10:44 صباحًا الإثنين 17 يونيو، 2019




احوال النبي في الحج

احوال النبى في الحج

صور احوال النبي في الحج

امر الله تعالى عبادة باتباع نبية صلى الله عليه و سلم فقال عز و جل وما اتاكم الرسول فخذوة و ما نهاكم عنه فانتهوا الحشر: 7)،

 

و جعلة سبحانة قدوة حسنة لهم فقال: لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله و اليوم الاخر و ذكر الله كثيرا الاحزاب: 21).

والحج من اوضح عبادات الاسلام التي يتجلي فيها اتباع النبى صلى الله عليه و سلم و التاسى به،

 

و الملحوظ في و اقع الناس اليوم سيطرة الحديث عن الاحكام و انشغالهم بتعداد الاخطاء التي تقع فيه،

 

و ما يصح به النسك او يبطل،

 

و مع اهمية هذا الجانب و ضرورتة نتيجة تف شي الجهل و دوران صحة العمل او بطلانة على ذلك،

 

الا انه ادي الى نسيان الكثير من جوانب التاسى بالنبى صلى الله عليه و سلم،

 

و اغفال اعداد غفيرة من الحجيج لمعان كثيرة راعاها النبى صلى الله عليه و سلم اثناء ادائة لنسكه،

 

و في ظل هذا الغياب اصبح المرء يري في الحج العديد من المظاهر التي يقع فيها كثير من طلبة العلم الحريصين على تطبيق السنة فضلا عن غيرهم،

 

و هي غير متفقة مع هدية صلى الله عليه و سلم،

 

و لذا جاءت هذه المقالة لتحاول اعطاء توصيف اشمل و صورة ادق عن احوالة صلى الله عليه و سلم في الحج لعل في ذلك مزيد عون للمتاسين به صلى الله عليه و سلم،

 

و السائرين على نهجه.

 

و نظرا لكثرة الحديث عن صفة نسكة صلى الله عليه و سلم فلن تتعرض المقالة لذلك،

 

و ستكتفى بابراز نماذج و اشارات عامة في الجوانب الاخرى نظرا لكون الموضوع اوسع من ان تحيط به مقالة او تكفى في عرضة الموارد المعتمدة.

ورغبة في تقريب الموضوع و لم شتاتة للقارئ فسيكون في ثلاثة محاور رئيسة الاول: احوال النبى صلى الله عليه و سلم في الحج مع ربه:

لم يشغل النبى صلى الله عليه و سلم تعليم الحجيج و قيادتهم و العناية باهل بيته و رعاية زوجاتة عن الصلة بربه و الانكسار بين يديه،

 

و قد اخذ ذلك صورا و اشكالا شتي من ابرزها:

صور احوال النبي في الحج

1 – تحقيق التوحيد و العناية به:

يعد التوحيد احد القضايا الرئيسة التي عمل النبى صلى الله عليه و سلم في الحج على تحقيقها و العناية بها،

 

و هذا جلى من خلال التامل في اعمالة صلى الله عليه و سلم في الحج،

 

و من ذلك: التلبية و هي شعار الحج التي تتضمن افراد الله و حدة لا شريك له بالعمل،

 

و استمر صلى الله عليه و سلم يلهج بها منذ دخولة في النسك الى حين رمية لجمرة العقبة يوم النحر.

ومنها: عنايتة صلى الله عليه و سلم باخلاص العمل و سؤالة ربة ان يجنبة الرياء و السمعة كما في حديث انس رضى الله عنه مرفوعا قال: «اللهم حجة لا رياء فيها و لا سمعة»[1].

ومنها: دعاؤة صلى الله عليه و سلم على الصفا و المروة بالتوحيد كما في حديث جابر رضى الله عنه قال: «فبدا بالصفا فرقي عليه حتى راي البيت،

 

فاستقبل القبلة فوحد الله و كبره،

 

و قال: لا الة الا الله و حدة لا شريك له،

 

لة الملك،

 

و له الحمد،

 

و هو على كل شيء قدير،

 

لا الة الا الله و حده… قال مثل هذا ثلاث مرات… حتى اتي المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا..»[2].

2 – اظهار البراءة من المشركين و تعمد مخالفتهم:

حرص النبى صلى الله عليه و سلم على مخالفة المشركين و السير على سنة ابينا ابراهيم عليه السلام في كثير من شعائر الحج و احكامه،

 

و وصل الامر غايتة حين تبرا صلى الله عليه و سلم من اعمال المشركين في خطبتة يوم عرفة،

 

و اخبر ان كل شيء من امر الجاهلية فهو موضوع تحت قدميه[3].

 

و الشعائر التي بان فيها تعمدة المخالفة كثيرة،

 

من اهمها: التلبية،

 

و قد كان المشركون يضمنونها الشرك بالله و يقولون فيها: الا شريكا هو لك تملكة و ما ملك)؛

 

فاخلص النبى صلى الله عليه و سلم فيها التوحيد،

 

و نبذ الشرك و تبرا منه[4].

ومنها: و قوفة مع الناس بعرفة و مخالفتة لكفار قريش الذين كانوا يقفون في مزدلفة

ويقولون: لا نفيض الا من الحرم[5].

ومنها: افاضتة من مزدلفة قبل طلوع الشمس مخالفا المشركين الذين كانوا لا يفيضون منها حتى تطلع الشمس،

 

و يقولون: اشرق ثبير كيما نغير[6].

