِتطبيق “نظام ألثغور” مستندا الي قول أزدشير:
“لا يجوز أن يطلق لقبِ ألملك علَي احد مِن غَير أهل بِيتنا عدا أصحابِ ألثغور،
وهى ألآن و ناحيه ألمغربِ و خوارزم و كابل”(13).
ويطلق ألمسعودى علَي حِكام ألثغور لقبِ “اصبهبذ” و ”جعل ألاصبهبذين أربعه “الاول بِخراسان و ألثانى فِى ألمغرب،
والثالث بِبلاد ألجنوب،
والرابع بِبلاد ألشمال،
فهؤلاءَ هُم أصحابِ تدبير ألملك،
كل و أحد مِنهم قَد أفرد بِتدبير جُزء مِن أجزاءَ ألمملكه،
وكل و أحد مِنهم صاحبِ ربع،
ولكُل و أحد مِن هؤلاءَ مرزبان و هم خَلفاءَ هؤلاءَ ألاربعه”(14).
ويشير ألطبرى الي أن تنظيم ألثغور ألاربعه جري زمن كسري أنوشروان حِين ألغي رتبه “ايران – سباهبذ” بِقوله:
“وكان يلى ألاصبهبذه و هى ألرياسه علَي ألجنود قَبل ملكه رجل،
وكان أليه أصبهبذه ألبلاد،
ففرق كسري هَذه ألولايه و ألمرتبه بَِين أربعه أصبهبذين،
منهم أصبهبذ ألمشرق و هو خراسان و ما و ألاها،
واصبهبذ ألمغرب،
واصبهبذ نيمروز،
وهى بِلاد أليمن،
واصبهبذ أذربيجان و ما و ألاها،
وهى بِلاد ألخزر و ما و ألاها،
لما راي فِى ذلِك مِن ألنظام لملكه”(15).
وتحفظ كتبِ ألتاريخ،
الي جانبِ ألاصبهبذين،
وجود مرازبه يحكمون ألاقاليم و يقيمون فيها.
ويشير كريستنسن الي “ان معظم ألمرازبه كَان يغلبِ فيهم ألطابع ألحربى علَي ألطابع ألمدني،
وفي أثناءَ ألحربِ كَان ألمرازبه يعملون قوادا فِى ألجيش تَحْت رياسه ألاصبهبذين”(16).
ثانيا:
تنظيم ألجيش ألفارسي
نظم ألاكاسرة جيوشهم لتَكون متناسبه مَع أتساع أمبراطوريتهم.
كَما حِدد ملوك فارس عقيده جيوشهم فجعلوا مُهمتها ألاساسية ألمحافظة علَي ملكهم،
فكَانت اول خطوه لازدشير حِربه للانتقال مِن ملوك ألطوائف الي ألدوله ألموحده ألَّتِى أراد صورتها و فق قوله:
“رد ألملك الي أهله و جمعه لرئيس و أحد و ملك و أحد”(17).
وتمثلت خطوه ألساسانيين ألثانيه،
بعد تحقيق و حِدتهم،
في أنصرافهم الي و َضع أستراتيجيه لدولتهم مستمدة مِن تاريخهم،
وحروبهم مَع أليونان و ألروم… و أصبحت سياسة ألفرس منذُ عهد أزدشير و خلفائه ألاوائل متجهه الي حِماية ألحدود مِن ألشرق و ألشمال و ألغربِ و ألَّتِى كَانت علَي ما يبدو مهدده بِصورة دائمه بِحيثُ و جهوا “عنايتهم كلها الي غزو ألروم و قْتالهم،
ولن يستريحِ ملكهم ما لَم ينتقم لدارا مِن ألاسكندريين”(18).
واهتم ألفرس بِتنظيم “جيش أمبراطورى قوي”،
وربطوا و جود دولتهم بِقوته و تماسكه،
فاغدقوا ألمال علَي أعداده متبعين سياسة أنوشروان:
“الملك بِالجند و ألجند بِالمال”(19).
وفي هَذا ألاطار كَان جيش فارس يشمل ألصنوف كافه ألمتعارف عَليها فِى ذلِك ألعصر،
فجعل تنسر ألمقاتله قسمين:
“الفرسان و ألرجاله و هم يتفاوتون بِاعمالهم و مراتبهم”.
بينما يشير ألمسعودى الي تنظيم ألجيش ألفارسى فِى و صفة لاستعراض أبرويز لصفوف جيوشه بِقوله “وقد صفت لَه ألجيوش و ألعدَد و ألسلاحِ فيما صف لَه ألف فيل،
وقد أحدقت بِِه خمسون ألف فارس دون ألرجاله”(20).
‌ا فرقه ألفرسان
عرف ألفرس ألفروسية منذُ ألقدم حِتّي أصبحت رمزا للبطوله،
يفتخر تنسر بِها فِى كتابة بِقوله:
“ان الله تبارك ملكه جمع فِى ألفرس فروسية ألترك و فطنه ألهند و صناعه ألروم”(21).
ومن ألطبيعى أن يَكون لسلاحِ ألفرسان مكانه عاليه فِى ألمجتمع ألفارسى حِتّي أصبحِ “لقبِ فارس سوار قيمه أجتماعيه اعلي شانا”(22)،
ولا عجبِ بِذلِك فقد جاءَ فِى “مروج ألذهب” أن أزدشير جعل ألطبقه ألاولي مِن خاصته مِن “الاساوره و أبناءَ ألملوك” كَما لقبِ ألاساوره فِى كتبه بِانهم “حماه ألحرب”(23).
وتشَكل فرقه ألفرسان ألدارعين نخبه ألجيش ألفارسى و عماده،
بحيثُ كَانت ترتبط نظرا الي اهميتها بِالملك مباشره و عَليها يرتكز سلطانه و نظامه.
ويصف أربرى هَذه ألفرقه بِأنها “طبقه ألفرسان ذوى ألاسلحه ألثقيله ألَّتِى أصبحت مِن اهم ألفرق ألحربيه،
وكَانت تتَكون مِن ألنبلاءَ ألمتواضعين،
وتعتمد علَي ألملك مباشره،
وبذلِك لا يُمكن لاحد ألحكام ألثائرين فِى ألولايات أن يستخدمها ضد مولاه”(24).
ويحدثنا كريستنسن عَن و جود “فرقه ثانية مِن ألفرسان ألمختارين تسمي “فرقه ألخالدين،
من عشره ألاف رجل،
و”الفدائيين” و هى فرقه اُخري مِن ألفرسان “تمتاز بِالجراه و تتحدي ألموت”(25).
ولعلنا نقول أن هَذه ألفرق كَانت تشَكل ألوحدات ألخاصة ألَّتِى تقف قربِ ألملك و تنال ثقته.
وكَانت ألخياله ألثقيله فِى ألجيش ألفارسى ألسلاحِ ألحاسم فِى ألمعركه،
ويشير ستروكوف فِى دراسته لموقعه ماراتون 490 ق.م الي “ان تفوق ألفرس يكمن فِى خيالتهم ألقوية ألَّتِى كَانت جاهزة لشن ألضربات ألعنيفه علَي أجنابِ ألترتيبِ ألقتالى أليوناني”(26).
ويصف كريستنسن بِقوله:
“كان ألايرانيون يلقون ضد ألرومان بِافواج منظمه مِن ألفرسان ألدارعين فِى صفوف كثيفه،
فكان بِريق ألدروع ألَّتِى كَانت تتبع أتجاه ألجيش يعكْس هيبه تبهر ألابصار”(27).
ومن هَذا ألمنظور،
حافظ ملوك ألفرس علَي و حِدات ألخياله و عززوها و أهتموا بِتجهيزها،
فكان كسري “يتفقد ألاساوره فمن لَم يكن لَه مِنهم يسار قواه بِالدوابِ و ألعده و أجري لَهُم ما يقويهم”(28).
ولقد أشار ألطبرى الي أن سلاحِ ألفارس أيام كسري “كان يتَكون مِن تجافيف،
ودرع،
وجوشن،
وساقين،
وسيف،
ورمح،
وترس،
وطبرزين،
وعمود،
وجعبه فيها قوسان بِوتريهما و ثلاثين نشابا و وترين يعلقهما ألفارس فِى مغفر لَه ظهريا”(29).
وكَانت و حِدات ألفرسان محط أهتمام ملوك ألفرس و عنايتهم.
فقد أفادوا مِن خبرات أعدائهم ألاغريق فِى تدريبها علَي حِد قول أيريك موريز:
“ان ألفرس تعلموا،
وحوالي ألعام 400 ق.م،
اسس ألمدرسة ألاغريقيه.
وطوعوا مِن شعبِ ألسيت خياله ألاستطلاع”(30).
اما قياده ألفرسان فقد جعلها ألاكاسرة “من ألمناصبِ ألعامة ألَّتِى تورث بَِين أفراد ألاسر ألسبع،
ورياسه ألفرسان كَانت و أحده مِن ثلاث و ظائف حِربيه و راثيه”(31).
ويذكر ألطبرى أن ألخياله ألفارسيه فِى معركه ألقادسيه “كَانت فِى ألصفوف ألاولى،
يليها،
“الفيله،
ثم ألمشاه”(32).
‌بِ فرقه ألفياله
تعتبر ألفياله فرقه أساسية فِى ألجيوش ألفارسيه و تشَكل عمادا لنظامها ألعسكري،
ويشير ألمسعودى الي انه كَان “في مربط أبرويز ألف فيل.
وقد صفت لَه ألجيوش و ألسلاح،
وفيما صف لَه ألف فيل”(33).
ويبدو أن ألاكاسرة أستقدموا ألفيله مِن ألهند ألَّتِى كَانت “تتخدها فِى بِلادها،
وليس فيها و حِشيه و إنما هِى حِربيه”(34)،
وتمنوا كَما جاءَ علَي لسان أبرويز “ليت أن ألفيل لَم يكن هنديا و كان فارسيا”(35).
وتؤدى ألفياله فِى حِقل ألمعركه دور ألدروع فِى معركه أليوم،
ونجد مركزها فِى خطة عمليات ألفرس كَما أوردها ستروكوف فِى و صف لموقعه كافكامل ألعام 331 ق.م بَِين ألفرس و مقدونيا:
“تمركزت ألعربات و ألفياله امام ألجبهه”(36)،
بينما كَانت تلى صفوف ألفرسان فِى معركه ألقادسيه،
حيثُ “عبئ رستم فِى ألقلبِ ثمانيه عشر فيلا،
عَليها ألصناديق و ألرجال،
وفي ألمجنبتين ثمانيه و سبعه،
عَليها ألصناديق و ألرجال”(37).
