3:31 مساءً الأربعاء 19 ديسمبر، 2018

احوال النبي في الحج



احوال النبى في الحج

صوره احوال النبي في الحج

امر الله تعالى عباده باتباع نبيه صلى الله عليه و سلم فقال عز و جل وما اتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا الحشر: 7)،

و جعله سبحانه قدوه حسنه لهم فقال: لقد كان لكم في رسول الله اسوه حسنه لمن كان يرجو الله و اليوم الاخر و ذكر الله كثيرا الاحزاب: 21).

والحج من اوضح عبادات الاسلام التى يتجلي فيها اتباع النبى صلى الله عليه و سلم و التاسى به،

و الملحوظ في و اقع الناس اليوم سيطره الحديث عن الاحكام و انشغالهم بتعداد الاخطاء التى تقع فيه،

و ما يصح به النسك او يبطل،

و مع اهميه هذا الجانب و ضرورته نتيجه تفشى الجهل و دوران صحه العمل او بطلانه على ذلك،

الا انه ادي الى نسيان الكثير من جوانب التاسى بالنبى صلى الله عليه و سلم،

و اغفال اعداد غفيره من الحجيج لمعان كثيره راعاها النبى صلى الله عليه و سلم اثناء ادائه لنسكه،

و في ظل هذا الغياب اصبح المرء يري في الحج العديد من المظاهر التى يقع فيها كثير من طلبه العلم الحريصين على تطبيق السنه فضلا عن غيرهم،

و هى غير متفقه مع هديه صلى الله عليه و سلم،

و لذا جاءت هذه المقاله لتحاول اعطاء توصيف اشمل و صوره ادق عن احواله صلى الله عليه و سلم في الحج لعل في ذلك مزيد عون للمتاسين به صلى الله عليه و سلم،

و السائرين على نهجه.

و نظرا لكثره الحديث عن صفه نسكه صلى الله عليه و سلم فلن تتعرض المقاله لذلك،

و ستكتفى بابراز نماذج و اشارات عامه في الجوانب الاخري نظرا لكون الموضوع اوسع من ان تحيط به مقاله او تكفى في عرضه الموارد المعتمدة.

ورغبه في تقريب الموضوع و لم شتاته للقارئ فسيكون في ثلاثه محاور رئيسه الاول: احوال النبى صلى الله عليه و سلم في الحج مع ربه:

لم يشغل النبى صلى الله عليه و سلم تعليم الحجيج و قيادتهم و العنايه باهل بيته و رعايه زوجاته عن الصله بربه و الانكسار بين يديه،

و قد اخذ ذلك صورا و اشكالا شتي من ابرزها:

صوره احوال النبي في الحج

1 – تحقيق التوحيد و العنايه به:

يعد التوحيد احد القضايا الرئيسه التى عمل النبى صلى الله عليه و سلم في الحج على تحقيقها و العنايه بها،

و هذا جلى من خلال التامل في اعماله صلى الله عليه و سلم في الحج،

و من ذلك: التلبيه و هى شعار الحج التى تتضمن افراد الله و حده لا شريك له بالعمل،

و استمر صلى الله عليه و سلم يلهج بها منذ دخوله في النسك الى حين رميه لجمره العقبه يوم النحر.

ومنها: عنايته صلى الله عليه و سلم باخلاص العمل و سؤاله ربه ان يجنبه الرياء و السمعه كما في حديث انس رضى الله عنه مرفوعا قال: «اللهم حجه لا رياء فيها و لا سمعة»[1].

ومنها: دعاؤه صلى الله عليه و سلم على الصفا و المروه بالتوحيد كما في حديث جابر رضى الله عنه قال: «فبدا بالصفا فرقي عليه حتى راى البيت،

فاستقبل القبله فوحد الله و كبره،

و قال: لا اله الا الله و حده لا شريك له،

له الملك،

و له الحمد،

و هو على كل شيء قدير،

لا اله الا الله و حده… قال مثل هذا ثلاث مرات… حتى اتي المروه ففعل على المروه كما فعل على الصفا..»[2].

2 – اظهار البراءه من المشركين و تعمد مخالفتهم:

حرص النبى صلى الله عليه و سلم على مخالفه المشركين و السير على سنه ابينا ابراهيم عليه السلام في كثير من شعائر الحج و احكامه،

و وصل الامر غايته حين تبرا صلى الله عليه و سلم من اعمال المشركين في خطبته يوم عرفه و اخبر ان كل شيء من امر الجاهليه فهو موضوع تحت قدميه[3].

و الشعائر التى بان فيها تعمده المخالفه كثيره من اهمها: التلبيه و قد كان المشركون يضمنونها الشرك بالله و يقولون فيها: الا شريكا هو لك تملكه و ما ملك)؛

فاخلص النبى صلى الله عليه و سلم فيها التوحيد،

و نبذ الشرك و تبرا منه[4].

ومنها: و قوفه مع الناس بعرفه و مخالفته لكفار قريش الذين كانوا يقفون في مزدلفة

ويقولون: لا نفيض الا من الحرم[5].

ومنها: افاضته من مزدلفه قبل طلوع الشمس مخالفا المشركين الذين كانوا لا يفيضون منها حتى تطلع الشمس،

و يقولون: اشرق ثبير كيما نغير[6].

3 – كثره التضرع و المناجاه و الدعاء:

للدعاء منزله رفيعة؛

اذ هو «اظهار غايه التذلل و الافتقار الى الله و الاستكانه له»[7]،

و لذا قال النبى صلى الله عليه و سلم: «الدعاء هو العبادة»[8]،

و قد كان للنبى صلى الله عليه و سلم في الحج منه اوفر الحظ و النصيب؛

فقد دعا ربه في الطواف[9]،

و عند الوقوف على الصفا و المروه و اطال في الدعاء يوم عرفه و هو على ناقته رافعا يديه الى صدره كاستطعام المسكين منذ ان استقر في مقامه الذى و قف فيه بعد الصلاه الى ان غربت الشمس،

و في مزدلفه في المشعر الحرام منذ ان صلى الفجر الى ان اسفر جدا قبل ان تطلع الشمس [10]،

و في ايام التشريق بعد رمى الجمرتين الاوليين كان يستقبل القبله و يقوم طويلا يدعو و يرفع يديه[11].

هذا شيء مما نقل عنه في دعاء المسالة.

اما دعاء الثناء و الذكر فلم يفارقه صلى الله عليه و سلم منذ ان دخل في النسك الى ان عاد الى المدينة؛

اذ لم يزل صلى الله عليه و سلم رطب اللسان بذكر الله مكثرا من الثناء على الله بما هو اهله من تلبيه و تكبير و تهليل و تسبيح و تحميد راكبا و ما شيا و في كل احواله صلى الله عليه و سلم كما هو جلى لمن قرا صفه حجه صلى الله عليه و سلم و تتبع احواله فيه[12].

