اختلاف الصحابة في عهد الرسول

اختلاف الصحابة فِي عهد الرسول

صوره اختلاف الصحابة في عهد الرسول

لم يكن فِي عهد رسول الله صلي الله عَليه وسلم ما يُمكن ان يؤدي الي الاختلاف بالمعني الَّذِي ذكرناه
ذلِك لان رسول الله صلي الله عَليه وسلم مرجع الجميع باتفاق
و مردهم فِي كُل امر يحزبهم
ومفزعهم فِي كُل شَان
وهاديهم مِن كُل حِيرة؛ فاذا اختلف الصحابة رضوان الله عَليهم فِي شَيء ردوه اليه عَليه الصلآة والسلام فبين لَهُم وجه الحق فيه
واوضحِ لَهُم سبيل الهداية
واما الَّذِين ينزل بهم مِن الامور ما لا يستطيعون رده الي رسول الله صلي الله عَليه وسلم لبعدهم عَن المدينة المنورة
فكان يقع بينهم الاختلاف كاختلافهم فِي تفسير ما يعرفونه مِن كتاب الله
او سنة رسوله صلي الله عَليه وسلم وتطبيقه علي ما نابهم مِن احداث
وقد لا يجدون فِي ذلِك نصا فتختلف اجتهاداتهم… هؤلاءَ ذا عادوا الي المدينة
والتقوا برسول الله صلي الله عَليه وسلم عرضوا عَليه ما فهموه مِن النصوص الَّتِي بَين ايديهم أو ما اجتهدوا فيه مِن القضايا
فاما ان يقرهم علي ذلِك فيصبحِ جزءا مِن سنته صلي الله عَليه وسلم
واما ان يبين لَهُم وجه الحق والصواب فيطمئنون لحكمه صلي الله عَليه وسلم
وياخذون به
ويرتفع الخلاف
ومن امثلة ذلِك ما يلي:

صوره اختلاف الصحابة في عهد الرسول

(ا ما اخرجه البخاري ومسلم ان النبي صلي الله عَليه وسلم قال يوم الاحزاب: “لا يصلين أحد العصر الا فِي بني قريظة ” فادرك بَعضهم العصر فِي الطريق
فقال بَعضهم: لا نصلي حِتّى ناتيها
اي: ديار بني قريظة.

وقال بَعضهم: بل نصلي
لم يرد منا ذلك
فذكر للنبي صلي الله عَليه وسلم
فلم يعنف واحدا مِنهم 9)
وظاهر مِن هَذا الحديث الشريف ان الصحابة رضوان الله عَليهم انقسموا الي فريقين فِي موقفهم مِن اداءَ صلآة العصر: فريق اخذ بظاهر اللفظ كَما يقول المناطقة أو بما يسميه اصوليو الحنفية ب “عبارة النص “
وفريق استنبط مِن النص معني خصصه به.

وتصويب رسول الله صلي الله عَليه وسلم للفريقين دليل علي مشروعية كُل مِن المذهبين.

صوره اختلاف الصحابة في عهد الرسول

فالمسلم اذن: لَه ان ياخذ بظاهر النص
وله ان يستنبط مِن المعاني ما يحتمله النص
ويمكن التدليل عَليه
ولا لوم علي مِن بذل جهده
وكان مؤهلا لهَذا النوع مِن الجهد
فالفريق الثاني مِن الصحابة
رضوان الله عَليهم
فهموا ان رسول الله صلي الله عَليه وسلم إنما اراد ان يامرهم بالمبالغة فِي الاسراع
ولذلِك اعتبروا ان اداءهم الصلآة قَبل الوصول الي بني قريظة لا ينافي امر رسول الله صلي الله عَليه وسلم بالصلآة فِي بني قريظة
ما دامت الصلآة لَن تؤخرهم عَن الوصول
ومن الطريف ان ابن القيم رحمه الله اورد اختلاف الفقهاءَ فِي تصويب ان مِن الفريقين
وبيان الافضل مِن فعل كُل مِنهما
فمن قائل: ان الافضل فعل مِن صلي فِي الطريق فحاز قصب السبق فِي اداءَ الصلآة فِي وقْتها وتلبية امر رسول الله صلي الله عَليه وسلم ومن قائل: ان الافضل فعل مِن اخرها ليصليها فِي بني قريظة


(10).

صوره اختلاف الصحابة في عهد الرسول

قلت: وما دام رسول الله صلي الله عَليه وسلم لَم يعنف واحدا مِنهما
فكان علي الفقهاءَ رحمهم الله ان يسعهم ذلِك مِن سنة رسول الله صلي الله عَليه وسلم
والا يخوضوا فِي امر قَد تولى
عليه الصلآة والسلام
حسمه والانتهاءَ مِنه.