وكَانت مُهمه هَذه ألافيال خرق صفوف ألعدو و ألالتفاف علَي قلبه لتذعر سلاحِ ألفرسان كَما أورد ألطبري:
“وكَانت حِمله ألفيله علَي ألميمنه و ألميسره علَي ألخيول،
فكَانت ألخيول تحجم عنها و تحيد”(38).
‌ج ألرجاله بِايكان)
كَانت فرق ألرجاله او ألمشاه تتالف مِن ألوحدات ألَّتِى يجمعها أصحابِ ألاقطاعات و ألذين “الزموا رعاياهم دفع ألضرائبِ و أداءَ ألخدمه ألعسكريه تَحْت رياستهم…،
وكَانت هَذه ألفرق ألمكونه مِن ألحراثين،
سيئه ألتكوين و مؤلفه مِن جند غَير أكفياء”(39).
والواقع أن هَذه ألصفات جعلت ألمهمات ألموكله الي هَذه ألفرقه فِى ساحات ألحربِ تتناسبِ مَع قدرات عناصرها،
فكانوا يسيرون فِى ألصفوف ألَّتِى تلى ألفرسان و ألخياله فِى مؤخره ألجيش يهدمون ألاسوار،
ويخدمون ألفرسان،
ويحرسون ألفياله علَي حِد قول ألمسعودي:
“كَانت ملوك ألفرس توقى ألفيله ألمقاتله بِالرجاله حِولها”(40).
‌د فرقه ألحرس ألملكي
كَانت هذ ألفرقه تحيط ألملك بِهدف ألدفاع عنه و حِراسته،
ويفيد كريستنسن “ان رئيسهم يتمتع بِاوسع جاه فِى ألبلاط،
وفي أيام كسري كَانت و ظيفه “الهزاربد” رئيس ألالف رجل ثُم أصبحِ رئيسا للحرس ألملكي”(41).
ويذكر ديورانت “ان هَذه ألفرقه كَانت أم فرق ألجيش و كَانت مؤلفه مِن ألفين مِن ألفوارس و ألفين مِن ألمشاه كلهم مِن ألاشراف”(42).
ه فرقه ألمرتزقه
نظمت ألمرتزقه فِى ألجيش ألفارسى فِى فرق أطلق عَليها ألفرق “الرديفه”،
وكَانت “تجند مِن كُل ألامم ألخاضعه لسلطان ألفرس،
وكَانت كُل فرقه تتكلم بِلغتها،
وتقاتل بِاسلحتها و تتبع أساليبها ألحربيه ألخاصه”(43).
ويشير كريستنسن الي فرق رديفه “من ألسجستانيين،
وفرق مِن ألامم ألجبليه ألمختلفة فِى ألقوقاز”(44).
وورد فِى “تاريخ ألحضارات ألعام” انه “كان يردف ألجيش ألايرانى و حِدات مِن ألمرتزقه سوادهم مِن ألارمن”(45).
وكان مما يلفت قيام ملوك و مرازبه ألفرس بِتجنيد ألمرتزقه أليونان نظرا “الي تفوق ألجندى أليونانى ألتقني.
وقد كون بِحارة شواطئ أسيا ألصغري ألَّذِين ينتمون الي عنصر يونانى بِالاشتراك مَع ألبحارة ألفينيقيين،
رجال أسطول فارسى حِسبوا لَه حِسابا”(46).
ومن ألفرق ألَّتِى أردفت بِجيوش ألفرس كَما يقول ألطبري،
كتيبتان جعلها ملك فارس مَع ملك ألحيره بِحكم تحالفهما “دوسر،
وهى لتنوخ و ألشهباءَ و هى لفارس”(47).
ويشير ألالوسى الي أن هُناك ثلاث كتائبِ أضافيه،
“الرهائن و ألصنائع و ألوضائع”(48).
ثالثا:
المبادئ ألعسكريه ألتكتيكيه و ألاداريه
نظم ملوك ألفرس جيوشهم و وضعوا لَها أسسا أداريه و حِربيه فكَانت محط أعجابِ و تقدير أعدائهم ملوك ألروم و فق ما جاءَ فِى كتابِ ملك ألروم الي سابور بِن أزدشير:
“اما بَِعد،
فقد بِلغنى مِن سياستك لجندك و ضبطك ما تَحْت يدك و سلامة أهل مملكتك بِتدبير ما،
احببت أن أسلك فيه طريقتك و أركبِ مناهجك”(49).
‌ا ألاعداد و ألتدريبِ ألعسكري
اهتمت دوله ألفرس بِاعداد “جيشها ألامبراطوري” لتنفيذ سياستها ألحربيه مِن خِلال تطبيق بِرنامج تربيه عسكريه يشمل ألفروسية و ألرمي،
ويبدا مَع ألاطفال منذُ صغرهم.
ويشير أربرى الي مراحل هَذه ألتنشئه بِقوله
”ان ألابناءَ مِن سن ألخامسة الي سن ألعشرين يتعلمون ثلاثه أشياءَ فقط” ركوبِ ألخيل،
والصيد بِالقوس و قول ألحق.
اما ألقتال فِى ألمعركه فكان يعد أسمي صفات ألرجل و كان يليه فِى ألاهمية بِناءَ أسرة كبيرة مِن ألابناء،
ثم ياتى بَِعد ذلِك مِثلهم ألأعلي و هو تكوين ألجندى ألباسل”(50).
والواقع أن مستويات ألتدريبِ فِى ألجيش تتصل بِتنوع ألطبقات ألاجتماعيه ألَّتِى يتَكون مِنها ألمجتمع ألفارسي،
فبينما نجد تكوين ألجندى يعتمد علَي تقاليد و عادات ألاسر ألَّتِى كَانت تساهم فِى تكوين “الامه ألمسلحه”،
كان ألنبلاءَ ألشبان “يلقنون فن ألحربِ قَبل كُل شيء”(51)،
ويخضعون لبرامج يشرف عَليها مؤدبِ ألاساوره” ألَّذِى “كان يعمل علَي تعليم أبناءَ ألمحاربين فِى ألمدن و ألرساتيق حِمل ألسلاحِ و أدابه”(52).
ويحفظ لنا ألطبرى مراحل تربيه “بهرام بِن يزدجرد” لدي ألملك ألعربى ألمنذر ألَّذِى “اتاه بِرهط مِن فقهاءَ ألفرس و معلمى ألرمى و ألفروسية لياخذ عنهم كُل ما ينبغى ألتدربِ بِه”(53).
ويشير كريستنسن الي “وجود أنديه ألسباق خارِج ألمدن حِيثُ كَان ألمدربون يعنون بِالخيل و حِيثُ يجرى سباق ألخيل و تمرينات ألرمايه بِالسهم”(54).
ولقد بِلغت مهاره ألفرسان و قدراتهم ألفنيه و ألتقنيه فِى ألرمايه مستوي رفيعا جعلت أربرى يصفهم فِى حِربهم مَع ألرومان بِقوله:
“كانوا يرسلون عَليهم سهامهم ألمميته عَن بَِعد،
اما عَن مهارتهم فِى رمى ألسهم الي ألوراءَ مِن فَوق ظهر ألجياد و هى تعدو بِعيدا عَن ألعدو،
فقد أكسبتنا هَذه ألعبارة رميه بِارتيه-“(55).
‌بِ ألجاسوسيه
1 ألعيون
اتخذ ملوك فارس فِى حِربهم و سلمهم،
في داخِل مملكتهم و علي حِدودها،
عيونا لَهُم لتنسم ألاخبار،
وجمع ألمعلومات لما فِى ذلِك “من منفعه لخاصة أنفسهم و عامة رعيتهم”.
ولقد أسدي احد ألحكماءَ نصيحه لانوشروان،
اعتبرت مِن “السياسات ألملوكيه”،
تضمنت
”اذكاءَ ألعيون فِى ألثغور ليعلم ما يتخوف مِنه،
فياخذ لَه أهبته قَبل هجومه”(56).
2 ألاسرى
افاد ألفرس،
في حِروبهم و أقتصادهم و عمرانهم مِن بَِعض ألاسري ألَّذِين قاموا بِبناءَ ألمدن كمدينه أصطخر،
وانشاءَ ألسدود و أستصلاحِ ألاراضى فِى ألعراق و زرعها بِمزروعات جديده.
ونظم ملوك ألفرس أسراهم فِى و حِدات عسكريه أطلقوا عَليها أسم “وحدات ألمرتزقه”،
واستخدموها فِى حِروبهم.
كَما أفاد ألفرس مِن معلومات أسراهم عَن بِلادهم ألام و بِخاصة فنونهم ألعسكريه الي درجه “ان ألفروق ألاولي بَِين ألفن ألحربى عِند ألايرانيين و عِند ألروم ألبيزنطيين قَد زالت قلِيلا قلِيلا حِتّي صارت ألنظريات ألحربيه عِند ألامتين و أحده تقريبا”(57).
3 ألجواسيس
اتخذ ألفرس ألجواسيس كعناصر قتاليه لكشف خطط ألعدو و نواياه و معرفه جواسيسه و عيونه،
كَما كلفوا معرفه معارضى ألدوله فِى ألداخِل و كشف مناوئيها.
ويصف تنسر نظام ألتجسس ألَّذِى نظمه ألفرس ألساسانيون بِقوله:
“ان ألملك قَد نصبِ علَي أهل ألمملكه ألجواسيس و ألمنهين،
وان ألناس مِنهم فِى رعبِ و حِيره.
فاعلم انه لا خوف علَي ألابرياءَ و ألمخلصين مِن هذا،
فان عيون ألملك و ألمنهين أليه لا يعينون ألا إذا كَانوا مِن ألصالحين ألاتقياءَ ألامناءَ ألعلماءَ ألمتدينين ألزاهدين،
ليصدر ما يعرضون علَي ألملك عَن ثبت و يقين”(58).