3 – كثرة التضرع و المناجاة و الدعاء:

للدعاء منزلة رفيعة؛

 

اذ هو «اظهار غاية التذلل و الافتقار الى الله و الاستكانة له»[7]،

 

و لذا قال النبى صلى الله عليه و سلم: «الدعاء هو العبادة»[8]،

 

و قد كان للنبى صلى الله عليه و سلم في الحج منه اوفر الحظ و النصيب؛

 

فقد دعا ربة في الطواف[9]،

 

و عند الوقوف على الصفا و المروة،

 

و اطال في الدعاء يوم عرفة و هو على ناقتة رافعا يدية الى صدرة كاستطعام المسكين منذ ان استقر في مقامة الذى و قف فيه بعد الصلاة الى ان غربت الشمس،

 

و في مزدلفة في المشعر الحرام منذ ان صلى الفجر الى ان اسفر جدا قبل ان تطلع الشمس [10]،

 

و في ايام التشريق بعد رمى الجمرتين الاوليين كان يستقبل القبلة و يقوم طويلا يدعو و يرفع يديه[11].

هذا شيء مما نقل عنه في دعاء المسالة.

 

اما دعاء الثناء و الذكر فلم يفارقة صلى الله عليه و سلم منذ ان دخل في النسك الى ان عاد الى المدينة؛

 

اذ لم يزل صلى الله عليه و سلم رطب اللسان بذكر الله مكثرا من الثناء على الله بما هو اهلة من تلبية و تكبير و تهليل و تسبيح و تحميد راكبا و ما شيا و في كل احوالة صلى الله عليه و سلم كما هو جلى لمن قرا صفة حجة صلى الله عليه و سلم و تتبع احوالة فيه[12].

ومن الاهمية بمكان التنبية على ان المنقول من دعائة صلى الله عليه و سلم و تضرعة و ثنائة على ربة في الحج قليل جدا بالنسبة لما لم ينقل؛

 

اذ الاصل ان ذلك سر بين العبد و ربه،

 

و انما جهر صلى الله عليه و سلم بما جهر به حين كان يريد تاسى امتة به،

 

و الا فان ذكر الله من غايات الحج و مقاصدة العظام كما يلمح ذلك من قوله عز و جل: فاذا افضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام و اذكروة كما هداكم وان كنتم من قبلة لمن الضالين ثم افيضوا من حيث افاض الناس و استغفروا الله ان الله غفور رحيم فاذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم اباءكم او اشد ذكرا البقرة: 198-200)،

 

بل ان اعمال الحج و شعائرة انما شرعت لذكر الله تعالى كما يدل عليه حديث عائشة رضى الله عنها مرفوعا: «انما جعل الطواف بالبيت و بين الصفا و المروة و رمى الجمار لاقامة ذكر الله»[13]،

 

و قول رسول الله صلى الله عليه و سلم: «ايام التشريق ايام اكل و شرب و ذكر لله»[14].

4 – التوقف عند حدود الله عز و جل:

الوقوف عند حدود الله تعالى غاية التقوي و دليل صدق الايمان و علامة كمال العبودية،

 

و قد كان النبى صلى الله عليه و سلم اعلم الناس بحدود ربه،

 

و اتقاهم له،

 

و اكثرهم تعظيما لحرماته،

 

و قد لاح ذلك في الحج في مواقف شتى،

 

منها: عندما لم يحل من احرامة مراعاة لاصحابه؛

 

لانة ساق الهدي؛

 

و ذلك انه صلى الله عليه و سلم امر من لم يسق الهدى من اصحابة بان يحلوا احرامهم و يجعلوا حجهم عمرة؛

 

فتاخروا في ذلك ظنا منهم انه لم يعزم عليهم في ذلك و انما ابان لهم الجواز،

 

و قال بعضهم معبرا عن عدم رغبتة في الحل من الاحرام: «ناتى عرفة تقطر مذاكيرنا المني»

 

فقام النبى صلى الله عليه و سلم فيهم حين بلغة ذلك فقال: «قد علمتم اني اتقاكم لله و اصدقكم و ابركم،

 

و لولا هديى لحللت كما تحلون فحلوا»[15].

ومنها قوله صلى الله عليه و سلم عن زوجة صفية رضى الله عنها حين حاضت ليلة النفر و قبل ان يعلم انها طافت طواف الافاضة يوم النحر: «ما اراها الا حابستكم»[16] مع ما في ذلك من الحرج الشديد له امام الخلق؛

 

اذ كيف يحبس الناس عن النفير بسببها؟!

5 – الخشوع و السكينة:

يدرك حضور القلب و خشوعة بسكون الجوارح و وقارها؛

 

اذ الظاهر عنوان الباطن[17]،

 

و قد جمع النبى صلى الله عليه و سلم في حجة بين الامرين؛

 

فكان حاضر القلب غير متشاغل بشيء عن نسكه،

 

خاضعا لربة فيه،

 

ذليلا منكسرا بين يدى مولاه،

 

مكثرا من التضرع و المناجاة مع اطالة للقيام و رفع لليدين اثناء ذلك[18].