(ب ومن امثلته كذلِك ما اخرجه ابو داود والحاكم مِن حِديث عمرو بن العاص رضي الله عنه
قال: احتلمت فِي ليلة باردة فِي غزوة ذَات السلاسل 11 فاشفقت ان اغتسلت ان اهلك
فتيممت ثُم صليت باصحابي الصبح
فذكروا ذلِك للنبي صلي الله عَليه وسلم فقال: “يا عمرو صليت باصحابك وانت جنب ” فاخبرته بالذي (ولا تقتلوا انفسكم ان الله كَان بكم رحيما [النساء:29]فضحك رسول الله صلي الله عَليه وسلم ولم يقل شَيئا 12).

التاويل وانواعه:

لسنا بصدد ذكر كُل ما اختلف فيه الصحابة علي عهد رسول الله صلي الله عَليه وسلم وبعده
بين اخذ بظاهر النص
وبين متدبر ومقلب لَه علي مختلف وجوهه
ومستنبط لشتي المعاني مِنه
فذلِك امر يطول
وتقصر دونه المجلدات فضلا عَن هَذا البحث
ذلِك لانهم رضوان الله عَليهم قَد فهموا مِن تلك الوقائع ان هَذا الدين يسر
وان الشرع متسع للطريقتين ومقر للمنهجين

.

والمجتهدون الحذقة
والفقهاءَ المهرة هُم الَّذِين يجتهدون فِي بيان ما يحقق كليات الشريعة
ويوصل الي مقاصدها
فاحيانا يَكون ذلِك بالاخذ بظاهر اللفظ
واحيانا يَكون بالاخذ بما وراءَ ظاهر اللفظ
وهو ما يعرف بالتاويل
ولعل مِن المفيد ان نلقي الضوء علي هَذا الموضوع
مستعرضين بايجاز انواع التاويل وضوابطه

.

ياتي التاويل مِن الاخذ بما وراءَ ظاهر اللفظ
ويَكون عبارة عن:

1 تاويل قريب:

وهو ما يُمكن معرفته بادني تامل مَع احتمال اللفظ له
مثل: اعتبار التصدق بمال اليتيم
او التبرع بِه لغيره
او اتلافه مساويا لاكله
او اولي بالتحريم الَّذِي دل عَليه قوله تعالى:

((ان الَّذِين ياكلون اموال اليتامي ظلما إنما ياكلون فِي بطونهم نارا… [النساء:10].

ومنه: اعتبار التبول فِي اناءَ ثُم صب البول فِي الماءَ الراكد مساويا للتبول المباشر فيه
الذي ورد النهي عنه بقوله صلي الله عَليه وسلم “لا يبولن احدكم فِي الماءَ الدائم
ثم يغتسل فيه “(13)
باعتبار ان كلا المعملين مؤد لتلوث الماء
واثارة الوسوسة.

2 تاويل بعيد:

وهو ما يحتاج لمعرفته والوصول اليه مزيد مِن التامل مَع كون اللفظ يحتمله
وذلِك كاستنباط ابن عباس رضي الله عنهما
ان أقل الحمل ستة اشهر مِن قوله تعالى:

((وحمله و فصاله ثلاثون شَهرا [الاحقاف:15] مَع قوله تعالى: (والوالدات يرضعن اولادهن حِولين كاملين لمن اراد ان يتِم الرضاعة [البقرة:233].

وكاستدلال الامام الشافعي علي كون الاجماع حِجة بقوله تعالى: (ومن يشاقق الرسول مِن بَعد ما تبين لَه الهدي ويتبع غَير سبيل المؤمنين نوله ما تولي ونصله جهنم وساءت مصيرا [النساء:115].

وكذلِك استدلال الاصوليين بقوله تعالى: (فاعتبروا يا اولي الابصار [الحشر:2]
علي حِجية القياس
وكونه دليلا شَرعيا
فهَذه استنتاجات وان بدت يسيرة
يتعذر الوصول اليها ما لَم يكن الانسان جوال الفكر
ثاقب النظر
كَما تَحْتاج الي تامل وتدبر لا يتيسران لعامة الناس.