ويبدو أن نظام ألجاسوسيه كَان ثقيلا و مخيفا فجاءت تطمينات ألدوله بِان ألمكلفين هَذه ألمهمه مِن ذوى ألامانه و ألضمير ألحي،
يكتبون عَن ألناس بِالحق،
وقد عَبر عَن ذلِك تنسر بِقوله:
“يَجبِ أن يتنبه ألملك فلا يستمع لمن لا يعتمد عَليه و لا يوثق بِه”(59).
واهتم ملوك ألفرس بِجمع ألمعلومات عَن أداراتهم و شرائحِ شعبهم فِى مختلف أنحاءَ فارس،
“فكَانت ألحكومة ألمركزيه ترسل ألمراقبين يراقبون ألادارات ألمحليه،
وقد دعى هؤلاءَ عيون ألملك و أذانه(60).
فكان ألمراقبون ينظمون ألتقارير عَن مشاهداتهم،
ويرفعونها الي ألادارة ألمركزيه لدراستها.
وطال نشاط جواسيس ألفرس بِلاد ألروم فقد أستفاد ألاكاسرة مِن نصاري أيران و نجحوا فِى أطلاق بَِعضهم الي داخِل بِلاد ألروم و جمع ألمعلومات عنها،
وينقل كريستنسن “ان عيشوييه،
الذى عين جاثليقا بِرضي ألملك،
كان مقربا جداً عنده و كان يؤدى أليه خدمات طيبه أذ يوقفه علَي حِركات ألبيزنطيين”(61).
وبالمقابل يبدو أن ألروم أستفادوا كثِيرا مِن ألنصاري ألمنتشرين فِى فارس الي حِد جعل هرمز ملك ألفرس يقول:
“لا قوام لملكنا و لا ثبات له،
مع أستفسادنا مِن بِلادنا مِن ألنصاري و أهل سائر ألملل ألمخالفه لنا”(62).
‌ج ألاستطلاع
قام ألفرس بِعمليات ألاستطلاع و ألاستعلام،
وارسلوا ألسرايا ألاستطلاعيه،
ليس بِهدف ألقتال فحسب،
وإنما بِهدف جمع أخبار ألعدو و معرفه ما عزم عَليه.
وكَانت مُهمه ألاستطلاع توكل الي مقدمه ألجيش و طلائعه،
وفي هَذا ألسياق يشير ألطبرى فِى روايته لمعركه ألقادسيه الي أن رستم قائد ألفرس “امر ألجالنوس قائد مقدمته بِالتقدم الي ألحيره،
وامَره أن يصيبِ لَه رجلا مِن ألعرب.
فخرج هُو و ألازاذمرد سريه فِى مئه حِتّي أنتهيا الي ألقادسيه،
فاصابا رجلا… فاختطفاه(63).
وكان ألقائد ألفارسى يقُوم بِمهمه ألاستطلاع بِنفسه فِى أحيان كثِيره،
ويذكر ألطبرى أن سابور فِى لقائه بِجيش ألروم بِقياده لليانوس قرر أستطلاع مقدمه لليانوس بِنفسه بَِعد “ان أختلفت أقاويل ألعيون فِى ما أتوه مِن ألاخبار عَن لليانوس و جنده،
فتنكر سابور و سار مَع ناس مِن ثقاته ليعاين عسكرهم فوجه رهطا ممن كَان معه ليتحسسوا ألاخبار و ياتوه بِها علَي حِقيقتها”(64).
‌د نظام ألدفاع عِند ألفرس
1 نظام ألثغور
قسم ألفرس بِلادهم أداريا و فق مباديء تخدم نظامهم ألحربي.
وفي هَذا ألاطار يشير ألمسعودى الي توزيع مسؤوليه ألادارة “وتدبير ألملك” بَِين أربعه أصبهبذين “الاول بِخراسان و ألثانى بِالغربِ و ألثالث بِبلاد ألجنوبِ و ألرابع بِبلاد ألشمال”(65).
ومما لا شك فيه أن ألطابع ألجغرافي لتقسيمات ألمسعودى أوجد فِى كتابِ تنسر ما يفسره مِن ألناحيه ألعسكريه حِين يذكر صراحه اهمية ألثغور ألَّتِى تعيش أشتباكات دائمه مَع ألاعداءَ و يحددها “الآن و ناحيه ألمغربِ و خوارزم و كابل”(66 كَما يشير الي رفعه مكانه أصحابها و مكافاتهم بِمنحهم لقبِ ملك.
2 نظام ألنقاط ألحصينه
اهتم ألفرس بِاقامه ألحصون،
وبناءَ ألقلاع،
وترتيبِ ألمقاتله فِى ألثغور،
وفق خطة مدروسه تؤمن لَهُم ألدفاع عَن ألحدود و رد ألعدو فِى حِال أجتياحه ألبلاد.
وتشير ألمصادر ألتاريخيه الي أن شبكه مِن ألقلاع و ألحصون كَانت تلف حِدود فارس،
“وكان كُل و أحد بِينه و بِلد ألعدو دربِ و عقبه”(67).
ومن ألحصون ألقويه،
تحصينات “دربند أجل موانيء بِحر قزوين”(68).
ويصف قدامه،
سور دربند و أهميته ألعسكريه بِقوله
”واقام أنوشروان لبناءَ ألحائط فبناه و جعله مِن قَبل ألبحر… الي أن ألحقه بِالجبال.
فلما فرغ مِن بِنائه علق علَي ألمدخل أبوابِ حِديد و وكل بِها مئه فارس يحرسون ألموضع بَِعد أن كَان محتاجا الي خمسين ألفا مِن ألجند و جعل عَليه دبابه”(69).
ويشير قدامه الي حِصن قزوين و يسمي بِالفارسيه كشوين.
و”بينه و ألديلم جبل و لم تزل فيه للفرس مقاتله مِن ألاسواريه يرابطون فيه و يدفعون ألديلم(70)”.
واقام ألفرس حِصونا فِى ألبحرين،
ويذكر ألطبرى فِى هَذا ألسياق “المشقر و هو حِصن حِياله حِصن يقال لَه ألصفا،
وكان ألَّذِى بِنى ألمشقر رجلا مِن أساوره كسرى”(71).
وكان ملوك ألفرس يشحنون هَذه ألحصون بِالمقاتله،
فانتشرت ألحاميات ألعسكريه فِى هَذه ألنقاط ألحصينه مِن ألحدود.
ويبدو أن نظام خدمتهم كَان قاسيا لارتباطه بِحالة ألحربِ و ألتوترات ألدائمه مَع ألدول ألمجاوره لفارس ما أبعدهم عَن عائلاتهم مدة طويله،
وهَذا ما خلق حِركات تململ و أضطرابِ فِى صفوفهم أضرت بِالجيش و تماسكه،
وعَبر عَن هَذه ألحالة ألملك أبرويز فِى رسالته ألقاسيه الي أبيه كسري ألَّتِى تضمنت مضبطه أتهام لَه شملت أساءته فِى تدبيره ألملك و مِنها “تجميره مِن جمر فِى ثغور ألروم و غيرهم مِن ألجنود،
وتفريقه بِينهم و بِين عائلاتهم”(72).
3 نظام ألدوله ألجاهزه
يتفق ألمؤرخون ألعربِ علَي قيام أماره عربيه،
في ألحيره و راءَ نهر ألفرات،
تبعت نهائيا للدوله ألساسانيه بَِعد فتره عداءَ عنيف لقبائل ألعربِ فِى عهد ملك ألفرس “سابور ذى ألاكتاف” ألَّذِى “افشي فيهم ألقتل و سفك فيهم مِن ألدماءَ سفكا”(73).
وانتهز ألعربِ فرصه للانتقام مِنه،
بمسانده ملك ألروم عَليه،
“فاجتمع فِى عسكر لليانوس مِن ألعربِ مائه ألف و سبعون ألف مقاتل”(74).
ويبدو أن قوه ألعربِ ألعسكريه كَانت حِاجة لدوله ألفرس و عنصرا أساسيا فِى تنظيم خططهم ألدفاعيه،
فراي ملوكهم أستثمارها لمصلحتهم بِحيثُ تصبحِ “حصن ألملك حِيال ألعربِ ألرحل”(75).
وقد أسدت هَذه ألاماره خدمات عسكريه للفرس فِى حِروبهم مَع ألروم،
فكَانت كتائبها “الدوسر” و ”الشهباء” و ”الوضائع” و ”الصنائع” “والرهائن” تعمل ضمن سياسة ألفرس ألحربيه،
واستغل أمير ألحيره هَذه ألسياسة “فكان يغزو بِها بِلاد ألشام و من لَم يدن لَه مِن ألعرب”(76).
ولعل ما يشير الي اهمية هَذه ألاماره ألعسكريه فِى سياسة ألفرس ألحربيه،
ان ألاكاسرة حِافظوا لامراءَ ألحيره علَي لقبِ ملك أسوه بِاصحابِ ألثغور و حِكام و لايات أطراف ألدوله و فق ما جاءَ فِى كتابِ تنسر:
“وكل مِن يجيء ألينا مقدما فروض ألطاعه لَن نخلع عنه لقبِ ملك ما دام يمضى مستقيما علَي طريق ألخضوع”(77).
‌ه نظام حِصار ألحصون
عرف ألفرس فن حِصار ألحصون و فتحها،
وينقل أبن قتيبه عَن كتابهم ألمعروف “بالايين”،
ان اول مبادئ ألحصار كَان ألقيام بِعمل أستخباراتى مرفقا بِحربِ نفْسيه “لاستماله مِن يقدر علَي أستمالته مِن أهل ألحصن ليظفر مِنهم بِخصلتين أحداهما أستنباط أسرارهم و ألأُخري أخافتهم و أفزاعهم بِهم،
وان يدس بِينهم مِن يصغر شانهم و يويئسهم مِن ألمدد”(78).
واستخدم ألاكاسرة فِى عملية ألحصار كُل صنوف ألمقاتلين و وسائل ألحصار،
وينقل كريستنسن و صفا حِيا لحصار أمد و سقوطها بِيد ألفرس فيقول:
حوصرت ألمدينه بِخمسه صفوف مِن ألجند ألدارعين،… و أنتشر ألفرسان ذوو ألدروع و كان مَع هؤلاءَ صفوف مِن ألفيله”(79).