كما كان النبى صلى الله عليه و سلم خاشع الجوارح يسير سيرا لينا بسكينة و وقار،

 

و يؤدى مناسكة بتؤدة و اطمئنان،

 

يدل على ذلك حديث جابر رضى الله عنه قال: «افاض رسول الله صلى الله عليه و سلم و عليه السكينة»[19]،

 

و حديث عبدالله بن عباس رضى الله عنهما «انة دفع مع النبى صلى الله عليه و سلم يوم عرفة،

 

فسمع النبى صلى الله عليه و سلم و راءة زجرا شديدا و ضربا و صوتا للابل،

 

فاشار بسوطة اليهم،

 

و قال: ايها الناس عليكم بالسكينة؛

 

فان البر ليس بالايضاع»[20].

6 – الاستكثار من الخير و مباشرته:

حث الله عبادة على التزود من التقوي و التسابق في الخيرات،

 

فقال عز و جل: وتزودوا فان خير الزاد التقوي و اتقون يا اولى الالباب البقرة: 197)،

 

و قد كان هذا هدى النبى صلى الله عليه و سلم في الحج و ديدنة فيه،

 

و من المظاهر الدالة على ذلك: حرصة صلى الله عليه و سلم على المجيء بمستحبات النسك كالاغتسال للاحرام[21]،

 

و التطيب عند الاهلال به و عند الخروج منه[22]،

 

و اشعار الهدى و تقليده[23]،

 

و الاكثار من التلبية و الجهر بها حتى رمى جمرة العقبة[24]،

 

و بدء البيت بالطواف[25]،

 

و الرمل فيه[26]،

 

و الاستلام للركنين[27]،

 

و صلاة ركعتى الطواف خلف المقام[28]،

 

و الدعاء على الصفا و المروة،

 

و السرعة الشديدة في بطن الوادي[29]،

 

و الذكر عند استلام الركنين و رمى الجمار[30]،

 

و غيرها من السنن كثير.

7 – التوازن و الاعتدال:

خير الامور الوسط،

 

و كلا طرفى قصد الامور ذميم،

 

و قد كان من ابرز احوال المصطفى صلى الله عليه و سلم و ما تجلي من خلقة في الحج التوازن و الاعتدال،

 

و كراهية الافراط و التفريط،

 

و لعل الذى يعنينا من ذلك في حالة مع ربة عز و جل امران:

الاول: اعتدالة صلى الله عليه و سلم و موازنتة بين العناية بنفسة من خلال قوة صلتة بربه من جهة [31]،

 

و بين التعليم لامتة و قيادتها،

 

و الرعاية لزوجاتة و الحنو على اهل بيته من جهة اخرى [32].

الثاني: اعتدالة صلى الله عليه و سلم و موازنتة بين كل من حقوق روحه

وجسده؛

 

اذ في ذلك الجو الايمانى المهيب الذى قد يدفع الكثيرين الى التفريط في حق الجسد و الافراط في حق الروح نجدة صلى الله عليه و سلم معتنيا بجسدة غاية العناية؛

 

اذ صعد يوم التروية الى مني ليقرب من عرفة[33]،

 

و نام ليلة عرفة و مزدلفة[34]،

 

و افطر يوم عرفة[35]،

 

و ترك ليلة جمع صلاة النافلة[36]،

 

و استظل فيه بقبة من شعر ضربت له قبل[37]،

 

و ركب في تنقلاتة بين المشاعر[38] و اثناء قيامة ببعض اعمال الحج[39]،

 

و اتخذ صلى الله عليه و سلم من يخدمة و يقوم بامره[40]… و نحو ذلك من الامور التي ترفق بالجسد،

 

و تمكنة من التقوى على العبادة و اداء النسك بحضور قلب و تدبر و خشوع و طمانينة.

8 – الزهد في الدنيا:

كان النبى صلى الله عليه و سلم زاهدا في الدنيا،

 

معرضا عما لا ينفع في الاخرة منها،

 

و مظاهر زهدة صلى الله عليه و سلم في الحج بالدنيا و تعلق قلبة بالاخرة كثيرة لا تكاد تحصى،

 

و من ابرزها: انه حج على رحل رث و قطيفة تساوى اربعة دراهم او لا تساوي[41].

ومنها: اردافة صلى الله عليه و سلم على راحلتة امام الحجيج اسامة بن زيد رضى الله عنهما من عرفة الى مزدلفة،

 

و الفضل بن العباس رضى الله عنهما من مزدلفة الى منى[42].

ومنها: عدم تميزة في الموسم عن الناس بشيء،

 

و اعظم ما تجلي فيه ذلك انه صلى الله عليه و سلم «جاء الى السقاية فاستسقي فقال العباس: يا فضل

 

اذهب الى امك فائت رسول الله صلى الله عليه و سلم بشراب من عندها،

 

فقال: اسقني،

 

قال: يا رسول الله

 

انهم يجعلون ايديهم فيه.

 

قال: اسقني،

 

فشرب منه»[43]،

 

و في رواية انهم حين قالوا: ناتيك به من البيت قال: «لا حاجة لى فيه،

 

اسقونى مما يشرب منه الناس»[44].

ومنها: عظم هديه؛

 

اذ قرب ما ئة بدنة[45]،

 

و من تعلق قلبة بالدنيا فانه لا يخرج شيئا فوق الحد الواجب.

ومنها: جمعة بين الهدى و الاضحية[46] مع ان الهدى يجزئ الحاج عنها.

