استشهادات حول العلم , بحث عام حول العالم كله

آخر تحديث ب19 يناير 2020 الأحد 4:06 صباحا بواسطة صالحه سامي

استشهادات حول العلم


صورة photos

من رحمه الله عز و جل بهذه الامه ان علماءها خيارها، بخلاف الامم السابقة، كما ذكر شيخ الاسلام احمد بن تيميه رحمه الله حيث قال: “كل امه قبل مبعث محمد صلى الله عليه و سلم علماؤها شرارها، الا المسلمين فان علماءها خيارها” 1).

ولعلي اذكر شيئا مما و رد بشرف العلم و منزله العلماء، و من هذي النصوص ممكن ان نقف على هذي البيته العظيمه لهذه الفئه المباركة.

ادله فضل العلم و العلماء من القران:

فمن هذا قول الله عز و جل باعظم شهاده بالقران: ﴿شهد الله انه لا اله الا هو و الملائكه و اولو العلم قائما بالقسط لا اله الا هو العزيز الحكيم﴾ [سورة ال عمران: الايه 18]. ذكر الامام ابن القيم ان بهذه الايه عشره اوجه تدل على شرف العلم و فضل العلماء. و منها:


1 ان الله عز و جل استشهدهم من بين سائر الخلق.

2 و ضم شهادتهم الى شهادته تعالى.

3 و ضم شهادتهم الى شهاده ملائكته.

4 و كونه تعالى استشهدهم فمعناه انه عدلهم؛ لانه لا ممكن ان يستشهد بقولهم الا و انهم عدول. و بهذا جاء الاثر: “يحمل ذلك العلم من كل خلف عدوله”.

5 انهم جعلهم هم و الانبياء بوصف واحد، فلم يفرد الانبياء عن العلماء، فاشهد نفسه، بعدها اشهد ملائكته بعدها اشهد اولي العلم، الذين على راسهم الانبياء، و من ضمنهم العلماء.

6 انه اشهدهم على اعظم مشهود به، و هذي اجل و اعظم شهاده بالقران؛ لان المشهود فيه هو: شهادة: ان لا اله الا الله. التي لا يعدلها شيء. 2)

ومن الايات الداله على فضل العلم و شرف العلماء قول الله عز و جل ﴿وقل رب زدني علما﴾ [سورة طه: الايه 114]. امر نبيه عليه الصلاة و السلام ان يساله ان يزداد من العلم، و ما ذاك الا لشرفه و مكانته.

وكذلك قوله سبحانه: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون و الذين لا يعلمون﴾ [سورة الزمر: الايه 9]. و ذلك كذلك يدل على غايه فضلهم و شرفهم، كما انه لم يساو بين اصحاب الجنه و اصحاب النار، فايضا لم يساو بين من يعلم و من لا يعلم.

ويقول جل و عز ﴿افمن يعلم انما انزل اليك من ربك الحق كمن هو اعمي انما يتذكر اولو الالباب﴾ [سورة الرعد: الايه 19] و لهذا وصف سائر الخلق بالعمي الا من اوتي العلم.

ويقول سبحانه: ﴿ويرى الذين اوتوا العلم الذي انزل اليك من ربك هو الحق و يهدي الى صراط العزيز الحميد﴾ [سورة سبا: الايه 6].

ويقول جل و عز: ﴿وتلك الامثال نضربها للناس و ما يعقلها الا العالمون﴾ [سورة العنكبوت: الايه 43]. و لهذا قال بعض السلف: “اذا استعصى على فهم مثل بالقران حزنت لذلك؛ لان الله عز و جل يقول: ﴿وتلك الامثال نضربها للناس و ما يعقلها الا العالمون﴾ [سورة العنكبوت: الايه 43].


ويقول سبحانه: ﴿يرفع الله الذين امنوا منكم و الذين اوتوا العلم درجات و الله بما تعملون خبير﴾ [سورة المجادلة: الايه 11]. رفع الله درجاتهم بالدنيا و الاخرة، بالدنيا رفع ذكرهم عند الخلق، و رفع مكانتهم و منزلتهم. و اما بالاخره فلهم الدرجات العلى، و اي شرف و اي منزله اعظم من ذلك.

ولهذا لاحظوا يرعاكم الله كم مر عبر التاريخ من الملوك و الامراء و العظماء و التجار و المخترعون انتهوا بمماتهم، فانتهى ذكرهم، فقد ياتي ذكرهم عابرا بصفحات التاريخ، و لكن هؤلاء اهل العلم، ذكرهم يتجدد مع الزمان، لا يذكرون الا و يترحم عليهم، اجسادهم مفقودة، لكن اثارهم باقيه بين ايدينا.