واستخدم ألفرس و سائل هندسية خاصة للحصار مِنها “سلالم لتسلق ألاسوار و مواضع ينصبِ ألمنجنيق عَليها و مواضع تهيا ألعرادات لَها و مواضع تنقبِ نقبا”(80).
‌و أدارة ألمعركه
1 ألحشد
طبق ألفرس مبدا ألحشد فِى حِروبهم بِحيثُ كَانت ألوسائل و ألقوي متناسبه مَع أهداف ألقتال.
ويذكر ألطبرى فِى مواضع مختلفة مِن تاريخه أرقاما لاعداد جيوش ألفرس ألَّتِى أعدت لهَذه ألحروب،
يشك ألباحث بِصحتها بِسَببِ ألمبالغه بِها،
مِنها قوله:
“ان ألملك أزدشير بِهمن “غزا ألروميه فِى ألف ألف مقاتل”(81).
بينما يذكر أعداد جيش ألفرس بِقياده رستم ألَّذِى و أجه ألعربِ فِى ألقادسيه:
“ان أهل فارس كَانوا عشرين و مائه ألف،
معهم ثلاثون فيلا”(82).
وعرف ألفرس ايضا “النفير ألعام” فِى مملكتهم،
ولعل هَذا ألنفير كَان يطلق عندما كَانت تتعرض مملكتهم لاخطار دول ألجوار مِثل ألترك و ألروم و ألعرب.
وكان يشمل ألاستنفار قوي فارس و ولايات ألاطراف.
ويذكر ألطبرى أن سابور “ذا ألاكتاف” لما أستشعر خطوره ألروم بِاحتلالهم طيسبون “كتبِ الي مِن فِى ألافاق مِن جنوده يعلمهم ألَّذِى لقى مِن لليانوس و من معه مِن ألعرب،
ويامر مِن كَان فيهم مِن ألقواد،
ان يقدموا عَليه فِى مِن قَبلهم مِن جنوده،
فلم يلبث أن أجتمعت أليه ألجنود مِن كُل أفق”(83).
2 نظام ألخميس و ألكراديس
اعتمد ألفرس فِى حِروبهم نظام ألخميس و ألكراديس،
فقد ذكر ألطبرى أن قائدهم رستم رتبِ جيشه يوم ألقادسيه “مقدمه و طلائع و مجنبتين و مجرده و رجاله”(84).
وكَانت أقسام هَذا ألجيش تتالف مِن كراديس و صف مشهدها ألطبرى بِقوله “وتكتبت ألكتائبِ مِن هؤلاءَ و هؤلاء”(85)،
اقسام هَذا ألجيش و نظم كُل كردوس فِى صفوف متنوعه فَوقفت ألخياله فِى ألصفوف ألاولي يليها ألفيله ثُم ألمشاه.
3 تكتيك ألصدم
استخدم ألفرس تكتيك ألصدم قديما فِى ألقرن ألسادس قَبل ألميلاد،
ويذكر أيريل أموريز ذلِك بِقوله:
“حاول ألفرس أنشاءَ تكتيك حِقيقى للصدمه بِان و َضعوا فِى صفوف ألقتال عربات مسلحه بِالمناجل ألطويله،
كَما أستخدموا ألهجانه ألمسلحه”(86 لخرق صفوف ألعدو و ترهيبِ خيولهم.
وشَكل سلاحِ ألفياله فِى ما بَِعد دروع جيش فارس فِى مختلف أقسامه.
وكان هَذا ألسلاحِ حِاسما فِى ألمعركه و قادرا علَي أحداث عنصر ألصدم ألَّذِى و صفة ألطبرى فِى عرضه لمعركه ألقادسيه بِقوله:
“لما تكتبت ألكتائبِ بَِعد ألطراد،
حمل أصحابِ ألفيله عَليهم،
ففرقت بَِين ألكتائب،
فابذعرت ألخيل”(87).
4 مقر ألقياده
كان قائد ألجيش ملكا او مِن يكلفه بِالقياده،
يجلس علَي سرير يوضع فِى قلبِ ألجيش فِى مكان مناسب،
وقد أشار أبن قتيبه الي ذلِك بِقوله:
“وان يرتاد للقلبِ مكانا مشرفا و يلتمس و َضعه فيه”(88).
ويضيف كريستنسن انه “كان يلتف حَِول هَذا ألعرش فرقه مِن ألجند كَان عَليها أن تدافع عنه حِتّي ألموت”(89).
5 ألكمين
اعتمد ألفرس فِى ألقتال نظام ألكمائن،
ويذكر أبن قتيبه فِى عيون ألاخبار انه قرا فِى “الايين” و هو كتابِ مِن كتبِ ألفرس،
مبادئ ألكمين ألناجحِ و يلخصها بِما ياتي:
“ان ينتخبِ للكمين مِن ألجند أهل جراه… و ليس بِهم أنين و لا سعال،
ويختار لَهُم مِن ألدوابِ مالا يصهل… و يختار لكمونهم مواضع لا تغشى… و أن يَكون أيقاعهم كضريم ألحريق…”(90).
6 ألبيات
هو عمل يهدف الي ألايقاع بِالعدو ليلا،
ويشرحِ أبن قتيبه ما دونه ألفرس فِى كتابِ ألايين تفاصيل عملية ألبيات فيقول:
“ينبغى للمبيتين أن يفترصوا ألبيات إذا هبت ريح… فانه أجدر ألا يسمع لَهُم حِس.
وان يتوخي بِالوقعه نصف ألليل.
وان يصير جماعة مِن ألجند و سَط عسكر ألعدو و حِوله… و ليعلم إنما يحتاج فِى ألبيات الي تحيير ألعدو و أخافته…”(91).
ويشير ألطبرى الي عملية بِيات ناجحه نفذها بِهرام ملك ألفرس فِى بِلاد ألترك لقتل خاقان بِقوله:
“فسار الي خاق بِهرام فِى ألعده ألَّذِين كَانوا معه،
فبيته و قْتل خاقان بِيده”(92).
7 ألاعمال ألهندسيه
عرف ألفرس عمليات ألدعم ألهندسى فِى حِروبهم،
وتنوعت أشكالها فِى عمليات ألدفاع و ألهجوم كافه.
ومن أنواع هَذا ألدعم،
عمليات ألتجسير ألَّتِى نفذت لتسهيل عبور ألموانع ألمائيه علَي جسور عائمه علَي قواربِ و فق ما نقل كريستنسن بِان “الجيش ألايرانى كَان يعَبر ألزابِ علَي جسر مِن ألقوارب”(93).
ويذكر ألطبرى أن كسري أنوشروان “امر بِاعاده كُل جسر قطع او قنطره كسرت”(94)،
في أشاره الي أن ألجسور كَانت خشبيه و حِجريه.
ويصف ألطبرى عملية تجسير ميدانيه نفذت فِى أثناءَ عمليات ألقتال يوم ألقادسيه بِقوله
”اراد رستم ألعبور،
امر بِسكر ألعتيق بِحيال فارس… فباتوا ليلتهم حِتّي ألصباحِ يسكرون ألعتيق بِالترابِ و ألقصبِ و ألبراذع حِتّي جعلوه طريقا”(95).
ومن ألاعمال ألهندسية ألمعروفة لدي فارس “الخنادق”،
ويشير ألطبرى الي ذلِك ما قاله فِى و صفة لوقعه جلولاءَ عَن تخندق ألفرس
”فاحتفروا ألخندق… خندقوا و تحصنوا فِى خندقهم”(96).
واستخدم ألفرس طريقَة جديدة لحمايتهم “باستخدام قنافذ حِديديه مربعه ألرؤوس تلقي علَي ألارض لتجرحِ حِوافر ألجياد”(97).
والواقع أن ألفرس أتقنوا أستخدام هَذه “القنافذ”،
وزرعوها فِى حِقول منظمه،
“واحاطوا بِخندقهم ألحسك مِن ألخشبِ ألا طرقهم… و رموا حِوله حِسك ألحديد لكى لا يقدم عَليهم ألخيل”(98).
واستعمل ألاكاسرة ألموانع ألطبيعية لعرقله تقدم ألعدو و وقف مسيره فقد كَانوا “يفتحون ألسدود فِى ألاراضى ألَّتِى يخصبها ألري،
فيغرق ألوادى و يوقف تقدم ألعدو”(99).
ويبدو انه كَان فِى جيوش ألفرس و حِدات متخصصه لتقديم هَذا ألاسناد ألهندسي،
استعملها ألاكاسرة فِى بِناءَ ألحصون و ألقلاع و ألجسور.
ويذكر ألطبرى و حِده ألفعله ألَّتِى كلفها كسري بِناءَ حِصن ألمشقر بِقياده احد أساورته حِين نصحه:
ان هؤلاءَ ألفعله لا يقيمون بِهَذا ألموضوع ألا أن تَكون معهم نساءَ فإن فعلت ذلِك تم بِناؤك”(100).
رابعا:
التعبئه ألنفسيه و ألتوجيه ألمعنوي
تعتبر ألتعبئه ألنفسيه و ألتوجيه ألمعنوى اهم عوامل ألنصر فِى ألحرب.
ومن هَذا ألمنطلق عمل أزدشير علَي أقامه نظام حِربى يجعل مِن ألمحاربين طبقه مقربه مِنه،
واقدم علَي تحريض ألامه بِشحنه أنفعال “لاحياءَ ألامبراطوريه ألشرقيه ألَّتِى قضي عَليها ألاسكندر”(101)،
وحماية حِدودها فِى ألشمال و ألغربِ و ألشرق.
والواقع أن ملوك فارس،
كَما يقول تنسر،
“ميزوا رجال ألجيش لان و ظيفتهم ألقتال،
وجعلوهم اعلي درجه مِن بِاقى ألجماعات،
كَما ألزموا ألمهنه أن يؤدوا لرجاله ألتحيه و أن يسجدوا لهم”(102).
واتخذ ألاكاسرة تدبيرا أستثنائيا فِى أدارتهم قضي بِخلع لقبِ “ملك” علَي أصحابِ ألمقاطعات ألَّتِى كَانت فِى موقع أشتباك دائم مَع ألعدو لتمييزهم عَن بِاقى ألمرازبه،
ومكافاه لَهُم لدفاعهم عَن دولتهم،
كَما هِى حِال أصحابِ ألثغور ألاربعه و ملوك ألحيره و فق ما جاءَ فِى كتابِ تنسر:
“لا يجوز أن يطلق لقبِ ألملك علَي احد مِن غَير أهل بِيتنا عدا أصحابِ ألثغور”(103).