ومن الاهميه بمكان التنبيه على ان المنقول من دعائه صلى الله عليه و سلم و تضرعه و ثنائه على ربه في الحج قليل جدا بالنسبه لما لم ينقل؛

اذ الاصل ان ذلك سر بين العبد و ربه،

و انما جهر صلى الله عليه و سلم بما جهر به حين كان يريد تاسى امته به،

و الا فان ذكر الله من غايات الحج و مقاصده العظام كما يلمح ذلك من قوله عز و جل: فاذا افضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام و اذكروه كما هداكم وان كنتم من قبله لمن الضالين ثم افيضوا من حيث افاض الناس و استغفروا الله ان الله غفور رحيم فاذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم اباءكم او اشد ذكرا البقرة: 198-200)،

بل ان اعمال الحج و شعائره انما شرعت لذكر الله تعالى كما يدل عليه حديث عائشه رضى الله عنها مرفوعا: «انما جعل الطواف بالبيت و بين الصفا و المروه ورمى الجمار لاقامه ذكر الله»[13]،

و قول رسول الله صلى الله عليه و سلم: «ايام التشريق ايام اكل و شرب و ذكر لله»[14].

4 – التوقف عند حدود الله عز و جل:

الوقوف عند حدود الله تعالى غايه التقوي و دليل صدق الايمان و علامه كمال العبوديه و قد كان النبى صلى الله عليه و سلم اعلم الناس بحدود ربه،

و اتقاهم له،

و اكثرهم تعظيما لحرماته،

و قد لاح ذلك في الحج في مواقف شتى،

منها: عندما لم يحل من احرامه مراعاه لاصحابه؛

لانه ساق الهدي؛

و ذلك انه صلى الله عليه و سلم امر من لم يسق الهدى من اصحابه بان يحلوا احرامهم و يجعلوا حجهم عمرة؛

فتاخروا في ذلك ظنا منهم انه لم يعزم عليهم في ذلك و انما ابان لهم الجواز،

و قال بعضهم معبرا عن عدم رغبته في الحل من الاحرام: «ناتى عرفه تقطر مذاكيرنا المني»

فقام النبى صلى الله عليه و سلم فيهم حين بلغه ذلك فقال: «قد علمتم انى اتقاكم لله و اصدقكم و ابركم،

و لولا هديى لحللت كما تحلون فحلوا»[15].

ومنها قوله صلى الله عليه و سلم عن زوجه صفيه رضى الله عنها حين حاضت ليله النفر و قبل ان يعلم انها طافت طواف الافاضه يوم النحر: «ما اراها الا حابستكم»[16] مع ما في ذلك من الحرج الشديد له امام الخلق؛

اذ كيف يحبس الناس عن النفير بسببها؟!

5 – الخشوع و السكينة:

يدرك حضور القلب و خشوعه بسكون الجوارح و وقارها؛

اذ الظاهر عنوان الباطن[17]،

و قد جمع النبى صلى الله عليه و سلم في حجه بين الامرين؛

فكان حاضر القلب غير متشاغل بشيء عن نسكه،

خاضعا لربه فيه،

ذليلا منكسرا بين يدى مولاه،

مكثرا من التضرع و المناجاه مع اطاله للقيام و رفع لليدين اثناء ذلك[18].

كما كان النبى صلى الله عليه و سلم خاشع الجوارح يسير سيرا لينا بسكينه و وقار،

و يؤدى مناسكه بتؤده و اطمئنان،

يدل على ذلك حديث جابر رضى الله عنه قال: «افاض رسول الله صلى الله عليه و سلم و عليه السكينة»[19]،

و حديث عبدالله بن عباس رضى الله عنهما «انه دفع مع النبى صلى الله عليه و سلم يوم عرفه فسمع النبى صلى الله عليه و سلم و راءه زجرا شديدا و ضربا و صوتا للابل،

فاشار بسوطه اليهم،

و قال: ايها الناس عليكم بالسكينة؛

فان البر ليس بالايضاع»[20].

6 – الاستكثار من الخير و مباشرته:

حث الله عباده على التزود من التقوي و التسابق في الخيرات،

فقال عز و جل: وتزودوا فان خير الزاد التقوي و اتقون يا اولى الالباب البقرة: 197)،

و قد كان هذا هدى النبى صلى الله عليه و سلم في الحج و ديدنه فيه،

و من المظاهر الداله على ذلك: حرصه صلى الله عليه و سلم على المجيء بمستحبات النسك كالاغتسال للاحرام[21]،

و التطيب عند الاهلال به و عند الخروج منه[22]،

و اشعار الهدى و تقليده[23]،

و الاكثار من التلبيه و الجهر بها حتى رمى جمره العقبة[24]،

و بدء البيت بالطواف[25]،

و الرمل فيه[26]،

و الاستلام للركنين[27]،

و صلاه ركعتى الطواف خلف المقام[28]،

و الدعاء على الصفا و المروه و السرعه الشديده في بطن الوادي[29]،

و الذكر عند استلام الركنين ورمى الجمار[30]،

و غيرها من السنن كثير.

7 – التوازن و الاعتدال:

خير الامور الوسط،

و كلا طرفى قصد الامور ذميم،

و قد كان من ابرز احوال المصطفي صلى الله عليه و سلم و ما تجلي من خلقه في الحج التوازن و الاعتدال،

و كراهيه الافراط و التفريط،

و لعل الذى يعنينا من ذلك في حاله مع ربه عز و جل امران:

الاول: اعتداله صلى الله عليه و سلم و موازنته بين العنايه بنفسه من خلال قوه صلته بربه من جهه [31]،

و بين التعليم لامته و قيادتها،

و الرعايه لزوجاته و الحنو على اهل بيته من جهه اخري [32].

الثاني: اعتداله صلى الله عليه و سلم و موازنته بين كل من حقوق روحه

وجسده؛

اذ في ذلك الجو الايمانى المهيب الذى قد يدفع الكثيرين الى التفريط في حق الجسد و الافراط في حق الروح نجده صلى الله عليه و سلم معتنيا بجسده غايه العناية؛

اذ صعد يوم الترويه الى مني ليقرب من عرفة[33]،

و نام ليله عرفه و مزدلفة[34]،

و افطر يوم عرفة[35]،

و ترك ليله جمع صلاه النافلة[36]،

و استظل فيه بقبه من شعر ضربت له قبل[37]،

و ركب في تنقلاته بين المشاعر[38] و اثناء قيامه ببعض اعمال الحج[39]،

و اتخذ صلى الله عليه و سلم من يخدمه و يقوم بامره[40]… و نحو ذلك من الامور التى ترفق بالجسد،

و تمكنه من التقوى على العباده و اداء النسك بحضور قلب و تدبر و خشوع و طمانينة.