3 تاويل مستبعد:

وهو ما لا يحتمله اللفظ
وليس لدي المؤول علي تاويله أي نوع مِن انواع الدلالة
وذلِك نحو تفسير بَعضهم قول الله تعالى: (وعلامات وبالنجم هُم يهتدون [النحل:16] بان النجم هُو رسول الله صلي الله عَليه وسلم
والعلامات هُم الائمة
وكتفسير بَعضهم قوله تعالى: (وما تغني الايات والنذر عَن قوم لا يؤمنون [يونس:101 بان الايات هُم الائمة
والنذر هُم الانبياء.

وكتفسير اخرين قوله تعالى: (عم يتساءلون عَن النبا العظيم [النبا:1-2] بالامام علي رضي الله عنه
وانه هُو النبا العظيم(14).

ضوابط التاويل:

ويتبين مما ذكرنا ان التاويل يحتاج بالاضافة الي القدرة علي التدبر والتامل الي ما يدل عَليه ويلجئ اليه
والا فإن الاخذ بالظواهر اسلم
ولا يطرق باب التاويل الا فِي الامور الاجتهادية
واما فِي المسائل الاعتقادية فلا مجال للاجتهاد فيها
فان الاخذ بظواهر النصوص مَع تفويض المعاني المرادة مِنها
وما قَد تدل عَليه مِن كَيفيات هُو الاسلم دائما
وهو موقف السلف رضوان الله عَليهم.

وعِند الاضطرار الي التاويل لا بد مِن فهم النص وتحليله
ومعرفة سائر اوجه دلالته الَّتِي تشهد لَها اللغة
وتدعمها مقاصد الشريعة
وتساعد عَليها كلياتها وقواعدها العامة
ولذلِك كَان الحكم باعتبار النص علي ظاهره أو تحليله لمعرفة ما يستلزمه مِن وجوه الدلالات مِن أهم ضروب الاجتهاد الفقهي والاعتبار الشرعي المامور بِه فِي قوله تعالى: (فاعتبروا يا اولي الابصار [الحشر:2 ].

ان ابن عباس رضي الله عنهما عِند بيانه ضوابط التفسير قَد ذكر أنه علي اربعة اوجه:

· فوجه تعرفه العرب بِكُلامها.

· ووجه لا يعذر أحد بجهالته.

· ووجه يعلمه العلماء.

· ووجه لا يعلمه الا الله.

وعلي ذلك
فان التاويل
وقد اتضحِ فيما تقدم معناه وانواعه
قد ظهرت الصلة الوثقي بينه وبين التفسير؛ فقد جاءَ كُل مِنهما فِي موضع الاخر فِي كثِير مِن إستعمالات الشارع الحكيم
وذلِك فِي نحو قوله تعالى: (وما يعلم تاويله الا الله
والراسخون فِي العلم يقولون امنا بِه [ال عمران:7].

فقد ذهب معظم المفسرين الي ان المراد بالتاويل هُنا التفسير والبيان ومنهم: الطبري الَّذِي نقل ذلِك عَن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره مِن السلف.

كذلِك ورد فِي دعاءَ رسول الله صلي الله عَليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: “اللهم فقهه فِي الدين
وعلمه التاويل” استعمل التاويل بمعني التفسير والبيان
وان كَان بَعض العلماء
كالراغب الاصفهاني فِي مفرداته
قد اعتبر التفسير اعم مِن التاويل
كَما أنه نبه الي ان التفسير أكثر ما يستعمل فِي بيان الالفاظ وشرحها
وان التاويل يكثر إستعماله فِي بيان المعاني والجمل.

كَما اشار كذلِك الي ان التاويل يغلب اطلاقه علي استنباط المعاني مِن نصوص الكتاب والسنة
اما التفسير فيتناول استنباط المعاني مِنها ومن غَيرها.

ولعل هَذه الصلة الوثقي بَين الاصطلاحين فِي إستعمال الكتاب والسنة لهما خاصة
تبيحِ لنا استعارة الضوابط الَّتِي وَضعها اهل الاختصاص للتفسير كضوابط للتاويل كذلك.

ان مما لا شَك فيه أنه قَد وردت فِي كتاب الله امور قَد استاثر الله تعالي بعلمها
كمعرفة حِقائق الاسماءَ والصفات
وتفاصيل الغيب ونحو ذلك


كَما ان هُناك امورا اخري اطلع عَليها نبيه صلي الله عَليه وسلم واختصه بمعرفتها


ولا شَك ان مِثل هَذه الامور
ليس لاحد ان يخوض فيها بتفسير أو تاويل

بل عَليه ان يلزم حِدود ما ورد فيها فِي كتاب الله وسنة رسوله صلي الله عَليه وسلم.