وكان كبار ألقاده فِى ألجيش احد ركائز تكوين ألسلطة ألسياسية فِى فارس،
فقد أعطي ألقانون حِق أنتخابِ ألملك لرؤساءَ رجال ألدين و ألجيش و ألكتاب.
وكان يجرى ألانتخابِ “بان ألملك كَان يكتبِ ثلاث نسخ بِخطة و يسلم كُل و أحده مِنها الي رجل أمين يعتمد عَليه،
يعطى ألاولي الي رئيس ألموابذه و ألثانية لرئيس ألكتابِ و ألثالثة الي كبير ألاصبهبذين”(104).
ويبدو أن ألاكاسرة كَانوا و أثقين مِن جيشهم،
وبخاصة سلاحِ ألفرسان و ألاساوره ألَّذِين تلقوا تربيتهم ألعسكريه منذُ ألصغر،
ويبلغ مدي ألثقه بِقوتهم و ولائهم و كفاءتهم و أرتفاع معنوياتهم حِين يعدل كسري “قائدا مِن أساورته،
يقال لَه و هرز،
بالف أسوار”(105)،
او حِين يدون تنسر “بان ألف رجل منا يغلبون عشرين ألفا مِن ألاعداءَ أيا كَانوا”(106).
وكَانت معنويات ألجيش ألمرتفعه ترتبط بِالنظم و ألشرائع ألفارسيه ألَّتِى سنت لتتناسبِ مَع سياسة ألدوله ألحربيه،
فنجد أن ألقانون “يبيحِ تعدَد ألزوجات ذلِك أن ألمجتمعات ألحربيه فِى حِاجة ماسه الي كثرة ألابناء،
فالذكور مِنهم ذوو فائده أقتصاديه لابائهم و حِربيه لملوكهم”(107).
والواقع أن هَذه ألسياسة ألاجتماعيه ساهمت فِى تكوين ألمجتمع ألحربى فِى فارس،
فَهى تبدا بِتنظيم قواعد ألانجابِ و تعليم أولاد ألطبقات غَير ألموسره علَي ركوبِ ألخيل و ألرمى بِالقوس،
ثم أتمام ألتدريبِ فِى ألمدارس ألعليا علَي “الجرى مسافات طويله،
وركوبِ ألخيل ألجامحه،
وتحمل كُل تقلبات ألجو ألقاسيه،
والعيش علَي ألطعام ألخشن،
السباحه،
وعبور ألانهار مِن دون أن تبتل ملابسهم و دروعهم”(108).
ومن هَذا ألمنطلق تمت تنشئه مجتمع فارسى يعتز بِنفسه،
ويتعلق بِوطنه بِقيم و فضائل و مناقبيه سجلها ديورانت مقارنة مَع أليونان:
“ان مِن ألعسير علينا أن نجد فِى تاريخهم فارسيا قَد أستؤجر ليحاربِ ألفرس،
علي حِين أن اى أنسان كَان يسعه أن يستاجر أليونانى ليحاربوا أليونان”(109).
خامسا:
معامله ألاسرى
تضاربت ألاخبار حَِول ألقواعد ألَّتِى أتبعها ملوك ألفرس و قادتهم تجاه ألاسري ألَّذِين و قعوا بَِين أيديهم فِى حِروبهم مَع ألاعداء،
فكَانت تعتمد أحيانا ألنظره ألانسانيه و مروءه ألفروسيه،
وتبلغ أحيانا اُخري حِدود ألقسوه و ألعنف و ألقتل و ألاباده.
وفي هَذا ألسياق يحرص تنسر علَي أعطائنا ألصورة ألراقيه و ألانسانيه لسلوك ملوك ألفرس فِى حِروبهم فيقول:
“لم ينسبِ قط لملوكنا ألقتل و ألغاره و ألغدر و سوء ألخلق،
والكفر بِالدين،
فاذا خالف هَذا ملكان او قاما لحماية ألدين،
فقطعا دابر أصحابِ ألفساد بِالغاره و ألقتل،
فانهما لَم يجيزا أستعباد ألسبايا و لم يتخذاهم أرقاءَ بِل عمرا بِهم ألمدن”(110).
لقد أفاد ألفرس مِن ألاسري كطاقة منتجه فِى ألدوله بِتوظيف خبراتهم ألهندسية فِى ألبناء،
ويشير ألطبرى الي أن “خماني” أمراه دارا “حين أغزت بِلاد ألروم سبى لَها مِنها بِشر كثِير و حِملوا الي بِلادها،
فامرت مِن فيهم مِن بِنائى ألروم،
فبنوا لَها فِى كُل موضع مِن حِيز مدينه أصطخر بِنيانا علَي بِناءَ ألروم منيفا معجبا…”(111).
واشار ألطبرى ايضا الي أن سابور “حاصر ملكا كَان بِالروم،
يقال لَه أليانوس بِمدينه أنطاكيه،
فاسرة و حِمله و جماعة كثِيرة معه و أسكنهم جندى سابور.
وذكر انه أخذ أليانوس بِبناءَ شاذروان تستر،
علي أن يجعل عرضه ألف ذراع،
فبناه ألرومى بِقوم أشخصهم أليه مِن ألروم”(112).
وافاد ألفرس مِن أسري ألحربِ فِى أستصلاحِ ألاراضى و زرع ألبور مِنها او ألاراضى ألَّتِى أخربها ألاعداء،
ويشير ألطبرى الي أن سابور “اسر قيصرا مِن ألروم و أبقي عَليه مِن أفلت مِن رجاله،
فغرس قيصر بِالعراق ألزيتون بِدلا مما عقره مِن نخل ألعراق و لم يكن يعهد بِالعراق ألزيتون قَبل ذلك”(113).
ويضيف ألطبرى “انه أخذ قيصر بِنقل ألترابِ مِن أرض ألروم الي ألمدائن و جندى سابور حِتّي يرم بِِه ما هدم مِنها”.
اعتمدت دوله ألفرس سياسة جديدة فِى ألتعاطى مَع ألاسري نظرا الي أزدياد عدَدهم و حِاجة ألدوله الي كفاءاتهم فِى ألمجالات ألزراعيه و ألصناعيه و ألحربيه.
وفي هَذا ألاطار أنشا ألاكاسرة قري و ”مستعمرات” تنقل أليها ألامم و أهل ألبلاد ألمهزومه و يتِم تنظيمها فِى و حِدات عسكريه يستعملها ألفرس فِى حِروبهم.
ويشير ألمسعودى الي أن سابور “غزا بِلاد ألجزيره و أمد و غيرها مِن بِلاد ألروم،
فنقل خلقا مِن أهلها و أسكنهم بِلاد ألسوس و تستر و غيرها مِن كور ألاهواز فتناسلوا و قطنوا تلك ألديار،
فمن ذلِك ألوقت صار ألديباج ألتسترى مِن أنواع ألحرير يعمل بِتستر و ألخز بِالسوس…”(114).
ويضيف ألطبري:
“ان كسري أعظم ألقتل فِى أمه يقال لَها ألبارز و أجلي بِقيتهم عَن بِلادهم،
واسكنهم مواضع مِن بِلاد مملكته،
واذعنوا لَه بِالعبوديه و أستعان بِهم فِى حِروبه.
وامر فاسرت أمه اُخري يقال لَها صول… و أمر بِهم فقتلوا،
ما خلا ثمانين رجلا مِن كماتهم و أستحياهم و أمر بِانزالهم شهرام فيروز يستعين بِهم فِى حِروبه.
وان أمه يقال لَها أبخز،
وامه يقال لَها بِنجر،
وامه يقال لَها بِلنجر،
وامه يقال لَها ألآن تمالئوا علَي غزو بِلاده،
وجه أليهم جنودا فقاتلوهم و أصطلموهم ما خلا عشره ألاف مِنهم أسروا،
فاسكنوا أذربيجان و ما و ألاها…”(115).
سادسا:
المراسم ألعسكريه
اتبعت فارس،
كَما هُو ألحال فِى ألجيوش،
نظما للمراسم ألعسكريه،
ووضعت قواعد لتكريم ألملوك و مكافاه ألقاده ألابطال و معاقبه ألمنهزمين مِنهم.
وقد خلدت هَذه ألاحتفالات فِى ألنقوش ألَّتِى عثر عَليها و أهمها “النقوش ألساسانيه فِى كردستان شمال قصر شيرين نقش بِايكولى و مجموعة مِن ألكتابات ألقصيرة فِى دربند”(116).
وتحفظ ألمصادر ألتاريخيه أخبار موكبِ ألملك فِى أثناءَ تحركة مِن قصره بِمهابه و جلال و قوه،
وفي هَذا ألاطار يصف ألجاحظ عده ألملك فِى خروجه لسفر او نزهه بِقوله:
“من حِق ألملك،
اذا خرج لسفر او نزهه أن لا يفارقه… قيود للعصاه،
وسلاحِ لاعداءَ و حِماه يكونون مِن و رائه و بِين يديه…”(117).
ويتوسع كريستنسن فِى و صفة لموكبِ ألملك ألبرتى بِقوله:
“اذا سار الي ألريف تبعه ألف جمل تحمل أمتعته،
ومائتا عربه تحمل سراريه،
،الف فارس عَليهم ألدروع و عدَد عظيم مِن ألجند بِسلاحهم،
انه يبدو علَي راس فرقته يوم ألمعركه حِسن ألوجه مديد ألقامه،… و كان ألملك إذا ذهبِ الي ألصيد أحاط بِِه جماعة كبيرة مِن حِمله ألحرابِ و من ألحرس”(118).
ويصف ألطبرى ايضا فِى موضع آخر مشهدا للمراسم ألَّتِى تقدم للملك فِى أستعراضه لحرسه بِقوله:
“وكان مِن ألسنه إذا ركبِ ألملك،
ان يقف لَه حِرسه سماطين،
عليهم ألدروع و ألبيض و ألترسه و ألسيوف و بِايديهم ألرماح،
فاذا حِاذي بِهم و َضع كُل مِنهم ترسه علَي قربوس سرجه،
ثم و َضع جبهته عَليه كهيئه ألسجود”(119).