قبل مئات السنين جاء الامام احمد، و الامام الشافعي، و الامام ما لك، و الامام ابو حنيفة، و سفيان الثوري، و الامام البخاري، و الامام مسلم، اعلام ما زال ذكرهم عاليا بين الخلق، منهم من ما ت بمقتبل عمره مثل الامام النووي رحمه الله فقد ما ت بالعقد الرابع من عمره، و مع هذا ما زال ذكره يطبق مشارق الارض و مغاربها. هذي مؤلفاته بين ايدينا تقرا صباح مساء، و كلما ذكر ترحم عليه، فاي شرف و اي منزله هذه، ذلك ذكرهم بالدنيا، و ربما اعد الله عز و جل لهم من الاجر بالاخره اضعاف اضعاف ذلك.

ومما و رد بفضلهم و منزلتهم قول الله عز و جل ﴿انما يخ شي الله من عباده العلماء﴾ [سورة فاطر: الايه 28]. و ﴿انما﴾ اداه حصر. الذين يخشون الله حق خشيته هم اهل العلم؛ و الاسباب =بذلك انهم اعلم الخلق بالله عز و جل و كلما ازداد الانسان معرفه بربه و خالقه و معبوده ازدادت خشيته. و لهذا هم اعلم الناس بما يجب لله، و ما يجوز عليه، و ما يمتنع عليه، و لهذا صاروا اكثر الناس خشية، بل الله عز و جل جعل الخشيه محصورة فيهم.

ويقول سبحانه: ﴿بل هو ايات بينات بصدور الذين اوتوا العلم و ما يجحد باياتنا الا الظالمون﴾ [سورة العنكبوت: الايه 49]. ذلك القران ايات بينات، لكن عند من عند اهل العلم. و لهذا عرفوا كلام الله، فقدروه حق قدره، بخلاف غيرهم، فقد يقرا القران كاملا، و ربما يسمع القران كاملا، و لا يؤثر ذلك فيه؛ لانه ليس من اولو العلم.

ويقول سبحانه: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافه فلولا نفر من كل فرقه منهم طائفه ليتفقهوا بالدين و لينذروا قومهم اذا رجعوا اليهم لعلهم يحذرون﴾ [سورة التوبة: الايه 122]. الله عز و جل ذكر انه ما كان لاهل الايمان ان ينفروا جميعا الى الجهاد، بل لتبق طائفه تتفقه بهذا الدين؛ لتتعلم و تعلم الناس الخير. و لهذا ذكر الامام احمد رحمه الله ان طلب العلم اروع من الجهاد بسبيل الله.

ويقول سبحانه: ﴿اومن كان ميتا فاحييناه و جعلنا له نورا يمشي فيه بالناس كمن مثله بالظلمات ليس بخارج منها﴾ [سورة الانعام: الايه 122]. فاهل العلم هم حياة القلوب، و ما معهم من العلم هو النور الذي يهتدون فيه بظلمات البر و البحر.

ويقول سبحانه: ﴿واذا جاءهم امر من الامن او الخوف اذاعوا فيه و لو ردوه الى الرسول و الى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم و لولا فضل الله عليكم و رحمته لاتبعتم الشيطان الا قليلا﴾ [سورة النساء: الايه 83]. و ربما قال المفسرون: ان اولي الامر هنا هم العلماء، كما ان اولي الامر بقوله سبحانه: ﴿اطيعوا الله و اطيعوا الرسول و اولي الامر﴾ [سورة النساء: الايه 59]. على قول ابن عباس و غيره انهم العلماء، و ذكر شيخ الاسلام ان هذي الايه تشمل اولي الامر اولي السلطان، و كذلك اولي الامر تشمل العلماء.

ادله فضل العلم من السنه المطهرة:

فهذه بعض الايات الداله على مكانه و منزله العلم، و منزله اهل العلم.

اما الاحاديث فعديدة جدا جدا منها:


ما ثبت بالصحيحين، من حديث النبي صلى الله عليه و اله و سلم انه قال: «من يرد الله فيه خيرا يفقهه بالدين» 3). منطوق الحديث ان من اراد الله فيه خيرا و فقه لهذا العلم. و مفهوم الحديث ان من لم يتفقه بهذا الدين و من لم يتعلم فلم يرد الله عز و جل فيه خيرا. و ذلك ما ذهب اليه كثير من اهل العلم.