الثاني: احوال النبى صلى الله عليه و سلم في الحج مع امته:

عجب امر رسول الله صلى الله عليه و سلم في الحج؛

 

اذ قام بتعليم الناس و قيادتهم في ان واحد؛

 

و مع ذلك فما انت مريد ان تري شيئا فعلة صلى الله عليه و سلم معهم على خلاف الاولي الا و انت عاجز عن ذلك.

وكل احوالة صلى الله عليه و سلم و الوظائف التي قام بها مع امتة دالة على عظمتة و علو مرتبته،

 

و لعل من ابرز ذلك:

1 – التعليم:

بعث الله رسولة صلى الله عليه و سلم «معلما ميسرا»[47]،

 

و قد بلغ الغاية في ذلك،

 

فشهد له الناس بانه ما راي الخلق «معلما قبلة و لا بعدة احسن تعليما منه»[48]،

 

و من تامل حجة صلى الله عليه و سلم و جد انه هو ذلك المعلم الموصوف بعينه؛

 

اذ امر صلى الله عليه و سلم بان يؤذن قبل الحج في الناس بانه صلى الله عليه و سلم يريد الحج ليسهل على من يريد مرافقتة السفر معه،

 

فقدم المدينة بشر كثير كلهم يلتمس ان ياتم به و ياخذ عنه[49]،

 

فاختلط بالناس و اشرف لهم،

 

و برز طوال الموسم[50]،

 

و كان احد لا يصرف عنه و لا يدفع[51]،

 

و لم يكن حولة ضرب و لا طرد و لا قول: اليك اليك[52].

وحرص صلى الله عليه و سلم على البلاغ و اقامة الحجة على الخلق فحفزهم على التعلم،

 

و شحذ هممهم،

 

و شد انتباههم الى ما يقول و يفعل بتنويع اساليب الخطاب و طرق التعليم،

 

و امرة لهم باخذ المناسك عنه لاحتمال ان تكون حجتة الاخيرة[53]،

 

و مطالبتة اياهم بالشهادة له بالبلاغ؛

 

اذ مرارا ما خاطبهم بعد ان يتم تعليمهم قائلا: «الا هل بلغت؟»[54]،

 

فيشهد الناس له بذلك قائلين: «نشهد انك قد بلغت و اديت و نصحت»[55].

ولم يقتصر صلى الله عليه و سلم على البلاغ و التعليم بنفسه،

 

بل اتخذ من يبلغ عنه[56]،

 

و ارسل الرسل لذلك[57].

وابرز الامور التي اهتم النبى صلى الله عليه و سلم بتعليم الناس اياها هي احكام المناسك التي جمع فيها النبى بين البيان و التطبيق العملي[58].

ومن ذلك: بيان منزلة اركان الاسلام و مبانية العظام؛

 

اذ قال صلى الله عليه و سلم في احدي خطبة في الموسم: «اتقوا ربكم،

 

و صلوا خمسكم،

 

و صوموا شهركم،

 

و ادوا زكاة اموالكم،

 

و اطيعوا ذا امركم تدخلوا جنة ربكم»[59].

ومن ذلك: بيان خطورة الشرك و بعض المحرمات العظام؛

 

اذ قال صلى الله عليه و سلم: «انما هن اربع: لا تشركوا بالله شيئا،

 

و لا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق،

 

و لا تسرقوا،

 

و لا تزنوا»[60].

2 – الافتاء:

من اهم احوال النبى صلى الله عليه و سلم و الاعمال التي تقلب فيها مع الناس في الحج تبيين المشكل عليهم من الاحكام و الجواب عن استفساراتهم،

 

و من اشهر فتاوية صلى الله عليه و سلم في الحج «ان امراة من خثعم قالت: يا رسول الله

 

ان ابي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج و هو لا يستطيع ان يستوى على ظهر بعيره،

 

فقال النبى صلى الله عليه و سلم: فحجى عنه»[61]،

 

و قوله صلى الله عليه و سلم لكل من سالة عن التقديم و التاخير في اعمال يوم النحر: «افعل و لا حرج»[62].

والملحوظ: في افتائة صلى الله عليه و سلم في الموسم امور من اوضحها:

وقوفة صلى الله عليه و سلم للناس و بروزة لهم ليروة و يسالوه[63].

ومنها: جنوحة الى التيسير في فتاويه[64] و التخفيف على ذوى الحاجات[65].

ومنها: حرصة صلى الله عليه و سلم على الاقناع لمن يستفتية كقوله صلى الله عليه و سلم لرجل قال له: «يا رسول الله

 

ان ابي ادركة الاسلام،

 

و هو شيخ كبير لا يثبت على راحلته،

 

افاحج عنه

 

قال: ارايت لو كان عليه دين فقضيتة عنه اكان يجزيه

 

قال: نعم.

 

قال: فاحجج عن ابيك»[66].

ومنها: صبرة صلى الله عليه و سلم على السائلين و احتمالة لاذاهم مع الرفق و الرحمة بهم[67].

3 – الوعظ:

كان للنبى صلى الله عليه و سلم في الوعظ اليد الطولي و القدح المعلى؛

 

اذ بعثة الله مبشرا و نذيرا،

 

فارشد امتة الى الخير و رغبها فيه،

 

و نهاها عن الشر و رهبها منه.