وكَانت عروض ألجيش ألعسكريه تقام بِمناسبات عديده و مِنها ألاعياد،
ويشير ألمسعودى الي عرض أقيم لابرويز فِى بَِعض ألاعياد “وقد صفت لَه ألجيوش و ألعدَد و ألسلاح،
فيما صف لَه ألف فيل،
وقد أحدق بِِه خمسون ألف فارس دون ألرجاله،
فلما أبصرت بِِه ألفيله سجدت لَه فما رفعت رؤوسها و بِسطها لخراطيمها حِتّي جذبت بِالمحاجن”(120).
وفي هَذا ألسياق يستنتج ألباحث ضخامه هَذا ألعرض و أهميته حِيثُ بِلغت ألاعداد خمسين ألف فارس عدا ألرجاله،
بينما صف ألف فيل،
كَما يلفت حِسن ألتنظيم و ألتدريبِ حِين نجد ألفرسان تحدق بِالملك و ألفيله تسجد له.
وكان ملوك ألفرس يستعرضون جيوشهم قَبل مسيرهم للحربِ لاثاره ألحميه و ألتحريض للقتال،
ويشير ألطبرى الي أن أسفنديار أبن ملك ألفرس بِشتاسبِ “تولي عرض ألجند و تمييزهم… ثُم سار بِهم نحو عساكر ألترك”(121).
ومن ألاهمية بِمكان ألاشاره الي أستعراض ألاكاسرة للوحدات ألمميزه ألَّتِى يتكل عَليها فِى ألمهمات ألصعبه،
ويشير كريستنسن “انه كَان للفرسان ألارمن ألَّذِين يحاربون تَحْت ألرايه ألايرانية موضع رعايه خاصه.
وكانوا حِين يدخلون ألمدائن….
يستعرض ألملك فرقهم”(122).
سابعا:
المكافات و ألعقوبات
اعتمدت فارس فِى أدارة جيوشها نظما عسكريه تكافئ ألمجلى ألَّذِى يساهم فِى صنع أمجاد ألدوله،
وتكرم ألرجال ألكبار و ترفع مراتبهم،
كَما تعاقبِ ألمسيء و تخفض درجاته.
ويشير ألجاحظ فِى “كتابِ ألتاج” الي نظام منحِ ألمكافات للذين يقدمون لفارس بِطولات و أعمالا جليله،
ومن مظاهر ذلِك تشريفهم بِخلع ملكيه فاخره لان “من أخلاق ألملك أن يخلع علَي مِن أدخل عَليه سرورا فِى توكيد ملكه،… و من ألعدل أن يَكون معها جائزه و صله و ترتيب،
او و لايه او أقطاع او أجراءَ أرزاق او فك أسير…”(123).
ووفق هَذا ألنظام “تسلم ألقائد ألارمنى مانويل مِن ألملك سابور ألثانى تشريفا خاصا خلعه ملكيه و فراءَ مِن ألسنور…”(124).
وكان مِن علامات تمييز ألقاده منحهم ألالقابِ و ترفيع رتبهم مكافاه لاعمالهم ألباهره.
ويشير ألطبرى الي مكانه “مهرنرسي” لدي ألملك حِين أغزاه بِلاد ألروم بِمهمه “لم يكن يقُوم بِمثلها ألا مهرنرسي… ألَّذِى كَان معظما عِند كُل ملوك فارس… و كان لمهرنرسى و لد أسمه كارد صاحبِ ألجيش ألاعظم،
واسم مرتبته بِالفراسيه أسطران سلار و هى مرتبه فَوق ألاصبهبذ”(125).
وكان ملوك ألفرس يمنحون مكافات للفرق ألمحاربه بَِعد ألظفر تقديرا لتضحياتها و تشجيعا لها.
ويروي أن أبرويز كافا فرقه روميه تابعة “لموريق ملك ألروم” بِعثها لنصرته “بان فرق فِى جنود ألروم عشرين ألف ألف و صرفهم الي موريق”(126).
وكان مِن مزايا ألتكريم زياره ملوك ألفرس رجالهم و تشريفهم،
واعتبر ألجاحظ هدف ألزياره مِن أخلاق ألملوك “لمن خص بِالتكرمه مِنهم و أثروه ألمنزله و رفع ألمرتبه،
فقل ملك ساله و زيره او صاحبِ جيشه او احد عظمائه زيارته ألا أجابه الي ذلك،
لا سيما إذا علم أن غرضه فِى ذلِك ألزياده فِى ألمرتبه و ألتنويه بِالذكر.
واما زياره ألتعظيم فأنها لا تقع بِسؤال و لا بِاراده ألمزور،
وهى افضل درجات ألاشراف”(127).
ولكن زيارات ألملوك لرجالهم لَم تكُن فحسبِ مِن بِابِ ألتشريف و ألتعظيم و ألتكرمه،
فقد كَانت ترتدى صورة تفقد أنحاءَ فارس و فرق ألجيوش و ألاساوره “فمن لَم يكن لَه مِن يسار قواه بِالدوابِ و ألعده،
واجري لَهُم ما يقويهم”(128).
وكَانت ترافق هَذه ألزيارات أجراءات تعظيم و تكريم للملك و لمن يزورون،
فكَانت “توغر ضياعه و توسم خيله… و ياتيه خليفه صاحبِ ألشرطة فِى كُل يوم مَع ثلاثمائه راكبِ و مئه راجل،
فان ركبِ كَانت ألرجاله مشاه امامه و ألركبان خَلفه”(129).
وكَانت ألاحتفالات ألعامة بِمناسبه أنتصار ألجيوش قيمه معنويه يستحقها ألملك و خاصته و مكافاه لفرق ألجيش و قادتها.
فاذا ما أتي ألملك خبرا بِالنصر و ألظفر،
“امر أن يتخذ لَه طعام… و أمر ألخاصة و ألعامة بِالحضور،
وقامت ألخطباءَ أولا بِالتهنئه لَه و ألتحميد لله تعالي بِالفَتحِ عَليه و ألنصر له.
ثم قام ألموبذ فتكلم،
ثم ألوزراء،
ثم مد ألناس أيديهم الي ألاطعمه …”(130).
وتبلغ نشوه أنتصار ألجيوش و عظمه مناسبتها،
ان يخلد ملوك ألفرس صور حِروبهم و ثمَره ظفرهم فِى لوحات تمثل حِفله أستسلام ألقاده ألرومان فِى أستعراض أستوحي كريستنسن تفاصيله “من نقش بِغربِ مدينه سابور يمثل أنتصار ملك أيران،
ويبدو سابور ممتطيا جوادا… و أمامه ألامبراطور راكعا،
وعلي أليمين و أليسار و قف ألفرسان و ألمشاه ألايرانيون فِى صفين متقابلين و هم يمثلون ألفرق ألحربيه لمختلف ألشعوبِ بِاسلحتهم ألمتفاوته”(131).
وبالمقابل،
لم تغفل ألنظم ألايرانية ألَّتِى شرعت لمنحِ ألمكافات للقاده و ألفرق ألعسكريه،
ان تسن ألقوانين لمعاقبه ألخائن او ألفاشل و ألمهزوم مِنهم.
وكان للملوك ألساسانيين شغف بِالعداله،
كَما يقول أزدشير:
“يَجبِ علَي ألملك أن يَكون فائض ألعدل فإن فِى ألعدل جماع ألخير و هو ألحصن ألحصين مِن زوال ألملك”(132).
ومن هَذا ألمنطلق أهتم ألاكاسرة بِتنظيم ألقضاءَ و أشترطوا علَي مِن يَكون فِى منصبِ ألقاضى ألاحاطه بِعلوم ألمعرفه بِالعلم و ألدين و ألشريعه،
“فالموبذان و هو ألقيم بِامور ألدين و معناه قاضى ألقضاه،
وهو رئيس ألهرابذه و معناهم ألقوام بِامور ألدين و ألقضاه و ألمتصرفون بِالاحكام”(133).
وكان ألقضاءَ ألعسكرى يشَكل فرعا مِن ألقضاء،
ويشير كريستنسن الي أن ألقضاءَ ألعسكرى “نيط بِقاض خاص هُو سپادادور”(134)،
ثم يضيف ألقول بِوجود محكمه عليا تتالف مِن “المجلس ألاعلى،
اى جمعيه ألعظماءَ رئيسها ألموبدان موبد،
وهى ألمحكمه ألَّتِى يظهر أن لَها و لايه ألقضاءَ فِى جرائم ألخيانة ألعظمى”.
ويبدو أن ألقضاءَ ألعسكرى كَان محيطا و جامعا لقواعد ألضبط و ألربط و ألتراتبيه ألعسكريه و مرجعا للعداله و رادعا لمن تخوله نفْسه مخالفته.
وفي هَذا ألاطار يفرض ألقانون علَي رجال ألجيش “ان يحترموا أهل ألدرجات،
وان يحترموا بَِعضهم بَِعضا و أن يحتشموا،
اذ لَو ألقى ألحبل للناس علَي ألغارب،
لاتبع كُل مِنهم هواه”(135).
ويفرض قانون ألقضاءَ ألعسكرى عقوبات زاجره علَي مِن يرتكبِ جرائم ألعصيان و ألخيانة و ألغش،
ويجعل تنسر “الجريمة بَِين ألفرد و ألملك حِين يعصي او يخون او يغش،
وكان كُل مِن يعصي ألملوك او يفر مِن ألقتال لا يامن علَي حِياته أبدا.
وسن ألملك تشريعا جديدا هُو أن يؤخذ مِن هَذه ألطائفه بَِعضهم و يقتل لاحداث ألرهبه حِتّي يعتبر بِِه ألاخرون”(136).
ولعل أوضحِ ألاحكام ما نفذ بِحق ألقائد ألفارسى “بهرام بِجوبين” ألَّذِى “حمل الي هرمز مِن ألاموال و ألسلاح” بَِعد أنتصاره علَي ملك ألترك ثُم فراره الي ألترك خوفا مِن هرمز نفْسه،
وقد نفذ حِكم ألموت بِحق بِهرام بِمؤامَره نفذتها خاتون أمراه ملك ألترك،
دست لبهرام مِن قتله”(137).