8 – الزهد في الدنيا:

كان النبى صلى الله عليه و سلم زاهدا في الدنيا،

معرضا عما لا ينفع في الاخره منها،

و مظاهر زهده صلى الله عليه و سلم في الحج بالدنيا و تعلق قلبه بالاخره كثيره لا تكاد تحصى،

و من ابرزها: انه حج على رحل رث و قطيفه تساوى اربعه دراهم او لا تساوي[41].

ومنها: اردافه صلى الله عليه و سلم على راحلته امام الحجيج اسامه بن زيد رضى الله عنهما من عرفه الى مزدلفه و الفضل بن العباس رضى الله عنهما من مزدلفه الى منى[42].

ومنها: عدم تميزه في الموسم عن الناس بشيء،

و اعظم ما تجلي فيه ذلك انه صلى الله عليه و سلم «جاء الى السقايه فاستسقي فقال العباس: يا فضل

اذهب الى امك فائت رسول الله صلى الله عليه و سلم بشراب من عندها،

فقال: اسقني،

قال: يا رسول الله

انهم يجعلون ايديهم فيه.

قال: اسقني،

فشرب منه»[43]،

و في روايه انهم حين قالوا: ناتيك به من البيت قال: «لا حاجه لى فيه،

اسقونى مما يشرب منه الناس»[44].

ومنها: عظم هديه؛

اذ قرب ما ئه بدنة[45]،

و من تعلق قلبه بالدنيا فانه لا يخرج شيئا فوق الحد الواجب.

ومنها: جمعه بين الهدى و الاضحية[46] مع ان الهدى يجزئ الحاج عنها.

الثاني: احوال النبى صلى الله عليه و سلم في الحج مع امته:

عجب امر رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحج؛

اذ قام بتعليم الناس و قيادتهم في ان واحد؛

و مع ذلك فما انت مريد ان تري شيئا فعله صلى الله عليه و سلم معهم على خلاف الاولي الا و انت عاجز عن ذلك.

وكل احواله صلى الله عليه و سلم و الوظائف التى قام بها مع امته داله على عظمته و علو مرتبته،

و لعل من ابرز ذلك:

1 – التعليم:

بعث الله رسوله صلى الله عليه و سلم «معلما ميسرا»[47]،

و قد بلغ الغايه في ذلك،

فشهد له الناس بانه ما راى الخلق «معلما قبله و لا بعده احسن تعليما منه»[48]،

و من تامل حجه صلى الله عليه و سلم و جد انه هو ذلك المعلم الموصوف بعينه؛

اذ امر صلى الله عليه و سلم بان يؤذن قبل الحج في الناس بانه صلى الله عليه و سلم يريد الحج ليسهل على من يريد مرافقته السفر معه،

فقدم المدينه بشر كثير كلهم يلتمس ان ياتم به و ياخذ عنه[49]،

فاختلط بالناس و اشرف لهم،

و برز طوال الموسم[50]،

و كان احد لا يصرف عنه و لا يدفع[51]،

و لم يكن حوله ضرب و لا طرد و لا قول: اليك اليك[52].

وحرص صلى الله عليه و سلم على البلاغ و اقامه الحجه على الخلق فحفزهم على التعلم،

و شحذ هممهم،

و شد انتباههم الى ما يقول و يفعل بتنويع اساليب الخطاب و طرق التعليم،

و امره لهم باخذ المناسك عنه لاحتمال ان تكون حجته الاخيرة[53]،

و مطالبته اياهم بالشهاده له بالبلاغ؛

اذ مرارا ما خاطبهم بعد ان يتم تعليمهم قائلا: «الا هل بلغت؟»[54]،

فيشهد الناس له بذلك قائلين: «نشهد انك قد بلغت و اديت و نصحت»[55].

ولم يقتصر صلى الله عليه و سلم على البلاغ و التعليم بنفسه،

بل اتخذ من يبلغ عنه[56]،

و ارسل الرسل لذلك[57].

وابرز الامور التى اهتم النبى صلى الله عليه و سلم بتعليم الناس اياها هى احكام المناسك التى جمع فيها النبى بين البيان و التطبيق العملي[58].

ومن ذلك: بيان منزله اركان الاسلام و مبانيه العظام؛

اذ قال صلى الله عليه و سلم في احدي خطبه في الموسم: «اتقوا ربكم،

و صلوا خمسكم،

و صوموا شهركم،

و ادوا زكاه اموالكم،

و اطيعوا ذا امركم تدخلوا جنه ربكم»[59].

ومن ذلك: بيان خطوره الشرك و بعض المحرمات العظام؛

اذ قال صلى الله عليه و سلم: «انما هن اربع: لا تشركوا بالله شيئا،

و لا تقتلوا النفس التى حرم الله الا بالحق،

و لا تسرقوا،

و لا تزنوا»[60].

2 – الافتاء:

من اهم احوال النبى صلى الله عليه و سلم و الاعمال التى تقلب فيها مع الناس في الحج تبيين المشكل عليهم من الاحكام و الجواب عن استفساراتهم،

و من اشهر فتاويه صلى الله عليه و سلم في الحج «ان امراه من خثعم قالت: يا رسول الله

ان ابى شيخ كبير عليه فريضه الله في الحج و هو لا يستطيع ان يستوى على ظهر بعيره،

فقال النبى صلى الله عليه و سلم: فحجى عنه»[61]،

و قوله صلى الله عليه و سلم لكل من ساله عن التقديم و التاخير في اعمال يوم النحر: «افعل و لا حرج»[62].

والملحوظ: في افتائه صلى الله عليه و سلم في الموسم امور من اوضحها:

وقوفه صلى الله عليه و سلم للناس و بروزه لهم ليروه و يسالوه[63].

ومنها: جنوحه الى التيسير في فتاويه[64] و التخفيف على ذوى الحاجات[65].

ومنها: حرصه صلى الله عليه و سلم على الاقناع لمن يستفتيه كقوله صلى الله عليه و سلم لرجل قال له: «يا رسول الله

ان ابى ادركه الاسلام،

و هو شيخ كبير لا يثبت على راحلته،

افاحج عنه

قال: ارايت لو كان عليه دين فقضيته عنه اكان يجزيه

قال: نعم.

قال: فاحجج عن ابيك»[66].