وهنالك كذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه و اله و سلم كما عند ابي داود و ابن ما جه و الترمذي بسند صحيح انه قال: «من سلك طريقا يطلب به علما سلك الله فيه طريقا من طرق الجنة، و ان الملائكه لتضع اجنحتها رضا لطالب العلم، و ان العالم ليستغفر له من بالسماوات، و من بالارض، و الحيتان بجوف الماء، و ان فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب، و ان العلماء و رثه الانبياء» 4). و ذلك حديث عظيم يبين مكانه و منزله اهل العلم. لاحظ اخي المسلم قوله: «ان العالم ليستغفر له من بالسماوات، و من بالارض». و بالحديث الاخر كما سياتي ان الله و ملائكته يصلون عليه.

لو قيل لاحدنا: ان من بهذا المسجد يدعون لك. لما و سعته ثيابه من الفرح و السرور، و قد بقي الايام و الليالي و هو يتذكر هذي البيته العظيمة، ان اهل المجسد يستغفرون له، او يدعون الله عز و جل له. كيف يا اخي ذلك العالم يصلي عليه الله عز و جل من فوق سبع سماوات، يثني عليه، و تصلي عليه الملائكة، تدعو له، و يصلي عليه سائر الخلق، حتى البهائم، حتى النمله بجحرها، حتى الحوت بقعر البحر، يدعو و يصلي على ذلك العالم. اي منزله اعظم من هذي البيتة اي شرف اعظم من ذلك الشرف؟

ويقول عليه الصلاة و السلام كما بالصحيحين: «مثل ما بعثني الله فيه من الهدى و العلم كمثل الغيث 5 العديد اصاب ارضا، فكان منها نقيه قبلت الماء فانبتت الكلا 6 و العشب العديد» 7). الى احدث الحديث. و هذي الطائفه هم اهل العلم، هم الذين تلقفوا عن النبي صلى الله عليه و اله و سلم اقواله و افعاله، فحفظوها للناس، فانتفع الخلق جميعا من ذلك العلم بفضل حفظ هؤلاء، و نقل هؤلاء و نشر هؤلاء.

ويقول عليه الصلاة و السلام «فضل العالم على العابد كفضلي على ادناكم» 8). الله اكبر، فضل العالم على العابد و ليس على سائر الناس العابد الذي لزم المسجد بالصلاة و الصيام و القيام و الاستغفار و التوبة، كفضل النبي صلى الله عليه و اله و سلم على ادنى واحد من امته. و هل هنالك ادنى تقارب بين الفضلين ايضا العالم مع سائر الخلق.

وفي الحديث الاخر: «وان العلماء و رثه الانبياء، و ان الانبياء لم يورثوا دينارا و لا درهما، و انما و رثوا العلم، فمن اخذه اخذ بحظ و افر» 9).

ايها الاخوة، لو و جد عندنا اثر من اثار النبي صلى الله عليه و سلم لو ثبت عندنا ان هذي صحفه النبي صلى الله عليه و سلم التي كان ياكل فيها، او ذلك الحصير الذي كان يجلس عليه، لتقاتل الناس على ذلك الاثر، فكيف لو كان ذلك الاثر ملتصقا بجسمه كشعره لربما بذل به الغالي و النفيس، فما ظنكم بشيء موجود عندنا من اعظم اثار النبي صلى الله عليه و سلم الا و هو شرعه، و حيه عليه الصلاة و السلام بين ايدينا اعظم و ارفع من اثاره المادية، مبذول كل يستطيع الاخذ به، و ذلك هو ميراث النبوة، ليس ميراث النبوه المال و العقار، بل ميراث النبوه ذلك العلم و ذلك الوحي، و هو مشاع، ليس خاصا لفئه بعينها. ميراثه عليه الصلاة و السلام ليس خاصا لذريته، او لبني هاشم، او لبني عبدالمطلب، بل لكل من اراد ان ينال ذلك الميراث، الا و هو العلم.

يقول ابن القيم: “وقوله: «العلماء و رثه الانبياء»… دليل على انهم اقرب الناس الى الانبياء؛ بالفضل و المكانه و البيتة؛ لان اقرب الناس الى المورث و رثته، و لهذا كانوا احق بالميراث من غيرهم، ايضا العلماء احق الناس بالنبي صلى الله عليه و سلم و اقرب الناس بالنبي صلى الله عليه و سلم هم اهل العلم”(10).