وهُناك حِكم آخر فرض بِحق ألقاده ألمهزومين حِين “كتبِ كسري الي قواد ألجند ألَّذِين انهزموا امام هرقل ملك ألروم،
يامرهم أن يدلوه علَي كُل رجل مِنهم و من أصحابهم ممن فشل فِى تلك ألحربِ و لم يرابط مركزه فيها،
فاحرجهم بِهَذا ألكتابِ الي ألخلاف عَليه و طلبِ ألخيل لنجاه أنفسهم”(138)،
ويتضحِ مِن هَذه ألروايه معرفه ألقاده بِقساوه ألعقابِ و خوفهم علَي مصيرهم و علمهم بِقربِ حِتفهم نتيجة للخيانة و ألتقصير.
ثامنا:
الاعلام و ألرايات
اتخذ ألفرس علما عظيما لدولتهم و شعارا لسلطانهم و صفة ألطبرى “بالعلم ألاكبر ألَّذِى كَان يسمونه درفش كابيان”(139).
ويروى ألمسعودى أسطوره تؤرخ لاتخاذ هَذا ألعلم بِقوله:
“انه مِن جلد ياتزر بِِه حِداد أسمه كاوك،
رفعه علَي رمحِ معلنا ألثوره بِوجه طاغيه فارسى أسمه ألضحاك،
واصبحِ هَذا ألعلم ألَّذِى أخذ مِن فوطه كاوه علما لملوك أيران”(140).
ويصف ألمسعودى هَذا ألعلم بِدقه بِقوله:
“كَانت رايه ألفرس مِن جلود ألنمور طولها أثنا عشر ذراعا فِى عرض ثمانيه أذرع.
وكَانت ألرايه ألعظمي مرصعه بِالياقوت و أللؤلؤ و أنواع ألجواهر”(141).
وكان “درفش كابيان” يرفع حِين كَان يخوض ألجيش معارك فاصله،
او تدهم فارس أمور كبيرة تستدعى خروج ألملك علَي راس جيشه،
او يوكل قيادته الي احد أبنائه،
الا أن ألطبرى يشير الي و جود هَذه ألرايه عندما كَان هَذا ألجيش بِقياده احد ألقواد ألفرس ألصناديد “جوذرز” منذُ عصر ألملك كيخسرو حِين “دفع أليه ألعلم ألاكبر… و زعموا أن ذلِك ألعلم لَم يكن دفعه الي احد مِن ألقواد قَبل ذلك،
وإنما كَانوا يسيرونه مَع أولاد ألملوك إذا و جهوهم فِى ألامور ألعظام”(142).
وفي “القادسيه”،
نجد يزدجرد يرسل قائده رستم لمواجهه ألمسلمين و يخاطبه:
“انت رجل أهل فارس أليوم،
وقد تري ما جاءَ أهل فارس مِن أمر لَم ياتهم مِثله منذُ و لى أزدشير”(143).
ويبدو أن “الرايه ألعظمى” كَانت شعارا مِن شعائر ألملك،
وعلامه خير يستبشر ألفرس بِوجودها منشوره بَِين كراديس ألجيش بِشائر ألنصر ألقادم و ثبات ألملك “لان فارس،
كَما قال ألمسعودى تتيمن بِها،
وتظهرها فِى ألامر ألشديد”(144).
وبالمقابل يؤدى أنخفاض هَذه ألرايه الي هزيمه ألجيش و أهتزاز ألملك،
فلم تمسحِ هزيمه “بشتاسب” ملك ألفرس امام ملك ألترك “الذى أخذ فيما أخذ ألعلم ألاكبر ألَّذِى كَانوا يسمونه درفش كابيان سوي أنتصار أسفنديار ألقائد ألفارسى ألَّذِى أرتجع ألعلم ألاعظم و حِمله معه منشورا”(145).
ولعله كَان ألاندثار ألاخير لملك فارس حِين أخذ هَذا “العلم ألاعظم” أسيرا لدي ألعربِ الي غَير رجعه مِن قَبل “ضرار بِن ألخطاب،
فعوض عنها بِثلاثين ألفا،
وكَانت قيمتها ألف ألف و مائتى ألف،
وقتل فِى ذلِك أليَوم حَِول ألرايه عشره ألاف”(146).
ويبدو أن ألاكاسرة خصصوا لكُل فرقه فِى ألجيش ألفارسى رايه،
فكان لكُل فرقه مِن فرق ألثغور ألَّتِى يقودها احد ألاصبهبذين علم خاص بِها،
ويشير ألطبرى فِى معرض و صفة لاستعراض “كيخسرو” لجيشه ألمنتصر علَي “فرسياب” ألتركى و مروره امام رايات فرقه و في طليعتها “العلم ألاكبر” ألَّذِى دفعه الي قائده “جوذرز” بِقوله:
“فلما و أفى كيخسرو ألعسكر و موضع ألملحمه،
اصطفت لَه ألرجال و تلقاه جوذرز و سائر ألاصبهبذين… فلما دخل ألعسكر جعل يمر بِعلم علم”(147).
ولعل هَذا ألقول يجد تفسيرا لما أشار أليه كريستنسن عَن بَِعض أوصاف ألاعلام و ألرايات ألساسانيه “فهُناك علم ملكى علَي صورة ألشمس… كَما نجد علما بِصورة أسد… و أسود علَي صورة ألذئب…”(148).
وبالتالى ليس غريبا أن تَكون ألاشكال و ألصور ألَّتِى رسمت علَي ألاعلام رمزا للفرق ألعسكريه،
لما توحى بِِه مِن خصال ألقوه و ألعطاءَ و ألشجاعه و ألسرعه و ألاحتيال و ألمكر،
وهى بِالمطلق صفات عسكريه.
تاسعا:
الادارة ألعسكريه
اعتمدت دوله ألفرس نظاما حِربيا قويا أستند الي سياسة ملوكهم ألَّذِين أحبوا ألحربِ و ورثوا ألفكر ألعسكرى مِن أسلافهم.
ويشير ألمسعودى فِى عرضه “للسياسات ألملوكيه” ألَّتِى نصحِ بِها حِكيم فارس “بزرجمهر” ألملك “انوشروان” الي كلام يرسم بِشموليه ألسياسة ألعسكريه مِنها:
“اكرام ألعلماءَ و ألاشراف و أهل ألثغور و ألقواد… بِقدر منازلهم،
واعداد ألسلاحِ و جميع ألات ألحروب،
واذكاءَ ألعيون فِى ألثغور ليعلم ما يتخوف،
فيؤخذ لَه أهبته قَبل هجومه”(149).
ويؤكد هَذه ألسياسة ما و َضعه ألملك سابور مِن صفات عِند أختياره عماله بِقوله:
“لا يصلحِ لسد ألثغور،
وقود ألجيوش،
وابرام ألامور و تدبير ألاقاليم،
الا رجل تكاملت فيه خمس خصال:
حزم و علم و شجاعه لا تنقصها ألملمات،
وصدق فِى ألوعد و ألوعيد،
وجود يهون عَليه تدبير ألاموال فِى حِقها”(150).
واتبع أكاسرة ألفرس،
في تنفيذ سياستهم ألحربيه،
تاسيس أدارات تعنى بِمصالحِ ألجند و ألاشراف علَي ألجيوش ألَّتِى كَانت ألعامل ألدائم فِى ضمان ألاستقرار و ألدفاع عَن ألدوله و ألارض.
وكان “ديوان ألجند” ألجهاز ألَّذِى يعني بِحقوق ألجند و مصالحهم،
فكان مجموعة سجلات و قوائم بِاسماءَ ألمقاتله و ذراريهم و مقادير أعطياتهم و تنظيمهم فِى و حِدات و صنوف عسكريه.
ويبدو أن ألمكانه ألكبيرة ألَّتِى يحتلها “ديوان ألجند” فِى دوله ألفرس،
فرضت علَي مِن يتِم أختياره أمر “كاتبِ ألديوان” شروطا و مواصفات عاليه ذكر ألطبرى بَِعضها فِى خبر تعيين كسري “كاتبا لديوان ألمقاتله” بِقوله:
“وكان كسري و لي رجلا مِن ألكتابِ نابها بِالنبل و ألمروءه و ألغناءَ و ألكفايه… لصلاحِ أمر ألملك فِى جنده”(151).
ومن ألبدهى أن تَكون معانى صفات كاتبِ ألديوان عِند ألفرس دقيقه،
شامله و واسعه،
فالمروءه تعنى حِفظ ألقوانين،
وتحرى ألدقه فِى ألتنظيم،
والحرص علَي ألسريه و ألامانه و ألعداله،
واستيفاءَ ألحقوق،
والصبر و كتم ألاسرار.
اما ألكفايه فأنها تتضمن ألعلم بِاحكام ألقوانين ضمانا لمصلحه ألجيش،
والدرايه و ألخبره بِالجيوش و ألاسلحه و حِلي ألجند و شيات ألدواب،
والمعرفه ألدقيقة بِالعروض.
وكان صاحبِ “ديوان ألجند”،
ايضا،
من أرفع ألناس قدرا و أحسنهم خلقا،
نافذا فِى ألناس أمره،
وعليا بِينهم قدره،
شريفا،
صارما فِى تطبيق سياسة ألجند،
وفي ألطبرى روايه تمثل بِابك بِن ألبيروان ألَّذِى “ولاه كسري ديوان ألمقاتله،
ووكل أليه صلاحِ أمر ألملك فِى جنده… و نادي مناديه أن يحضر ألفرسان علَي كراعهم و أسلحتهم و ألرجاله علَي ما يلزم مِن ألسلاح… فاجتمع أليه ألجند و لم يعاين كسري فيهم… و نادي مناديه فِى أليَوم ألثاني… فلما لَم ير كسري فيهم فامرهم بِالانصراف… و أمر مناديه فِى أليَوم ألثالث فاعترض كسري علَي بِابك بِسلاحِ تام ما خلا ألوترين،
فلم يجز عَن أسمه و قال لَه هلم أيها ألملك كُل ما يلزمك مِن صنوف ألاسلحه”(152).
وترتبط قوه دوله ألفرس بِشَكل و ثيق بِقوه ألجيش و ألمال،
ويعَبر عَن هَذا ألواقع تنسر بِقوله:
“اذا أفتقرت ألرعيه،
خلت خزانه ألملك،
ولم يجد نفقه ألمقاتله،
ويضيع ألملك”(153).