وفى الحج كان للوعظ و التوجية ميدان فسيح و وجود ظاهر،

 

حتى ان النبى صلى الله عليه و سلم اعاد التذكير ببعض القواعد و الامور الهامة[68] من غير ما تكلف اكثر من مرة،

 

و قد تناول و عظة صلى الله عليه و سلم موضوعات عدة كان من اهمها:

التزهيد في الدنيا؛

 

اذ قال صلى الله عليه و سلم قبل الغروب بعرفات: «ايها الناس

 

انة لم يبق من دنياكم فيما مضي منها الا كما بقى من يومكم هذا فيما مضي منه»[69].

ومنها: الامر بالتقوي و الدلالة على ما يدخل المرء الجنة؛

 

اذ قال صلى الله عليه و سلم: «اتقوا ربكم،

 

و صلوا خمسكم؛

 

و صوموا شهركم،

 

و ادوا زكاة اموالكم،

 

و اطيعوا ذا امركم تدخلوا جنة ربكم»[70].

ومنها: بيان ان لا احد يحمل جريرة احد،

 

وان المسؤولية امام المولي عز و جل فردية؛

 

اذ قال صلى الله عليه و سلم: «الا لا يجنى جان الا على نفسه،

 

لا يجنى و الد على و لده،

 

و لا مولود على و الده» [71].

ومنها: الترغيب في ترك الفسوق و العصيان اثناء النسك و الاشتغال بما ينفع؛

 

اذ قال صلى الله عليه و سلم: «من حج هذا البيت فلم يرفث و لم يفسق رجع كيوم و لدتة امه» [72]،

 

و قوله صلى الله عليه و سلم: «ليس البر بايضاع الخيل و لا الركاب» [73].

ومنها: التحذير من الغلو؛

 

اذ قال صلى الله عليه و سلم: «يا ايها الناس

 

اياكم و الغلو في الدين؛

 

فانما اهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» [74] .

 

ومنها: الوصاية بالضعفاء من النساء و الارقاء و الامر بالاحسان اليهم؛

 

اذ قال صلى الله عليه و سلم: «فاتقوا الله في النساء؛

 

فانكم اخذتموهن بامان الله،

 

و استحللتم فروجهن بكلمة الله» [75]،

 

و جاء في حديث مرفوع: «ارقاءكم ارقاءكم ارقاءكم اطعموهم مما تاكلون،

 

و البسوهم مما تلبسون؛

 

فان جاؤوا بذنب لا تريدون ان تغفروة فبيعوا عباد الله و لا تعذبوهم» [76].

4 – توحيد الامة،

 

و تحذيرها من الفتن و دواعي الافتراق:

كان الحج بما يحمل في طياتة من و حدة بين افراد الامة في الشعور و المشاعر فرصة سانحة لتوحيد الامة و تحذيرها من الفتنة و دواعي الفرقة،

 

و قد اهتم النبى صلى الله عليه و سلم بهذا الامر و اولاة عنايته،

 

و قد اخذ ذلك الاهتمام مظاهر شتي من ابرزها:

تسويتة صلى الله عليه و سلم بين افراد الامة،

 

و عدم تمييزة بينهم الا بالتقوى؛

 

اذ قال صلى الله عليه و سلم: «ان ربكم واحد،

 

و اباكم واحد؛

 

الا لا فضل لعربي على عجمي،

 

و لا لعجمى على عربي،

 

و لا لاسود على احمر،

 

و لا احمر على اسود الا بالتقوى» [77].

ومنها: امرة صلى الله عليه و سلم بالسمع و الطاعة لمن يقيم كتاب الله عز و جل،

 

و لزوم الجماعة و النصح للائمة؛

 

حيث قال صلى الله عليه و سلم: «ان امر عليكم عبد مجدع اسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له و اطيعوا» [78]،

 

و قال صلى الله عليه و سلم بالخيف من منى: «ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن: اخلاص العمل لله،

 

و النصيحة لولاة المسلمين،

 

و لزوم جماعتهم؛

 

فان دعوتهم تحيط من و رائهم» [79].

ومنها: تحذيرة صلى الله عليه و سلم من الاستجابة لتحريش الشيطان؛

 

حيث قال صلى الله عليه و سلم: «ان الشيطان قد ايس ان يعبدة المصلون في جزيرة العرب،

 

و لكن في التحريش بينهم» [80].

ومنها: نهية صلى الله عليه و سلم عن الابتداع في الدين؛

 

اذ قال صلى الله عليه و سلم محذرا امته: «الا و اني مستنقذ اناسا،

 

و مستنقذ منى اناس فاقول: يارب اصيحابي

 

فيقول: انك لا تدرى ما احدثوا بعدك» [81].

ومنها: نهية صلى الله عليه و سلم عما يسبب الفرقة و يؤدى الى الفتنة في المجتمع المسلم كالاقتتال؛

 

حيث قال صلى الله عليه و سلم بعد ان استنصت الناس: «لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» [82].

وكالاستهانة بدماء الاخرين و اموالهم و اعراضهم؛

 

حيث قال صلى الله عليه و سلم في خطبة الثلاث في عرفة و يوم النحر و اوسط ايام التشريق: «فان دماءكم و اموالكم و اعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» [83].

وكالظلم و اخذ اموال الناس بغير طيب نفس منهم؛

 

حيث قال صلى الله عليه و سلم: «اسمعوا منى تعيشوا: الا لا تظلموا،

 

الا لا تظلموا،

 

الا لا تظلموا؛

 

انة لا يحل ما ل امرئ مسلم الا بطيب نفس منه» [84].