ومنها: صبره صلى الله عليه و سلم على السائلين و احتماله لاذاهم مع الرفق و الرحمه بهم[67].

3 – الوعظ:

كان للنبى صلى الله عليه و سلم في الوعظ اليد الطولي و القدح المعلى؛

اذ بعثه الله مبشرا و نذيرا،

فارشد امته الى الخير و رغبها فيه،

و نهاها عن الشر و رهبها منه.

وفى الحج كان للوعظ و التوجيه ميدان فسيح و وجود ظاهر،

حتي ان النبى صلى الله عليه و سلم اعاد التذكير ببعض القواعد و الامور الهامة[68] من غير ما تكلف اكثر من مره و قد تناول و عظه صلى الله عليه و سلم موضوعات عده كان من اهمها:

التزهيد في الدنيا؛

اذ قال صلى الله عليه و سلم قبل الغروب بعرفات: «ايها الناس

انه لم يبق من دنياكم فيما مضي منها الا كما بقى من يومكم هذا فيما مضي منه»[69].

ومنها: الامر بالتقوي و الدلاله على ما يدخل المرء الجنة؛

اذ قال صلى الله عليه و سلم: «اتقوا ربكم،

و صلوا خمسكم؛

و صوموا شهركم،

و ادوا زكاه اموالكم،

و اطيعوا ذا امركم تدخلوا جنه ربكم»[70].

ومنها: بيان ان لا احد يحمل جريره احد،

و ان المسؤوليه امام المولي عز و جل فردية؛

اذ قال صلى الله عليه و سلم: «الا لا يجنى جان الا على نفسه،

لا يجنى و الد على و لده،

و لا مولود على و الده» [71].

ومنها: الترغيب في ترك الفسوق و العصيان اثناء النسك و الاشتغال بما ينفع؛

اذ قال صلى الله عليه و سلم: «من حج هذا البيت فلم يرفث و لم يفسق رجع كيوم و لدته امه» [72]،

و قوله صلى الله عليه و سلم: «ليس البر بايضاع الخيل و لا الركاب» [73].

ومنها: التحذير من الغلو؛

اذ قال صلى الله عليه و سلم: «يا ايها الناس

اياكم و الغلو في الدين؛

فانما اهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» [74] .

ومنها: الوصايه بالضعفاء من النساء و الارقاء و الامر بالاحسان اليهم؛

اذ قال صلى الله عليه و سلم: «فاتقوا الله في النساء؛

فانكم اخذتموهن بامان الله،

و استحللتم فروجهن بكلمه الله» [75]،

و جاء في حديث مرفوع: «ارقاءكم ارقاءكم ارقاءكم اطعموهم مما تاكلون،

و البسوهم مما تلبسون؛

فان جاؤوا بذنب لا تريدون ان تغفروه فبيعوا عباد الله و لا تعذبوهم» [76].

4 – توحيد الامه و تحذيرها من الفتن و دواعى الافتراق:

كان الحج بما يحمل في طياته من و حده بين افراد الامه في الشعور و المشاعر فرصه سانحه لتوحيد الامه و تحذيرها من الفتنه و دواعى الفرقه و قد اهتم النبى صلى الله عليه و سلم بهذا الامر و اولاه عنايته،

و قد اخذ ذلك الاهتمام مظاهر شتي من ابرزها:

تسويته صلى الله عليه و سلم بين افراد الامه و عدم تمييزه بينهم الا بالتقوى؛

اذ قال صلى الله عليه و سلم: «ان ربكم واحد،

و اباكم واحد؛

الا لا فضل لعربى على عجمي،

و لا لعجمى على عربي،

و لا لاسود على احمر،

و لا احمر على اسود الا بالتقوى» [77].

ومنها: امره صلى الله عليه و سلم بالسمع و الطاعه لمن يقيم كتاب الله عز و جل،

و لزوم الجماعه و النصح للائمة؛

حيث قال صلى الله عليه و سلم: «ان امر عليكم عبد مجدع اسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له و اطيعوا» [78]،

و قال صلى الله عليه و سلم بالخيف من منى: «ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: اخلاص العمل لله،

و النصيحه لولاه المسلمين،

و لزوم جماعتهم؛

فان دعوتهم تحيط من و رائهم» [79].

ومنها: تحذيره صلى الله عليه و سلم من الاستجابه لتحريش الشيطان؛

حيث قال صلى الله عليه و سلم: «ان الشيطان قد ايس ان يعبده المصلون في جزيره العرب،

و لكن في التحريش بينهم» [80].

ومنها: نهيه صلى الله عليه و سلم عن الابتداع في الدين؛

اذ قال صلى الله عليه و سلم محذرا امته: «الا و انى مستنقذ اناسا،

و مستنقذ منى اناس فاقول: يارب اصيحابي

فيقول: انك لا تدرى ما احدثوا بعدك» [81].

ومنها: نهيه صلى الله عليه و سلم عما يسبب الفرقه و يؤدى الى الفتنه في المجتمع المسلم كالاقتتال؛

حيث قال صلى الله عليه و سلم بعد ان استنصت الناس: «لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» [82].

وكالاستهانه بدماء الاخرين و اموالهم و اعراضهم؛

حيث قال صلى الله عليه و سلم في خطبه الثلاث في عرفه و يوم النحر و اوسط ايام التشريق: «فان دماءكم و اموالكم و اعراضكم بينكم حرام كحرمه يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» [83].

وكالظلم و اخذ اموال الناس بغير طيب نفس منهم؛

حيث قال صلى الله عليه و سلم: «اسمعوا منى تعيشوا: الا لا تظلموا،

الا لا تظلموا،

الا لا تظلموا؛

انه لا يحل ما ل امرئ مسلم الا بطيب نفس منه» [84].

5 – التربيه على الاتباع و توحيد مصدر التلقي:

الاسلام هو الخضوع و الذل لله و حده و الاذعان لما جاء به رسوله صلى الله عليه و سلم،

و لا تثبت قدم احد فيه ما لم يسلم لنصوص الوحي،

و ينقاد اليها و لا يعترض على شيء منها [85]،

و الحج ايه في الانقياد و مدرسه في التسليم و الاستسلام،

ربي النبى صلى الله عليه و سلم فيه اصحابه رضى الله عنهم على توحيد متابعته،

و غرس في نفوسهم ضروره التاسى به.

يقول جابر رضى الله عنه و اصفا الحال: «ورسول الله صلى الله عليه و سلم بين اظهرنا،

و عليه القران ينزل،

و هو يعرف تاويله،

و ما عمل من شيء عملنا به» [86]،

فانتجت تلك التربيه العظيمه ثمرات يانعه مباركة.