وفي الحديث الاخر بصحيح مسلم: «اذا ما ت الانسان انقطع عمله الا من ثلاثة». و ذكر: «او علم ينتفع به» 11). فان العالم اثاره باقيه حتى بعد و فاته، فالناس تنقطع اعمالهم، حتى الذين خلفوا و لدا صالحا، او خلفوا صدقة جارية، ففي وقت من الاوقات سينقطع غالبا؛ و هذا اذا جاء الجيل الثالث او الرابع او الخامس، فغالبا سينقطع ذلك الباب، الا العالم، فان اثره باق ما بقيت السماوات و الارض. و لهذا لاحظوا ان الائمه و العلماء بالقرن الاول قبل الف و اربعمائه سنه ما زالت اثارهم و اقوالهم باقية، يذكرون و يترحم عليهم، و ربما اهتدى و استقام على اقوالهم مئات، بل الاف، بل ملايين من البشر، و اجورهم ليست كاجور اولئك. فاي منزلة، و اي مكانه اعظم من هذي البيتة؟

وفي الحديث الاخر: «من غدا الى المسجد لا يريد الا ان يتعلم خيرا او يعلمه، كان له كاجر حاج تاما حجته» 12).

وفي حديث اخر: «من دخل مسجدنا ذلك ليتعلم خيرا، او ليعلمه، كان كالمجاهد بسبيل الله» 13). رواه احمد بسند صحيح.

وفي حديث احدث رواه الترمذي بسند صحيح، ان النبي صلى الله عليه و اله و سلم قال: «نضر الله امرا سمع مقالتي فوعاها و حفظها و بلغها» 14). «نضر الله» دعاء من النبي صلى الله عليه و اله و سلم لهذا العالم، لطالب العلم الذي تلقى عن النبي صلى الله عليه و اله و سلم كلامه و وحيه، فوعاه فقهه و بلغه الى الاخرين.

ان نجاه الناس منوط بوجود العلماء، فذهاب العلماء هلاك الناس، فهم صمام الامان بعد الله عز و جل و لهذا جاء بالحديث المتفق عليه: «ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، و لكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى اذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا، فافتوا بغير علم فضلوا و اضلوا» 15).

وفي حديث ابن عباس قال رسول الله صلى الله عليه و سلم «هل تدرون ما ذهاب العلم؟» قال: «هو ذهاب العلماء من الارض» 16).

وفي حديث ابي امامة، ان رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم قال: «خذوا العلم قبل ان يذهب». قالوا: كيف يذهب العلم يا نبي الله، و فينا كتاب الله قال: فغضب النبي صلى الله عليه و اله و سلم بعدها قال: «ثكلتكم امهاتكم» لاحظ المثل «اولم تكن التوراه و الانجيل ببني اسرائيل، فلم يغنيا عنهم شيئا ان ذهاب العلم ان يذهب حملته» 17). رواه الدارمي بسند صحيح.

لا شك ان القران و حده لا يكفي، لا بد من اهل العلم؛ ليبينوا للامه العام و الخاص، و الناسخ و المنسوخ، و المنطوق و المفهوم. و الا اذا اخذ الانسان النصوص بنفسه بعيدا عن اهل العلم ضل و اضل، و ما ضل اكثر الفرق و اكثر الطوائف الا لانهم اعتمدوا على عقولهم، و على انفسهم، و اخذوا شطرا و جزءا من هذي النصوص.

فالخوارج اخذوا بنصوص الوعيد، و تركوا نصوص الوعد. و المرجئه اخذوا نصوص الوعد، و تركوا نصوص الوعيد. و المعتزله النفاه اخذوا النصوص التي بها اثبات فعل العبد. و الجهميه و المعطله اخذوا النصوص التي بها تنزيه الرب.

اما اهل العلم، الذين انار الله عز و جل بصائرهم و ابصارهم، فاخذوا كلام الله عز و جل متكاملا، و عرفوا الخاص و العام، و المقيد و المطلق، و الناسخ و المنسوخ، و جمعوا بين كلام الله عز و جل و لهذا سلموا، و سلم من اقتفى اثرهم.

الاثار الوارده بفضل العلم و منزله العلماء:

اختم كلامي بذكر بعض الاثار عن بعض السلف، بفضل العلم و منزله العلماء.

فهذا الشافعي رحمه الله يقول: “ان لم يكن الفقهاء اولياء لله بالاخره فما لله و لي”. و يقول عكرمه رحمه الله “اياكم ان تؤذوا احدا من العلماء، فان من اذى عالما فقد اذى رسول الله صلى الله عليه و سلم لانهم حمله كلام الرسول صلى الله عليه و اله و سلم الذائدون عن حياضه، المنافحون عن كلامه، رحمهم الله”. و يقول الحسن: “موت العالم ثلمه بالاسلام، لا يسدها شيء، ما طرد الليل النهار”. و يقول ايضا: “الدنيا كلها ظلمه الا مجالس العلماء”. و يقول سعيد بن جبير: “علامه هلاك الناس اذا هلك علماؤهم”. و يقول سفيان الثوري: “اطلبوا العلم؛ فانه شرف بالدنيا، شرف بالاخرة”.