5 – التربية على الاتباع و توحيد مصدر التلقي:

الاسلام هو الخضوع و الذل لله و حدة و الاذعان لما جاء به رسولة صلى الله عليه و سلم،

 

و لا تثبت قدم احد فيه ما لم يسلم لنصوص الوحي،

 

و ينقاد اليها و لا يعترض على شيء منها [85]،

 

و الحج اية في الانقياد و مدرسة في التسليم و الاستسلام،

 

ربي النبى صلى الله عليه و سلم فيه اصحابة رضى الله عنهم على توحيد متابعته،

 

و غرس في نفوسهم ضرورة التاسى به.

 

يقول جابر رضى الله عنه و اصفا الحال: «ورسول الله صلى الله عليه و سلم بين اظهرنا،

 

و عليه القران ينزل،

 

و هو يعرف تاويله،

 

و ما عمل من شيء عملنا به» [86]،

 

فانتجت تلك التربية العظيمة ثمرات يانعة مباركة.

ومظاهر تربيته صلى الله عليه و سلم في الحج لاصحابة رضى الله عنهم على المتابعة و الاقتصار في الاخذ و التلقى على نصوص الوحى كثيرة،

 

من ابرزها:

مطالبتة صلى الله عليه و سلم الحجيج في مواطن عدة خلال الموسم بالتاسى به و تحفيزة اياهم على ذلك بذكر احتمال ان تكون حجتة تلك اخر حجة له؛

 

اذ قال صلى الله عليه و سلم مرارا: «لتاخذوا مناسككم؛

 

فانى لا ادرى لعلى لا احج بعد حجتى هذه» [87].

ومنها: حثة صلى الله عليه و سلم الناس في خطبتة يوم عرفة على الاعتصام بالتنزيل و التمسك به؛

 

لان ذلك طريق الوقاية من الزيغ و الضلال؛

 

حيث قال صلى الله عليه و سلم: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدة ان اعتصمتم به: كتاب الله» [88].

ومنها: تحذيرة صلى الله عليه و سلم امتة من اتباع الاهواء و الابتداع في الدين؛

 

اذ قال صلى الله عليه و سلم و هو و اقف على ناقتة بعرفات: «الا و اني فرطكم على الحوض،

 

و اكاثر بكم الامم؛

 

فلا تسودوا و جهي،

 

الا و اني مستنقذ اناسا و مستنقذ منى اناس،

 

فاقول: يا رب اصيحابي،

 

فيقول: انك لا تدرى ما احدثوا بعدك» [89].

6 القيادة الناجحة و المعاملة الحسنة:

جمل الله تعالى رسولة صلى الله عليه و سلم بكمالات الاخلاق،

 

و زينة باجل الاداب،

 

فامتلك لذلك مقومات القيادة الناجحة و الاساليب المثلي للمعاملة الحسنة،

 

فهوت لذلك الية الافئدة،

 

و تدافع عليه الناس حين بلغهم عزمة على الحج كل يريد السير في رعايتة و تحت لوائه،

 

فحج معه اكثر من ما ئة الف انسان [90] كل يريد ان ياتم به و يعمل مثل عملة [91] فاثر صلى الله عليه و سلم في نفوسهم اعمق تاثير،

 

و وجههم احسن توجيه،

 

و قادهم اعظم قيادة عرفتها البشرية.

ولن تستطيع هذه الكلمات القليلات الاتيان على كافة جوانب عظمتة صلى الله عليه و سلم في قيادة تلك الافواج الضخمة من الحجيج و ابراز تعاملة الفذ معها؛

 

و لذا فستقتصر على ذكر اشارات و تجلية جوانب مختصرة لتكون انموذجا لما خلفها و دليلا على ما و راءها،

 

و ذلك فيما يلي:

ا – جعلة صلى الله عليه و سلم من نفسة قدوة حسنة:

عاب الله عز و جل على بعض عبادة قول الخير و الامر به دون فعله،

 

فقال سبحانه: اتامرون الناس بالبر و تنسون انفسكم و انتم تتلون الكتاب افلا تعقلون البقرة: 44)،

 

و لان خلق رسول الله صلى الله عليه و سلم كان القران [92]؛

 

فما كان عليه الصلاة و السلام ليامر امتة بامر الا و كان اسبقهم اليه،

 

و ما كان لينهاهم عن شيء الا و كان ابعدهم منه،

 

و في الحج تجلي لدية صلى الله عليه و سلم هذا الخلق السامي في مواقف عدة،

 

من ابرزها:

ما جاء في خطبة الوداع حين قال صلى الله عليه و سلم: «الا كل شيء من امر الجاهلية تحت قدمي موضوع،

 

و دماء الجاهلية موضوعة،

 

وان اول دم اضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بنى سعد فقتلتة هذيل،

 

و ربا الجاهلية موضوع،

 

و اول ربا اضع ربانا ربا عباس بن عبدالمطلب فانه موضوع» [93].

ومنها: انه صلى الله عليه و سلم في الوقت الذى كان يحث اصحابة على بر الحج و الاشتغال بالطاع و الخضوع لله عز و جل و الانكسار بين يدية سبحانه[94] كان اكثرهم تقربا و خشية،

 

و اعظمهم ذلا لله تعالى و ضراعة بين يدية [95].