ومظاهر تربيته صلى الله عليه و سلم في الحج لاصحابه رضى الله عنهم على المتابعه و الاقتصار في الاخذ و التلقى على نصوص الوحى كثيره من ابرزها:

مطالبته صلى الله عليه و سلم الحجيج في مواطن عده خلال الموسم بالتاسى به و تحفيزه اياهم على ذلك بذكر احتمال ان تكون حجته تلك اخر حجه له؛

اذ قال صلى الله عليه و سلم مرارا: «لتاخذوا مناسككم؛

فانى لا ادرى لعلى لا احج بعد حجتى هذه» [87].

ومنها: حثه صلى الله عليه و سلم الناس في خطبته يوم عرفه على الاعتصام بالتنزيل و التمسك به؛

لان ذلك طريق الوقايه من الزيغ و الضلال؛

حيث قال صلى الله عليه و سلم: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده ان اعتصمتم به: كتاب الله» [88].

ومنها: تحذيره صلى الله عليه و سلم امته من اتباع الاهواء و الابتداع في الدين؛

اذ قال صلى الله عليه و سلم و هو و اقف على ناقته بعرفات: «الا و انى فرطكم على الحوض،

و اكاثر بكم الامم؛

فلا تسودوا و جهي،

الا و انى مستنقذ اناسا و مستنقذ منى اناس،

فاقول: يا رب اصيحابي،

فيقول: انك لا تدرى ما احدثوا بعدك» [89].

6 القياده الناجحه و المعامله الحسنة:

جمل الله تعالى رسوله صلى الله عليه و سلم بكمالات الاخلاق،

و زينه باجل الاداب،

فامتلك لذلك مقومات القياده الناجحه و الاساليب المثلي للمعامله الحسنه فهوت لذلك اليه الافئده و تدافع عليه الناس حين بلغهم عزمه على الحج كل يريد السير في رعايته و تحت لوائه،

فحج معه اكثر من ما ئه الف انسان [90] كل يريد ان ياتم به و يعمل مثل عمله [91] فاثر صلى الله عليه و سلم في نفوسهم اعمق تاثير،

و وجههم احسن توجيه،

و قادهم اعظم قياده عرفتها البشرية.

ولن تستطيع هذه الكلمات القليلات الاتيان على كافه جوانب عظمته صلى الله عليه و سلم في قياده تلك الافواج الضخمه من الحجيج و ابراز تعامله الفذ معها؛

و لذا فستقتصر على ذكر اشارات و تجليه جوانب مختصره لتكون انموذجا لما خلفها و دليلا على ما و راءها،

و ذلك فيما يلي:

ا – جعله صلى الله عليه و سلم من نفسه قدوه حسنة:

عاب الله عز و جل على بعض عباده قول الخير و الامر به دون فعله،

فقال سبحانه: اتامرون الناس بالبر و تنسون انفسكم و انتم تتلون الكتاب افلا تعقلون البقرة: 44)،

و لان خلق رسول الله صلى الله عليه و سلم كان القران [92]؛

فما كان عليه الصلاه و السلام ليامر امته بامر الا و كان اسبقهم اليه،

و ما كان لينهاهم عن شيء الا و كان ابعدهم منه،

و في الحج تجلي لديه صلى الله عليه و سلم هذا الخلق السامى في مواقف عده من ابرزها:

ما جاء في خطبه الوداع حين قال صلى الله عليه و سلم: «الا كل شيء من امر الجاهليه تحت قدمى موضوع،

و دماء الجاهليه موضوعه وان اول دم اضع من دمائنا دم ابن ربيعه بن الحارث كان مسترضعا في بنى سعد فقتلته هذيل،

و ربا الجاهليه موضوع،

و اول ربا اضع ربانا ربا عباس بن عبدالمطلب فانه موضوع» [93].

ومنها: انه صلى الله عليه و سلم في الوقت الذى كان يحث اصحابه على بر الحج و الاشتغال بالطاع و الخضوع لله عز و جل و الانكسار بين يديه سبحانه[94] كان اكثرهم تقربا و خشيه و اعظمهم ذلا لله تعالى و ضراعه بين يديه [95].

ومنها: انه صلى الله عليه و سلم في الوقت الذى كان يحث اصحابه على الزهد في الدنيا و التعلق بالاخره [96] كان يحج على رحل رث و قطيفه لا تكاد تساوى اربعه دراهم [97].

ومنها: انه صلى الله عليه و سلم امر بترك المزاحمه و اداء النسك بتؤده و طمانينه و افاض هو صلى الله عليه و سلم بسكينه و كان يسير على مهله [98].

ومنها: انه صلى الله عليه و سلم نهي اصحابه عن الغلو في الدين و امرهم بان يرموا الجمره بمثل حصي الخذف [99]،

و رماها هو صلى الله عليه و سلم بمثل ما امرهم به [100].

وهذا الامر من اعظم ما دعا الناس الى حبه صلى الله عليه و سلم،

و حملهم على التاثر به؛

اذ هو عنوان استقامه القياده و اخلاصها و دليل ايمانها فيما تامر به و جديتها في تنفيذه.

ب – تواضعه صلى الله عليه و سلم مع الناس:

التواضع سيد الاخلاق و مصيده الشرف،

و من اسباب رفعه الله تعالى للعبد كما جاء في حديث ابى هريره رضى الله عنه مرفوعا: «وما تواضع احد لله الا رفعه الله» [101]،

و قد امر الله سبحانه به نبيه صلى الله عليه و سلم فقال عز و جل: واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين الشعراء: 215 فامتثل صلى الله عليه و سلم امر ربه،

فبلغ في التواضع منزله لا يطاوله فيها احد من الخلق.

وفى الحج تجلي تواضعه صلى الله عليه و سلم في قيادته للناس من خلال مواقف و صور شتي كان من ابرزها:

ما تقدم من ان حجه صلى الله عليه و سلم كان على رحل رث،

و قطيفه لا تكاد تساوى اربعه دراهم [102].

ومنها: اباؤه صلى الله عليه و سلم التميز عن الناس بشيء،

و من اجلي ما ظهر فيه ذلك: رفضه صلى الله عليه و سلم ان يخص بماء لم تجعل فيه الايدى دون الناس،

و قوله صلى الله عليه و سلم حين عرض عليه ذلك: «لا حاجه لى فيه،

اسقونى مما يشرب منه الناس» [103].

ومنها: اردافه صلى الله عليه و سلم لاسامه بن زيد رضى الله عنهما من عرفه الى مزدلفه امام الخلق و هو من الموالى [104].

ومنها: و قوفه صلى الله عليه و سلم لامراه من احاد الناس يستمع اليها و يجيب عن سؤالها [105].