اسال الله سبحانه و تعالى ان يغفر لمن ما ت من علمائنا، و ان يبارك بعمر و عمل من كان منهم حيا، و ان يوفقه و يسدده لما يحب و يرضى، و الله اعلم، و صلى الله و سلم على نبينا محمد.

جزى الله صاحب الفضيله الدكتور حمد بن عبدالمحسن التويجري خير الجزاء، على ما تفضل فيه بهذه الكلمه الطيبه الزاكيه عن “فضل العلم و عن منزله العلماء” و لنتم مقال هذي الندوه ببيان “حرمه الوقيعه باهل العلم”. يتفضل بالحديث عن هذا صاحب الفضيله الدكتور عبدالحكيم محمد العجلان، فليتفضل جزاه الله خيرا.

حرمه الوقيعه بين اهل العلم للدكتور عبدالحكيم محمد العجلان

الحمد لله كما ينبغي لجلال و جهه و عظيم سلطانه، و اصلي و اسلم على نبيه و صفيه من خلقه، و اله من بعده و صحبه، و اسلم تسليما عديدا الى يوم الدين، اما بعد:

اهمية العلم و اهله:

ان الحديث عن العلماء حديث عظيم؛ فهو حديث عن اعلام الامة، و حافظي الملة، الناطقين بالكتاب و السنة، القامعين لكل هوى و بدعة، المحذرين من الشيطان و من غيه.

الحديث عن اهل العلم حديث عمن بهم شفاء و دواء للادواء و الامراض، التي تحل بالناس، بقلوبهم، و باديانهم، و بمجتمعاتهم.

ولذا قال النبي صلى الله عليه و سلم لما هلك صاحب الشجة، الذي سال اصحابه حين اصابته شجه براسه، فقالوا: لا نجد لك رخصه عن الغسل. فاغتسل فمات، فذكر هذا للنبي صلى الله عليه و سلم فقال: «قتلوه قتلهم الله، الا سالوا اذ لم يعلموا، فانما شفاء العي 18 السؤال» 19).

فسؤال اهل العلم، و الصدور عنهم، هو شفاء و دواء؛ و لذا امر الله جل و علا فيه بغير ما ايه من كتابه، فقال سبحانه: ﴿فاسالوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون﴾ [سورة النحل: الايه 43]. فاهل العلم يصدر عنهم، و يورد اليهم، يسالون و يستفتون، و منهم يتعلم العلم، و منهم يتعرف على الاحكام، فهم الموقعون عن رب العالمين، و هم المبلغون لسنه سيد المرسلين، محمد بن عبدالله، صلى الله عليه و على اله و اصحابه، و سلم تسليما عديدا الى يوم الدين.

و لذا يقول ابن القيم رحمه الله ”

هم النجوم لكل عبد سائر يبغي الاله و جنه الحيوان 20)

ويقول ميمون بن مهران ببيان حقيقة اهل العلم: “انهم بالبلد كالماء العذب”. اي ان الناس يردون اليه. و كما قال الحسن: “الدنيا ظلمه الا مجالس اهل العلم”.

والناس بدون اهل العلم يتخبطون بالجهالات، و يقعون بالمهالك و الحفر، و لا يجدون طريقا يتنسمون فيه السلامة، و يصلون فيه الى المراد و الغاية. و بترك العلم و اهل العلم يتجرع الناس ماء اجاجا، فلا يروون من عطش، و لا يسلمون من تعب، و لا يتخلصون من عطب.

العلم ايها الاخوه اسباب للنجاة؛ فان اهل العلم امناء الله على و حيه. و لذا قال الله جل و علا: ﴿ذلك هدى الله يهدي فيه من يشاء من عباده و لو اشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون﴾ [سورة الانعام: الايه 88] ﴿اولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾ [سورة الانعام: الايه 90]. فهذه الايه بانبياء الله و رسله، و من حذا حذوهم، و اقتفى سنتهم، و اخذ من حياضهم، و اخذ من سنتهم. و لذلك جاء ببعض الاثار: “ان العالم امين الله بارضه”.

فدرجه اهل العلم عالية، فهم بانفسهم خاشعون لله، مخبتون له، متضرعون. و لذا يقول الله جل و علا: ﴿ان الذين اوتوا العلم من قبله اذا يتلى عليهم يخرون للاذقان سجدا﴾ [سورة الاسراء: الايه 107]. و اهل العلم هم الذين يصبح بهم الانتفاع، و يصبح بهم النجاة، و يصبح بهم الخير، اذا ادلهمت المدلهمات، و نزلت المعضلات، و توالت المصابات، فالناس يتخبطون، و اولو العلم باذن الله جل و علا ناطقون بكتاب الله.