ومنها: انه صلى الله عليه و سلم في الوقت الذى كان يحث اصحابة على الزهد في الدنيا و التعلق بالاخرة [96] كان يحج على رحل رث و قطيفة لا تكاد تساوى اربعة دراهم [97].

ومنها: انه صلى الله عليه و سلم امر بترك المزاحمة و اداء النسك بتؤدة و طمانينة،

 

و افاض هو صلى الله عليه و سلم بسكينة و كان يسير على مهلة [98].

ومنها: انه صلى الله عليه و سلم نهي اصحابة عن الغلو في الدين و امرهم بان يرموا الجمرة بمثل حصي الخذف [99]،

 

و رماها هو صلى الله عليه و سلم بمثل ما امرهم به [100].

وهذا الامر من اعظم ما دعا الناس الى حبة صلى الله عليه و سلم،

 

و حملهم على التاثر به؛

 

اذ هو عنوان استقامة القيادة و اخلاصها و دليل ايمانها فيما تامر به و جديتها في تنفيذه.

ب – تواضعة صلى الله عليه و سلم مع الناس:

التواضع سيد الاخلاق و مصيدة الشرف،

 

و من اسباب رفعة الله تعالى للعبد كما جاء في حديث ابي هريرة رضى الله عنه مرفوعا: «وما تواضع احد لله الا رفعة الله» [101]،

 

و قد امر الله سبحانة به نبية صلى الله عليه و سلم فقال عز و جل: واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين الشعراء: 215 فامتثل صلى الله عليه و سلم امر ربه،

 

فبلغ في التواضع منزلة لا يطاولة فيها احد من الخلق.

وفى الحج تجلي تواضعة صلى الله عليه و سلم في قيادتة للناس من خلال مواقف و صور شتي كان من ابرزها:

ما تقدم من ان حجة صلى الله عليه و سلم كان على رحل رث،

 

و قطيفة لا تكاد تساوى اربعة دراهم [102].

ومنها: اباؤة صلى الله عليه و سلم التميز عن الناس بشيء،

 

و من اجلي ما ظهر فيه ذلك: رفضة صلى الله عليه و سلم ان يخص بماء لم تجعل فيه الايدى دون الناس،

 

و قوله صلى الله عليه و سلم حين عرض عليه ذلك: «لا حاجة لى فيه،

 

اسقونى مما يشرب منه الناس» [103].

ومنها: اردافة صلى الله عليه و سلم لاسامة بن زيد رضى الله عنهما من عرفة الى مزدلفة امام الخلق و هو من الموالى [104].

ومنها: و قوفة صلى الله عليه و سلم لامراة من احاد الناس يستمع اليها و يجيب عن سؤالها [105].

ومنها: تمكن كل احد من الوصول الية و قضاء بغيتة منه بيسر اذ لم يكن صلى الله عليه و سلم يتخذ حجابا يصرفون الناس عنه و يمنعونهم من مقابلتة و التحدث معه [106].

فكسب صلى الله عليه و سلم بتواضعة الجم قلوب الناس و ثقتهم،

 

و نال محبتهم.

ج – رحمتة صلى الله عليه و سلم بالناس:

الاسلام دين الرحمة،

 

و شريعتة مبنية على العطف و الشفقة في اصولها و فروعها [107]؛

 

و لذا فمن البدهى ان النبى صلى الله عليه و سلم لم يبعث الا رحمة كما قال تعالى: وما ارسلناك الا رحمة للعالمين الانبياء: 107 و كما اخبر صلى الله عليه و سلم عن نفسة بذلك فقال: «انما بعثت رحمة» [108].

وفى الحج نري رحمتة صلى الله عليه و سلم في قيادة الناس متجلية في مواقف كثيرة و صور متنوعة،

 

كان من ابرزها:

الزامة صلى الله عليه و سلم لمن لم يسق الهدى من اصحابة بالحل الكامل من الاحرام،

 

و الذى يتضمن اتيان النساء و لبس الثياب و مس الطيب رحمة بالامة و تخفيفا عنها [109].

ومنها: جمعة صلى الله عليه و سلم لصلاتى الظهر و العصر في عرفات[110]،

 

و تاخيرة للصلاة حين افاض الى مزدلفة [111] حتى لا يشق على الناس بتعدد النزول،

 

و يتمكن الحاج من اناخة بعيرة و وضع متاعة في الموضع الذى سيبيت فيه.

ومنها: اذنة صلى الله عليه و سلم للضعفة في الافاضة من مزدلفة قبل الناس ليلا حين يغيب القمر حتى يتمكنوا من اداء اعمال يوم النحر قبل الناس تخفيفا عنهم و وقاية لهم من الزحام [112].

ومنها: تيسيرة صلى الله عليه و سلم على الناس في التقديم و التاخير في اعمال يوم النحر،

 

و قوله لمن سالة عن ذلك: «افعل و لا حرج» [113].

ومنها: تخفيفة صلى الله عليه و سلم عن اصحاب الحاجات كاذنة لعمة العباس رضى الله عنه بان يبيت بمكة ليالي مني من اجل سقايتة الحاج [114]،

 

و اذنة لرعاة الابل بان يجمعوا رمى يومين بعد يوم النحر فيرمونة في احدهما [115]

ومنها: تركة صلى الله عليه و سلم لفعل الافضل في احيان رحمة بالناس و رفقا بهم كركوبة في الطواف و السعى و استلامة الحجر بمحجن،

 

و تركة تقبيلة و استلامة باليد،

 

و المشي في الطواف و السعى و هو افضل لكي لا يصرف الناس عنه و يضربوا بين يدية [116].