ومنها: تمكن كل احد من الوصول اليه و قضاء بغيته منه بيسر اذ لم يكن صلى الله عليه و سلم يتخذ حجابا يصرفون الناس عنه و يمنعونهم من مقابلته و التحدث معه [106].

فكسب صلى الله عليه و سلم بتواضعه الجم قلوب الناس و ثقتهم،

و نال محبتهم.

ج – رحمته صلى الله عليه و سلم بالناس:

الاسلام دين الرحمه و شريعته مبنيه على العطف و الشفقه في اصولها و فروعها [107]؛

و لذا فمن البدهى ان النبى صلى الله عليه و سلم لم يبعث الا رحمه كما قال تعالى: وما ارسلناك الا رحمه للعالمين الانبياء: 107 و كما اخبر صلى الله عليه و سلم عن نفسه بذلك فقال: «انما بعثت رحمة» [108].

وفى الحج نري رحمته صلى الله عليه و سلم في قياده الناس متجليه في مواقف كثيره و صور متنوعه كان من ابرزها:

الزامه صلى الله عليه و سلم لمن لم يسق الهدى من اصحابه بالحل الكامل من الاحرام،

و الذى يتضمن اتيان النساء و لبس الثياب و مس الطيب رحمه بالامه و تخفيفا عنها [109].

ومنها: جمعه صلى الله عليه و سلم لصلاتى الظهر و العصر في عرفات[110]،

و تاخيره للصلاه حين افاض الى مزدلفه [111] حتى لا يشق على الناس بتعدد النزول،

و يتمكن الحاج من اناخه بعيره و وضع متاعه في الموضع الذى سيبيت فيه.

ومنها: اذنه صلى الله عليه و سلم للضعفه في الافاضه من مزدلفه قبل الناس ليلا حين يغيب القمر حتى يتمكنوا من اداء اعمال يوم النحر قبل الناس تخفيفا عنهم و وقايه لهم من الزحام [112].

ومنها: تيسيره صلى الله عليه و سلم على الناس في التقديم و التاخير في اعمال يوم النحر،

و قوله لمن ساله عن ذلك: «افعل و لا حرج» [113].

ومنها: تخفيفه صلى الله عليه و سلم عن اصحاب الحاجات كاذنه لعمه العباس رضى الله عنه بان يبيت بمكه ليالى مني من اجل سقايته الحاج [114]،

و اذنه لرعاه الابل بان يجمعوا رمى يومين بعد يوم النحر فيرمونه في احدهما [115]

ومنها: تركه صلى الله عليه و سلم لفعل الافضل في احيان رحمه بالناس و رفقا بهم كركوبه في الطواف و السعى و استلامه الحجر بمحجن،

و تركه تقبيله و استلامه باليد،

و المشى في الطواف و السعى و هو افضل لكى لا يصرف الناس عنه و يضربوا بين يديه [116].

د – احسانه صلى الله عليه و سلم الى الناس:

وفى الحج نجد ان احسانه صلى الله عليه و سلم اثناء قيادته للناس لا يحد؛

اذ ما انت متامل في جانب الا و تري احسانه فيه بارزا،

و بما ان حصر دلائل احسانه صلى الله عليه و سلم في كافه الجوانب امر يطول و ليس بغايه فسيقتصر فيما يلى على امثله من ذلك:

اكثاره صلى الله عليه و سلم في الموسم من البذل و العطاء؛

اذ قسم في المساكين بدنه المائه كلها: لحومها و جلودها و جلالها [117]،

و قسم الصدقه على الناس في اكثر من موضع [118].

ومنها: احسانه صلى الله عليه و سلم الى اسامه بن زيد و الفضل بن العباس رضى الله عنهم باردافهما خلفه على راحلته خلال التنقل بين عرفه و مزدلفه و مني [119].

ومنها: احسانه صلى الله عليه و سلم الى الضعفاء من خلال الوصايه بهم في خطبه [120].

ومنها: حرصه صلى الله عليه و سلم على نجاه امته و قبول الله لها؛

اذ الح على الله بالدعاء لها بالمغفره عشيه عرفه و في مزدلفه [121]،

و حين طلب احدهم الدعاء منه عمم دعاءه فقال: «غفر الله لكم» [122].

ومنها: حرصه صلى الله عليه و سلم على البلاغ من خلال و ضوح البيان و التكرار لما يحتاج الى ذلك،

و تركه تشقيق الامور؛

اذ اقتصر صلى الله عليه و سلم في خطبه على بيان اصول الاسلام و المحرمات العظام و بعض القواعد التى تحتاج الى مزيد بيان حتى يوعي عنه و يفهم [123].

ومنها: استجابته صلى الله عليه و سلم لرغبات الناس و تحقيقه لمطالبهم تطييبا لنفوسهم و مراعاه لخواطرهم [124].

ه – صبره صلى الله عليه و سلم على الناس:

جمع لرسول الله صلى الله عليه و سلم في الحج انواع الصبر الثلاثه في ان واحد؛

اذ كان ابر اصحابه رضى الله عنهم بالله،

و اعظمهم صبرا في امتثال الاوامر و فعل القربات حتى يؤديها بطمانينه و اخبات و خشوع بين يدى مولاه سبحانه [125].

كما كان صلى الله عليه و سلم اتقاهم لله تعالى،

و اعلمهم به،

و اغضبهم له،

و احفظهم لحدوده،

و ابعدهم عن انتهاك حرماته [126].

اما صبره صلى الله عليه و سلم على الناس و تحمله لمشقه قيادتهم دون ملل او سخط او تضجر فامر يبهر العقل،

و يكفى للتدليل عليه تصور وظائفه صلى الله عليه و سلم و ادراك حاله في الموسم و واقع من حج بهم.

فاما وظائفه: فقد كان صلى الله عليه و سلم عبدا لله حريصا على تحقيق الكمال البشرى في التذلل لله و الانكسار بين يديه سبحانه،

و اداء النسك على و جهه.

وكان صلى الله عليه و سلم قائدا للناس و راعيا لهم و مسؤولا عن احوالهم و اجتماع كلمتهم.

وكان صلى الله عليه و سلم معلما مرشدا لتلك الافواج الضخمه من البشر و مربيا لها على الخير،

يختلج في صدره حرص شديد على تحقيق الكمال في تبليغ الرساله و بيان الاحكام.

و – رفقه صلى الله عليه و سلم بالناس:

وفى الحج بان رفقه صلى الله عليه و سلم بالناس اثناء قيادته لهم في مواقف عدة:

منها: استظلاله صلى الله عليه و سلم و ركوبه في التنقل بين المشاعر،

و غير ذلك من جوانب اليسر التى لو فعل صلى الله عليه و سلم خلافها لكان على العباد في التاسى به مشقه عظيمه [127].