يقول الله سبحانه: ﴿واذا جاءهم امر من الامن او الخوف اذاعوا فيه و لو ردوه الى الرسول و الى اولي الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم﴾ [سورة النساء: الايه 83]. نقل اهل التفسير كما سمعنا من الشيخ ان ﴿اولي الامر﴾ هم اولو العقل، و اولو الفقه بالدين.

وبهلاك العلماء يهلك الناس، كما سمعنا قول سعيد بن جبير، قيل: ما علامه هلاك الناس قال: ” هلاك علمائهم “. و هلاك العلماء كما انه يصبح بموتهم، فانه يصبح كذلك بتسلط المتسلطين عليهم؛ بالوقيعه بينهم، و التنفير منهم، و الخوض باعراضهم، و التشكيك بنياتهم، و اراده ابعاد الناس عنهم، و صرف القلوب الى الاهواء و الى البدع، و الى الاقوال التي لا سند لها من كتاب الله، و لا من سنه رسول الله صلى الله عليه و سلم.

كيف لا، و ربما قال اهل التفسير بان موت العلماء هو المراد بقول الله جل و علا: ﴿اولم يروا انا ناتي الارض ننقصها من اطرافها﴾ [سورة الرعد: الايه 41 ]. جاء عن ابن عباس او غيره انه موت العلماء.

و لذا قال القائل:

الارض تحيا اذا ما عاش عالمها و ان يمت عالم منها يمت طرف

كالارض تحيا اذا ما الغيث حل فيها و ان ابي حل باكنافها التلف

الخوض بعلماء الامه و بيان حرمته:

ان العلماء مع ما سمعنا من ذلك الكلام العظيم برفيع درجتهم، و علو مكانتهم، و ما اختصه الله جل و علا لهم من ارث نبيهم صاروا محل كلام الناس، لا بنقل اقوالهم، و لا بسماع توصياتهم، و لكن بالوقوع باعراضهم، يلوكونها و يتسلطون عليهم بكلام لا حق فيه، و انما هو محض الباطل و الهوى، و ينقلون ما يقول الناس، و يقول الدهماء، و يقول الغوغاء.

ولذا لم نر فوضى و لا بلاء اعظم مما نزل بالمسلمين بمجتمعاتهم بهذه الاوقات، تركوا اهل العلم الراسخين، الذابين عن الملة، الداعين الى الكتاب و السنة، لاقوال اهل الهوى، او لناعق بمنبر اعلامي، او قناة او مجلة او غيرها، يتكلم بالهوى، و يتكلم بما لا يعرف، و يهذي بما لا يعقل، و الناس له تابعون، و عن كتاب الله جل و علا و سنته و الناطقين فيها منصرفون.

ان الوقيعه باهل العلم مع ما بها من الحرمه العظيمة؛ لرفيع درجتهم كما قال بعض السلف: ” لحوم العلماء مسمومه “. و عاده الله بهتك منتقصيهم معلومة، و من رامهم بالثلب ابتلاه الله قبل موته بموت القلب.

ان الكلام بالعلماء كلام بمؤمن، و الله جل و علا ربما حفظ للمؤمنين اعراضهم، كما قال النبي صلى الله عليه و سلم بحجه الوداع: «ان دماءكم و اموالكم و اعراضكم بينكم حرام، كحرمه يومكم ذلك بشهركم ذلك ببلدكم ذلك اللهم هل بلغت، اللهم فاشهد» 21). و شهد الله جل و علا بحفظ اعراض اهل الايمان، و العلماء هم صفوه اهل الايمان، و هم المتسلمون للوائهم، و الحافظون لهم، و المنادون الى سبيلهم.

والوقيعه بها من الوعيد، الذي بينه النبي صلى الله عليه و سلم بالحديث المشهور: «وهل يكب الناس بالنار على و جوههم او على مناخرهم بالنار الا حصائد السنتهم» 22). و بالوقيعه بالعلماء ايذاء للنبي صلى الله عليه و سلم كما سمعنا من قول السلف، فانهم و رثته، و هم الناقلون لدينه، و بالوقيعه اثار عظيمة، و بلاء كبير:

فاول شيء يحرم الناس منه بالوقيعه بالعلماء هو: ذهاب العلم، فاذا تكلم الناس بالعلماء، فمن اين يصدرون و من سيستفتون و بمن يثقون و عمن ياخذون و لذا قال ابو سنان الاسدي: ” اذا كان طالب العلم قبل ان يتفقه المساله بالدين يتعلم الوقيعه بالناس متى يفلح “. و متى يفلح الناس، و هم يخوضون بعلمائهم و اولي الامر منهم، الذين يدعون الى كتاب الله، و الى سنه رسوله صلى الله عليه و سلم بالوقيعه و النقص و الذم، و ابداء الخلات و العيب.