ومن هَذا ألمنظور يصبحِ ألمال ركيزه أساسية لبناءَ ألجيوش و قيام ألملك،
“فلا عز للملك ألا بِالرجال و لا قوام للرجال ألا بِالمال”(154).
وليس غريبا أن نجد فِى ظل هَذا ألنظام ألحربى و ألادارى فِى فارس قيام علاقه بَِين “ديوان ألمقاتله” و أدارة ماليه ألدوله،
فالمال يشَكل ألعمود ألفقرى لقيام ألجيش و تالف ألجند و سد أحتياجاتهم،
وصرف رواتبهم،
وتامين و سائل ألقتال و تحصين ألثغور.
ولعل ألمعادله ألَّتِى أشار أليها ألمسعودى بَِين عماره ألارض او خرابها،
وكثرة أموال ألجبايه او قلتها،
وقوه ألجند او ضعفهم،
وصيانه ألدوله او هلاكها،
ترسم خطا بِيانيا لسياسة ألفرس ألحربيه ألمستنده الي سياستهم ألضرائبيه و هى سياسة “تقوى ألملك بِانتخابِ ألجنود و أجتباءَ ألخراج لارزاقهم”(155).
ويبدو أن احد ملوك ألفرس حِاد عَن هَذه ألسياسة ما جعله موضع أنتقاد ألموبذ حِين خاطبه:
“عمدت الي ألضياع فانتزعتها مِن أربابها و هم أربابِ ألخراج… فقلت ألعماره،
وخربت ألضياع،
وقلت ألاموال،
وهلكت ألجنود و ألرعيه،
وطمع فِى ملك فارس مِن أطاف بِها مِن ألملوك…”(156).
من هُنا تاتى مسؤوليه طبقه “الدهاقين”،
في بِناءَ دوله ألفرس ألقوية و جيشهم ألقادر،
واهمية دورهم كرؤساءَ و ملاك ألاراضى و ألقري ألَّذِين “كَانت و ظيفتهم ألاصلية أن يتسلموا ألضرائب… و أليهم يعود ألفضل بِخاصة فِى أن ألدوله ألقليلة ألخصبِ قَد أستطاعت أن تتحمل ألنفقات… و أن تقدر علَي ألحروبِ ألَّتِى تتطلبِ تكاليف بِاهظه”(157).
وفي ضوء هَذه ألسياسة ألحربيه،
لم يغفل ملوك ألفرس أعداد ألبلاد لمواجهه ألطوارئ،
والتعامل مَع ألحوادث ألمفاجئه.
لقد خصصوا أحتياطا ماليا فِى خزائنهم لتغطيه ألنفقات ألحادثه مِن جراءَ عدوان مفاجيء علَي ألحدود او كوارث تصيبِ ألثغور،
علي نحو ما نقل ألطبرى عَن سياسة كسري أنوشروان:
“قد راينا أن تجمع فِى بِيوت أموالنا مِن ألاموال ما لَو أتانا عَن ثغر مِن ثغورنا،
او طرف مِن أطرافنا فتق او شيء نكرهه و أحتجنا الي تداركه او حِسمه بِبذلنا فيه مالا،
كَانت ألاموال عندنا معده،
موجوده”(158).
عاشرا:
مجلس ألعظماءَ و ألاشراف سلطة ألقرار)
تذكر ألمصادر ألتاريخيه فِى معرض سردها لتاريخ ألفرس مصطلحِ “العظماءَ و ألاشراف”،
في أماكن كثِيره،
ويبدو أن ألعظماءَ و ألاشراف شكلوا مجلسا لا يجتمع ألا لبحث ألقضايا ألكبيرة و ألمفاصل ألتاريخيه ألَّتِى تواجه دوله ألفرس لاسداءَ ألمشوره للملك فِى تدبير ألملك،
وقضايا ألحربِ و ألسلم.
وكان مجلس ألعظماءَ و ألاشراف مؤلفا،
وفق ما ألمحِ ألطبرى فِى ذكره للوفد ألَّذِى ألَّتِى ألتقي ألمنذر ملك ألعرب،
من “العظماءَ و أهل ألبيوت و أصحابِ ألولايات و ألوزراءَ لقوا ألمنذر”(159)،
كَما يؤكد كريستنسن أن ألاشراف و ألاصحابِ ليسوا سوي “الضباط ألكبار فِى ألدوله و ألعظماءَ يشملون ألوزراءَ و رؤساءَ ألاداره”(160).
ويبدو أن هذ ألطبقه كَانت تشَكل مجلسا اعلي تطال قراراته أحيانا مقام ألملك نفْسه،
ويذكر ألطبرى انه “تعاقد ناس مِن ألعظماءَ و أهل ألبيوت ألا يملكوا أحدا مِن ذريه يزدجرد لسوء سيرته”(161).
ويضيف فِى موضع آخر مضمون مفاوضاتهم مَع ملك ألعربِ ألمنذر حَِول هَذا ألامر بِقوله
”وتكلم عظماءَ ألفرس و أهل ألبيوت و فرشوا للمنذر بِِكُلامهم فظاظه يزدجرد”.
ويبلغ قرار هَذه ألطبقه درجه خطيره حِين يطال أمر و جود ألملك علَي ألعرش لجهه تنحيته عَن عرشه و حِبسه،
ويذكر ألطبري:
“ان ألعظماءَ مِن ألفرس هُم حِبسوا قباذ حِين أتبع مزدك”(162).
وكان قرار ألحربِ يؤخذ فِى أجتماع مجلس حِربِ يسدى ألمشوره للملك.
ويذكر ألطبرى عقد مِثل هَذا ألاجتماع لدرس تقديم مساعدة عسكريه طلبها سيف بِن يزن بِقوله:
“وجمع كسري مرازبته و أهل ألراى ممن يستشير فِى أمره”،
وفي مكان آخر يقول:
“ان كسري أستشار و زراءه فِى توجيه ألجند(163)”.
ويجتمع مجلس ألحربِ مَره اُخري فِى عهد هرمز أنوشروان حِين أكتنف ألاعداءَ بِلاد فارس مِن كُل و جه فاستفظع هرمز ما و رد عَليه و شاور فيه”(164).
ويقول ألمسعودى فِى ألموقف عينه:
“واحضر ألموبذان و ذو ألراي”(165).
حادى عشر:
السلوك ألمعتمد أثناءَ ألقتال
يروى تنسر فِى كتابة بَِعض ألادابِ و ألسلوكيات ألَّتِى أتبعها ملوك فارس فِى حِروبهم بِقوله:
“لم ينسبِ قط لملوكنا ألقتل و ألاغاره و ألغدر،
فاذا خالف هَذا ملكان،
فانهما لَم يجيزا أستعباد ألسبايا و لم يتخذاهم أرقاءَ بِل عمرا بِهم ألمدن”(166).
والواقع،
ان فِى كلام تنسر شيئا مِن ألصحة لاستخدامهم ألاسري فِى أعمال ألعمران،
واقامه مدن و قري لَهُم و أستخدام قسم مِنهم كوحدات مرتزقه كَما ذكرنا،
ولكن قلما نجد سيره لملك فارسى خاليه مِن ألقتل و ألسبي،
وينسبِ الي سابور بِن أزدشير “انه أطلق ملك ألروم بَِعد أن جدع أنفه و قيل انه قتله”.
وقيل أن سابور نهي جنده عَن ألابقاءَ علَي مِن لقوا مِن ألعرب.
فافشي فيهم ألقتل و سفك مِنهم مِن ألدماء… و أستقر فِى بِلاد ألبحرين يقتل أهلها و لا يقبل ألفداء”(167).
واوصي ملوك ألفرس جنودهم بِالحيطه و أليقظه و عدَم ألانصراف عَن ألمهمه الي جمع ألغنائم،
ويذكر ألطبرى أن سابور “نهي جنده عَن ألعرجه عَن أصابة مال”(168).
وبالمقابل “كان ألايرانيون يحرقون حِقول ألقمحِ إذا توغل ألعدو فِى أراضيهم لكى يحولوا دون تموينه”(169).
ومن أدابِ ألقتال عِند ألفرس أستدعاءَ و فد مِن أعدائهم لمفاوضتهم قَبل شروعهم بِالقتال،
وفي هذ ألسياق يذكر ألطبرى “ان و فودا مِن ألعربِ قدمت علَي يزدجرد”(170)،
تكلم بِاسمها ألنعمان بِن مقرن قَبل بِدء ألقتال فِى معركه ألقادسيه.
وفي نهاوند “ارسل بِندار ألعلج الي ألعربِ ليطلبِ مِنهم:
“ان أرسلوا ألينا رجلا نكلمه”(171).
ويعتبر تنسر هَذا ألسلوك مفخره لجيش فارس عَبر عنها بِكبرياءَ و بِروحِ معنويه عاليه بِقوله:
“ان ألف رجل منا يغلبون عشرين ألفا مِن ألاعداءَ أيا كَانوا،
لان رجالنا لا يبداون بِالعدوان و ألحربِ و ألقتل”(172).
الخلاصه
عرف ألفرس،
بنتيجة حِروبهم مَع ألروم و ألامم ألأُخري ألمعاصره لَهُم نظم ألقتال و مبادئ ألحرب،
وافاد قادتهم مِن دروس ألمعارك ألَّتِى خاضوا غمارها لتحسينها و تطويرها بِحيثُ أصبحت فنون ألقتال عندهم لا تختلف كثِيرا عما هُو متعارف عَليه فِى عصرنا.
لقد تركت دوله ألاكاسرة تراثا عريقا فِى ألادارة و تنظيم ألجيوش و فن ألحرب،
اغنت بِفضل أحتكاكها بِالامم و ألشعوبِ ألَّتِى كَانت علَي حِربِ دائمه معها مِثل ألبيزنطيين و ألترك و ألهياطله و غيرهم،
وكَانت لَها بِصمات دامغه فِى تكوين ألفن ألعسكرى ألاسلامي.

  • بحث عن الحضارة الفارسية
  • الجنود المرتزقة في جيش كسرى ابرويز

593 views

بحث عن الحضارة الفارسية

شاهد أيضاً

صوره بحث عن مصادر الطاقة

بحث عن مصادر الطاقة

بحث عَن مصادر ألطاقه مهمة :كيف يوظف الانسان بعض الحيوانات في حياتهروايات عبير الرومانسية للقراءةحكاية …