ومنها: ركوبه صلى الله عليه و سلم اثناء اداء بعض المناسك كالطواف و السعى خشيه ان يدفع عنه الناس و يضربوا بين يديه [128].

ومنها: بروزه صلى الله عليه و سلم للناس طوال الموسم لكى لا يشق على الناس تاسيهم به او سؤاله عما يشكل عليهم [129].

ومنها: تخفيفه صلى الله عليه و سلم على الناس و عدم تكليفهم من الامر فوق ما يطيقون،

سواء من جهه اعمال النسك او من جهه قيادته الحجيج و توليه امرهم،

و هذا جلى لمن تامل سيرته صلى الله عليه و سلم في الحج [130].

ومنها: عدم قربه صلى الله عليه و سلم الكعبه بعد طوافه بها طواف القدوم حتى رجع من عرفه [131]،

و استقراره صلى الله عليه و سلم على الصحيح بمني في ايام التشريق،

و عدم خروجه منها الى الحرم الا حين اراد الوداع،

و في ذلك من الرفق ما هو ظاهر [132].

ومنها: اختياره صلى الله عليه و سلم للايسر دوما؛

كما تقدم من امره صلى الله عليه و سلم من لم يسق الهدى من اصحابه رضى الله عنهم بالحل،

و جمعه صلى الله عليه و سلم للصلوات في عرفه و مزدلفه و قصره للصلاه بمني [133].

ومنها: امره صلى الله عليه و سلم لاصحابه رضى الله عنهم بالرفق بانفسهم،

و من ذلك قوله صلى الله عليه و سلم حين راى رجلا يسوق بدنه و هو يمشي:

«اركبها،

فقال: انها بدنه فقال: اركبها،

قال: انها بدنه قال: اركبها و يلك في الثالثه او في الثانية» [134].

الثالث: احوال النبى صلى الله عليه و سلم في الحج مع اهله:

كان النبى صلى الله عليه و سلم ارعي الخلق لقريب،

و احناهم على رحم،

و اكثرهم احسانا الى اهل،

شهد المخالطون له صلى الله عليه و سلم بذلك،

فوصفه و اصفهم بانه صلى الله عليه و سلم كان «ابر الناس و اوصل الناس» [135].

وفى الحج تجلي بره باهله،

و صلته صلى الله عليه و سلم لرحمه،

و احسانه الى اقاربه في صور شتي و مشاهد مختلفه و من الاهميه بمكان الاشاره قبل تعداد شيء من ذلك الى ان اهل بيت النبوه رضى الله عنهم قد شاركوا الناس فيما افادهم به صلى الله عليه و سلم،

و من دلائل ذلك قول عائشه رضى الله عنها مخاطبه رسول الله صلى الله عليه و سلم: «سمعتك تقول لاصحابك ما قلت؛

فمنعت العمرة»،

بل ان المتامل في امر النسك يجد ان كثيرا من احكامه منقول عنهم،

و ذلك لما كان لهم رضى الله عنهم من مزيد لصوق به صلى الله عليه و سلم و اختصاص دون الناس،

و لعل من ابرز احواله صلى الله عليه و سلم معهم ما يلي:

1 – تعليمهم احكام النسك:

اهتم النبى صلى الله عليه و سلم بتعليم اهل بيته احكام النسك ليصفو لهم تقربهم،

و تصح منهم عبادتهم،

و من دلائل ذلك:

ما جاء في حديث ام سلمه رضى الله عنها قالت: «سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: اهلوا يا ال محمد بعمره في حج» [136]،

و قوله صلى الله عليه و سلم لعائشه رضى الله عنها حين حاضت قبل ان تطوف بالبيت: «افعلى ما يفعل الحاج غير ان لا تطوفى بالبيت» [137]،

و قوله صلى الله عليه و سلم لاغيلمه بنى عبدالمطلب ليله مزدلفة: «لا ترموا الجمره حتى تطلع الشمس» [138]،

و ما روى عنه صلى الله عليه و سلم حين قالت له عائشه رضى الله عنها: الا نبنى لك بيتا يظلك بمنى

فقال: «انما مني مناخ من سبق» [139].

2 – مواساتهم و مراعاه خواطرهم:

كان النبى صلى الله عليه و سلم يواسى اهل بيته حين كان الامر يقع على خلاف ما يشتهون،

و يراعى خواطرهم؛

فيفعل ما يريدون اذا كان الامر لا يعارض مراد الله تعالى،

و ابرز ما كان هذا الامر مع زوجه عائشه رضى الله عنها و ذلك حين دخل عليها و هى تبكي؛

لانها منعت العمره المفرده بسبب الحيض،

فواساها صلى الله عليه و سلم قائلا: «فلا يضرك،

انت من بنات ادم،

كتب الله عليك ما كتب عليهن،

فكونى في حجتك عسي الله ان يرزقكها» [140]،

و حين قالت رضى الله عنها: «يا رسول الله

اترجع صواحبى بحج و عمره و ارجع انا بالحج

فامر رسول الله صلى الله عليه و سلم عبدالرحمن بن ابى بكر،

فذهب بها الى التنعيم،

فلبت بالعمرة» [141].

3 – الرفق بهم و التيسير على ضعيفهم و صاحب الحاجه منهم:

كان النبى صلى الله عليه و سلم في الحج رفيقا بال بيته،

رحيما بهم،

يحن على ضعيفهم و يختار الايسر لهم،

و يعطف على صاحب الحاجه منهم و يخفف عنه،

و الشواهد الداله على ذلك عديده منها:

اختياره صلى الله عليه و سلم الايسر لزوجاته و امرهن به،

كما في حديث حفصه رضى الله عنها: «ان النبى صلى الله عليه و سلم امر ازواجه ان يحللن عام حجه الوداع» [142].

ومنها: قوله صلى الله عليه و سلم لما دخل على ضباعه بنت الزبير رضى الله عنها و هى وجعة: «حجى و اشترطي،

و قولي: اللهم محلى حيث حبستني» [143].