ان الوقيعه باهل العلم اسباب لهلاك الانسان باخرته، و لذلك يقول ابن المبارك رحمه الله “من تكلم بالامراء ذهبت دنياه، و من تكلم بالعلماء ذهبت اخرته، و من تكلم بالاخوان ذهبت مروءته”.

بالحديث عن العلماء يتعرض الانسان لوعيد شديد، و بلاء كبير؛ فانه يبارز الله جل و علا بالعداوة. ففي الحديث الصحيح، الذي رواه البخاري بصحيحه، ان النبي صلى الله عليه سلم قال: «قال الله تعالى: من عادي لي و ليا فقد اذنته بالحرب» 23). و انما الولايه و لا شك لاهل العلم اصالة، و يتبعهم الناس، بما عندهم من كتاب الله، و سنه رسوله صلى الله عليه و سلم.

ان الحديث عن اهل العلم، و الوقيعه فيهم، اسباب لترك ما عندهم من الخير، و ما عندهم من الكتاب، و ما عندهم من السنة. و تامل يا رعاك الله ما جاء بالحديث الصحيح، ان النبي صلى الله عليه و سلم قال: «لا تسبوا الديك؛ فانه يوقظ للصلاة» 24). فكيف باقوام يستبيحون اعراض اهل العلم، الذين يدعون الى توحيد الله، و الى كتاب الله، و الى سنه رسول الله، و الى الصلاة، و الى الزكاة، و الى الصيام، و الى الحج، و الى صغير فروع ذلك الدين و كباره، و قليلة و عديده. اليسوا ممن يقعون بامر عظيم. قال تعالى: ﴿ومن اقوى قولا ممن دعا الى الله و عمل صالحا و قال اني من المسلمين﴾ [سورة فصلت: الايه 33]. فان ذلك هو شان اهل العلم. و المتكلم فيهم متكلم بامر عظيم.

القدح ايها الاخوه باهل العلم اسباب لهلاك المجتمع برمته، و اسباب لفساد الديار و العباد. و لذا يقول الامام السخاوي رحمه الله “انما الناس بشيوخهم، فاذا ذهب الشيوخ فمع من يصبح العيش؟”.

نعم، فتاملوا يا رعاكم الله الى اقل اموركم و اكثرها، و صغيرها و كبيرها، فيما تتعبدون فيه لربكم، و فيما تتعاملون به من بيعكم و شرائكم، و اعمالكم و وظائفكم، و تتعاملون به مع اهليكم و ازواجكم، و ابنائكم و بناتكم، اليس كل هذا انما تاخذونه من كتاب الله، و سنه رسوله صلى الله عليه و سلم و الذي يبصركم بذلكم هم اهل العلم، فاذا تكلم فيهم فاسقطوا، فممن يتعلم الناس هذا كله؟

ولذا تبين تبينا كاملا، لا مريه فيه، تبينا يقينيا ان المتكلم باهل العلم متكلم بكتاب الله جل و علا و سنه رسوله صلى الله عليه و سلم و دليل هذا ما جاء بالحديث المعروف المشهور، لما تكلم المنافقون، فقالوا: ما راينا مثل قرائنا هؤلاء؛ ارغب بطونا، و لا اجبن عند اللقاء. يعنون رسول الله صلى و الله عليه و سلم و اصحابه، فماذا قال الله جل و علا بذلك انزل قوله سبحانه و تعالى: ﴿قل ابالله و اياته و رسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا ربما كفرتم بعد ايمانكم﴾ [سورة التوبة: الايتان 65 66].

فهل استهزءوا بايات الله لا، و لكن لما كانت الوقيعه برسول الله و باصحابه مستلزم لا محالة الوقيعه بايات الله جل و علا جعل الله هذا استهزاء بايات الله، و بكتابة و بسنه رسوله صلى الله عليه و سلم فبين الله هذا بهاتين الايتين: ﴿ولئن سالتهم ليقولن انما كنا نخوض و نلعب قل ابالله و اياته و رسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا ربما كفرتم بعد ايمانكم﴾ [سورة التوبة: الايتان 65-66].