وهُناك قسم ثالث: وهو عبارة عَن العلوم الَّتِي علمها الله لنبيه صلي الله عَليه وسلم مما اودع فِي كتابه،وامر نبيه صلي الله عَليه وسلم بتعليمها وبيانها
وهَذا القسم يشتمل علي نوعين:

الاول:

وهو ما لا يجوز الخوض فيه الا بطريق السمع
كاسباب النزول والناسخ والمنسوخ وغيره.

الثاني:

ما يؤخذ بطريق النظر والاستدلال
وهَذا أيضا لاهل الاختصاص فيه موقفان:

(ا فقسم مِنه اختلفوا فِي جواز تاويله
كايات الاسماءَ والصفات
ومذهب السلف: مَنع التاويل
وهو الصحيح.

(ب وقسم اتفقوا علي جوازه
وهو استنباط الاحكام الشرعية مِن ادلتها التفصيلية
وهو المسمي ب “الفقه “.

هَذا وقد وَضع العلماءَ للتاويل والتفسير شَروطا مِنها:

اولا: الا يرفع التاويل ظاهر المعني المفهوم مِن اللفظ حِسب القواعد اللغوية
واعراف العرب فِي التخاطب بهَذه الالفاظ.

ثانيا الا يناقض نصا قرانيا.

ثالثا: الا يخالف قاعدة شَرعية مجمعا عَليها بَين العلماءَ والائمة.

رابعا وجوب مراعآة الغرض الَّذِي سيق النص لَه مِن خِلال سَبب النزول أو الورود.

اما انواع التاويل الباطلة والمردودة
فيمكن ادراجها ضمن الاقسام التالية:

الاول التاويل والتفسير الصادران عَن غَير المؤهل لذلِك ممن ليس لديه تحصيل علمي كاف فِي اللغة والنحو
وبقية لوازم التاويل.

الثاني تاويل المتشابهات بِدون سند صحيح.

الثالث التاويلات الَّتِي مِن شَانه ان تقرر مذاهب فاسدة مخالفة لظواهر الكتاب والسنة
او لما اجمع عَليه المسلمون.

الرابع التاويل مَع القطع بان مراد الشارع ذلك
دون دليل.

الخامس التاويل القائم علي الهوى
كتاويلات الباطنية وامثالهم.

وهَذه التاويلات المردودة كلها تندرج تَحْت ما سبق ان ذكرناه مِن التاويل المستبعد.

اهل الاجتهاد مِن الصحابة:

ونظرا لاهمية الاجتهاد وخطورته
وما يترتب عَليه مِن اثار
لم يكن يمارسه مِن اصحاب رسول الله صلي الله عَليه وسلم الا الاكفاءَ القادرون.

وحين يمارسه غَيرهم فيخطئ
كان عَليه الصلآة والسلام ينكر ذلِك ولا يقر احدا عَليه.

واخرج ابو داود والدارقطني مِن حِديث جابر قال: خرجنا فِي سفر فاصاب رجلا منا حِجر فِي راسه
ثم احتلم
فسال اصحابه هَل تجدون رخصة لِي فِي التيمم فقالوا: ما نجد لك رخصة وانت تقدر علي الماء
فاغتسل فمات
فلما قدمنا رسول الله صلي الله عَليه وسلم اخبر بذلك
فقال عَليه الصلآة والسلام: “قتلوه قتلهم الله
الا سالوا اذ لَم يعلموا فإنما شَفاءَ العي السؤال
إنما كَان يكفيه ان يتيمم
ويعصر أو يعصب – شَك مِن راوي الحديث – علي جرحه خرقة
ثم يمسحِ عَليها ويغسل سائر جسده… ” 15 فالرسول عَليه الصلآة والسلام – لَم يعذر المفتين هُنا – مِن اصحابه
بل عنفهم وعاب عَليهم أنهم افتوا بغير علم
واعتبرهم بمثابة القتلة لاخيهم
واوضحِ ان الواجب علي مِن كَان مِثلهم فِي “العي” – أي الجهل والتحير – السؤال لا المسارعة الي الفتوي ولو بغير علم
والذي نبه اليه رسول الله صلي الله عَليه وسلم حَِول ضرورة السؤال هُو ما ورد فِي القران العظيم نفْسه فِي قوله تعالى: (فاسالوا اهل الذكر ان كنتم لا تعلمون [النحل:43].

  • اجمل لقطة في عهد الصحابة
  • اختلاف الصحابة عند الرسول
  • اختلاف الصحابة في عهد الرسول
  • اختلاف الصحابة في عهد رسول الله
اختلاف الرسول الصحابة عهد 143 مشاهده
1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...