4 – ازاله ما لديهم من منكر:

حرص النبى صلى الله عليه و سلم على تنقيه ال بيته رضى الله عنهم من المعاصي،

و تصفيتهم من المنكرات؛

فكان اذا و قع احدهم في منكر انكر عليه،

و صرفه عنه،

و من ذلك انكاره صلى الله عليه و سلم العملى على الفضل بن العباس رضى الله عنهما النظر الى المراه الخثعميه التى جاءت تسال النبى صلى الله عليه و سلم و منعه له من الاستمرار في ذلك [144]،

بل انه صلى الله عليه و سلم جعل من ال بيته في هذا الجانب قدوه للناس،

و من ذلك حين قام صلى الله عليه و سلم خطيبا في و سط الناس بعرفه فقال: «الا كل شيء من امر الجاهليه تحت قدمى موضوع،

و دماء الجاهليه موضوعه وان اول دم اضع من دمائنا: دم ابن ربيعه بن الحارث كان مسترضعا في بنى سعد فقتلته هذيل،

و ربا الجاهليه موضوع،

و اول ربا اضع ربانا: ربا عباس بن عبدالمطلب؛

فانه موضوع كله».

5 – تشجيعهم على الخير و حثهم عليه:

كان النبى صلى الله عليه و سلم يحث ال بيته رضى الله عنهم على فعل الطاعات،

و يشجعهم على التزود من الخيرات،

و من ذلك: انه حين مر على بنى عمومته،

و هم ينزعون الماء من بئر زمزم و يسقون الناس خاطبهم قائلا: «انزعوا بنى عبدالمطلب؛

فلولا ان يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» [145]،

بل انه صلى الله عليه و سلم كان ييسر لهم ذلك،

و منه: اذنه لعمه العباس رضى الله عنه بالبيتوته بمكه ليالى ايام التشريق من اجل سقايته الحجيج [146].

6 – و قايتهم من الفتن:

الفتن مفسدات للقلوب،

مزيغات للالباب،

و حين تجتمع الاعداد الغفيره من الذكور و الاناث تكون الفرصه مهياه لحصولها،

و بخاصه فتنه النساء،

و لذا نجد النبى صلى الله عليه و سلم يخاف على ال بيته رضى الله عنهم في الحج منها؛

و يحرص صلى الله عليه و سلم على حمايتهم عند تعرضهم لها،

و من الشواهد الداله على ذلك:

اسدال نسائه صلى الله عليه و سلم بحضرته للجلابيب على وجوههن و هن محرمات عند محاذاه الرجال لهن،

فاذا جاوزوهن كشفن [147].

ومنها: توجيهه صلى الله عليه و سلم لنسائه بعدم مخالطه الرجال في الطواف مع انهن رضى الله عنهن كن يطفن معهم،

كما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه و سلم لام سلمه رضى الله عنها: «طوفى من و راء الناس و انت راكبة» [148]،

و في روايه انه صلى الله عليه و سلم قال لها: «اذا اقيمت صلاه الصبح فطوفى على بعيرك و الناس يصلون ففعلت و لم تصل حتى خرجت» [149]،

و كما يفهم ذلك من حديث ابن جريج قال: «اخبرنى عطاء اذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال،

قال: كيف يمنعهن و قد طاف نساء النبى صلى الله عليه و سلم مع الرجال

قلت: ابعد الحجاب او قبل

قال: اي لعمري

لقد ادركته بعد الحجاب،

قلت: كيف يخالطن الرجال

قال: لم يكن يخالطن،

كانت عائشه رضى الله عنها تطوف حجره من الرجال لا تخالطهم،

فقالت: امراه انطلقى نستلم يا ام المؤمنين

قالت: عنك.

و ابت،

فكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال،

و لكنهن كن اذا دخلن البيت قمن حتى يدخلن،

و اخرج الرجال» [150].

7 – الاحسان اليهم:

تعددت وجوه احسانه صلى الله عليه و سلم الى ال بيته و تنوعت بصوره جعلت المتامل يجزم بان كل احواله صلى الله عليه و سلم معهم احسان؛

اذ ما من جانب الا و انت راء ان فضله صلى الله عليه و سلم عليهم ظاهر،

و جوده عليهم بين،

و دلائل ذلك فوق الحصر،

و من اوضح ذلك:

حرصه صلى الله عليه و سلم على ادائهم للنسك معه،

و اقناعه لمن لم يكن ينوى منهم الخروج بالمبادره الى ذلك،

كما في قصه ضباعه رضى الله عنها حين دخل عليها النبى صلى الله عليه و سلم فقال لها: «اردت الحج

قالت: و الله ما اجدنى الا وجعه فقال لها: حجى و اشترطى و قولي: اللهم محلى حيث حبستني» [151].

ومنها: خروجه صلى الله عليه و سلم بجميع نسائه رضى الله عنهن [152]،

و هو امر يفوق العدل كما هو جلى لمن تدبر؛

اذ كان بوسعه صلى الله عليه و سلم ان لا يخرج بواحده منهن،

او ان يقرع بينهن و يخرج باحداهن.

8 – الاستعانه بهم و استعمالهم:

استعان النبى صلى الله عليه و سلم بال بيته رضى الله عنهم،

و استنابهم و استعملهم في بعض امره،

و من شواهد ذلك:

جعله صلى الله عليه و سلم زوجه عائشه رضى الله عنها تفتل له قلائد بدنه من صوف كان عندها بالمدينه قبل ان يحرم [153].

ومنها: ما رواه ابن عباس رضى الله عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه و سلم غداه العقبه و هو على ناقته: القط لى حصى،

فلقطت له سبع حصيات» [154].

ومنها: اعطاؤه صلى الله عليه و سلم لعلى رضى الله عنه ما بقى من بدنه لينحرها [155]،

و امره صلى الله عليه و سلم له بان يقوم على بدنه،

و بان يتصدق على الناس بلحومها و جلودها و اجلتها [156].

ومنها: استسقاؤه صلى الله عليه و سلم من بنى عمه حين جاء اليهم و هم يسقون الناس من زمزم،

فقال لعمه العباس رضى الله عنه: «اسقني،

فشرب منه» [157]،

و يدل عليه ايضا حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: «سقيت رسول الله صلى الله عليه و سلم من زمزم فشرب و هو قائم» [158].

وبعد:

فان ما سبق من سطور لا يعدو ان يكون و مضات مشرقه من احواله صلى الله عليه و سلم في الحج،

كتبت من مقل على عجل،

راجيا من ربى قبولها و النفع بها،

لتكون عونا للسائرين اليه عز و جل على حج مبرور و ذنب مغفور،

و الموضوع اكبر من ان يحيط به مثلي،

و هو بحاجه الى مزيد بحث،

و امعان فكر،

و تدقيق نظر،

اسال الله ان يهيئ له من يقوم به على و جهه من اهل العلم،

انه على كل شيء قدير،

و بالاجابه جدير،

و صلى الله و سلم على سيدنا محمد،

و على اله و اصحابه اجمعين.

  • احوال النبي في الحج مع امته
302 views

احوال النبي في الحج