ايها الاخوة، الا يكفي ان الوقيعه بالعلماء هي كيفية المنافقين، الذين يبطنون خلاف ما يخرجون، الذين يريدون الفساد بالمجتمع، الذين يتربصون بالامه الدوائر، الذين يريدون فيها البلاء، الذين يخرجون الاصلاح و يبطنون الافساد. الا يكفي هذا و ازعا لنا، و ما نعا و رادعا ان نتكلم باهل العلم، او نقع فيهم، او ان يصلهم منا ما يسوءهم، او ما ينقص قدرهم، و يذهب مكانتهم.

فما ترونه من تتابع اهل البلاء، و اهل الفساد، من اصحاب الاقلام العفنة، و المنابر السيئة، من الوقيعه بالعلماء، ما هو الا لتعلموا علما يقينيا ان اولئك ما ارادوا الاصلاح، و لم يريدوا الخير، و لا الفلاح لهذه الامة، و انما ارادوا ان يفرقوا بين المجتمعات و علمائها، و ارادوا ان يفصلوا بين الامه و بين كتابها و سنه نبيها صلى الله عليه و سلم بفصلهم عن علمائهم، فلا يزالون يحاولون الوقيعه بالمجالس و المنتديات و المحافل مره بعد مرة، بقناة او باخرى.

اثر الخوض بالعلماء:

ولذا راينا اثر هذا جليا، فما انتشر الفساد، و لا البلاء، و لا كثرت المنكرات، و لا اتسع الناس بالشهوات المحرمه الا ببعدهم عن علمائهم، و لا انتشرت الشبهات و لا التساهل بالدماء، و لا الوقوع بامن المجتمعات، و لا التسلط على كثير مما يصبح سببا للفساد بالبلاد و العباد الا بسبب ترك العلماء، و الصدور عمن لا يستحق ان يصدر عنه، ممن تسلم لواء ليس له بقائد، و ليس له بمستحق.

عند هذا كله نعلم ايها الاخوه عظم هذي الكلمة، التي قد لم تتجاوز احرفا قليلة، يتكلم الانسان فيها، بعرض احد من اهل العلم، بدون حجه و لا برهان، يصبح سببا لنقل الفساد، و سببا لحصول البلاء بالامه بين المجتمع، و لتهوين شان اهل العلم عند الناس.

ولئن كان الناس اذانا صاغيه لمثل هؤلاء الذين ينعقون بالكلام باهل العلم فان بلاء عديدا سيصيب هذي الامة، و ان شرا عظيما سيحصل على المجتمع المسلم؛ لان بقاء اهل العلم و حفظ قدرهم هو بقاء للدين، و بقاء للكتاب و السنة.

وتامل يا رعاك الله ما سمعته من الحديث السابق، الذي رواه مسلم بصحيحه: «ان الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، و لكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى اذا لم يبق عالما اتخذ الناس رءوسا جهالا، فسئلوا، فافتوا بغير علم فضلوا و اضلوا» 25).

ان من يتكلم باهل العلم يريد للامه ان تصل الى هذي الدرجة؛ ان يتخلى الناس عن علمائها الربانيين، الذين ينطقون دون ما هوى، و دون ما جهل، و انما بمحض فهمهم لكتاب الله جل و علا و سنه رسوله صلى الله عليه سلم.

ان اولئك يريدون الصدود عن هؤلاء؛ ليذهب الى اهل الاهواء، و لا تسال عن بلاء الناس عند هذا الحد، فانه سوف يصبح بلاء عريض، و شر كبير.

ايها الناس، اليس يفضي ترك العلماء الى ان يؤخذ العلم ممن ليس له باهل، فياتي من يفتي الناس حسب رغباتهم، و حسب شهواتهم، و من يفتي الناس حسب ما يستقر بصدره من بغض لهذا، و من اراده سوء لذلكم المجتمع، او لذلكم البلد، او بما يصبح سببا لاستحسان السائل، و عند هذا يترك دين الله جل و علا و تتبع الاهواء، و يتبع الهوى و الشيطان، فيحصل البلاء الكبير.

لذا كان لزاما علينا ان نعلم ان اعظم شيء يصبح المرء حريصا عليه هو ان يحفظ لسانه عن الوقيعه بكل امر محرم؛ من غيبة، او نميمة، او سباب، او شتم. و ان من اعظم القول المحرم الوقيعه باهل العلم، و باهل الفضل، و باهل الديانة، الذين بهم يحفظ الكتاب، و بهم تحفظ السنة، و بهم يصبح نقل قول الله جل و علا و قول رسوله صلى الله عليه و سلم.

 

504 views