د – احسانة صلى الله عليه و سلم الى الناس:

وفى الحج نجد ان احسانة صلى الله عليه و سلم اثناء قيادتة للناس لا يحد؛

 

اذ ما انت متامل في جانب الا و تري احسانة فيه بارزا،

 

و بما ان حصر دلائل احسانة صلى الله عليه و سلم في كافة الجوانب امر يطول و ليس بغاية،

 

فسيقتصر فيما يلى على امثلة من ذلك:

اكثارة صلى الله عليه و سلم في الموسم من البذل و العطاء؛

 

اذ قسم في المساكين بدنة المائة كلها: لحومها و جلودها و جلالها [117]،

 

و قسم الصدقة على الناس في اكثر من موضع [118].

ومنها: احسانة صلى الله عليه و سلم الى اسامة بن زيد و الفضل بن العباس رضى الله عنهم باردافهما خلفة على راحلتة خلال التنقل بين عرفة و مزدلفة و مني [119].

ومنها: احسانة صلى الله عليه و سلم الى الضعفاء من خلال الوصاية بهم في خطبة [120].

ومنها: حرصة صلى الله عليه و سلم على نجاة امتة و قبول الله لها؛

 

اذ الح على الله بالدعاء لها بالمغفرة عشية عرفة و في مزدلفة [121]،

 

و حين طلب احدهم الدعاء منه عمم دعاءة فقال: «غفر الله لكم» [122].

ومنها: حرصة صلى الله عليه و سلم على البلاغ من خلال و ضوح البيان و التكرار لما يحتاج الى ذلك،

 

و تركة تشقيق الامور؛

 

اذ اقتصر صلى الله عليه و سلم في خطبة على بيان اصول الاسلام و المحرمات العظام و بعض القواعد التي تحتاج الى مزيد بيان حتى يوعي عنه و يفهم [123].

ومنها: استجابتة صلى الله عليه و سلم لرغبات الناس و تحقيقة لمطالبهم تطييبا لنفوسهم و مراعاة لخواطرهم [124].

ة – صبرة صلى الله عليه و سلم على الناس:

جمع لرسول الله صلى الله عليه و سلم في الحج انواع الصبر الثلاثة في ان واحد؛

 

اذ كان ابر اصحابة رضى الله عنهم بالله،

 

و اعظمهم صبرا في امتثال الاوامر و فعل القربات حتى يؤديها بطمانينة و اخبات و خشوع بين يدى مولاة سبحانة [125].

كما كان صلى الله عليه و سلم اتقاهم لله تعالى،

 

و اعلمهم به،

 

و اغضبهم له،

 

و احفظهم لحدوده،

 

و ابعدهم عن انتهاك حرماتة [126].

اما صبرة صلى الله عليه و سلم على الناس و تحملة لمشقة قيادتهم دون ملل او سخط او تضجر فامر يبهر العقل،

 

و يكفى للتدليل عليه تصور و ظائفة صلى الله عليه و سلم و ادراك حالة في الموسم و واقع من حج بهم.

فاما و ظائفه: فقد كان صلى الله عليه و سلم عبدا لله حريصا على تحقيق الكمال البشرى في التذلل لله و الانكسار بين يدية سبحانه،

 

و اداء النسك على و جهه.

وكان صلى الله عليه و سلم قائدا للناس و راعيا لهم و مسؤولا عن احوالهم و اجتماع كلمتهم.

وكان صلى الله عليه و سلم معلما مرشدا لتلك الافواج الضخمة من البشر و مربيا لها على الخير،

 

يختلج في صدرة حرص شديد على تحقيق الكمال في تبليغ الرسالة و بيان الاحكام.

و – رفقة صلى الله عليه و سلم بالناس:

وفى الحج بان رفقة صلى الله عليه و سلم بالناس اثناء قيادتة لهم في مواقف عدة:

منها: استظلالة صلى الله عليه و سلم و ركوبة في التنقل بين المشاعر،

 

و غير ذلك من جوانب اليسر التي لو فعل صلى الله عليه و سلم خلافها لكان على العباد في التاسى به مشقة عظيمة [127].

ومنها: ركوبة صلى الله عليه و سلم اثناء اداء بعض المناسك كالطواف و السعى خشية ان يدفع عنه الناس و يضربوا بين يدية [128].

ومنها: بروزة صلى الله عليه و سلم للناس طوال الموسم لكي لا يشق على الناس تاسيهم به او سؤالة عما يشكل عليهم [129].

ومنها: تخفيفة صلى الله عليه و سلم على الناس و عدم تكليفهم من الامر فوق ما يطيقون،

 

سواء من جهة اعمال النسك او من جهة قيادتة الحجيج و تولية امرهم،

 

و هذا جلى لمن تامل سيرتة صلى الله عليه و سلم في الحج [130].

ومنها: عدم قربة صلى الله عليه و سلم الكعبة بعد طوافة بها طواف القدوم حتى رجع من عرفة [131]،

 

و استقرارة صلى الله عليه و سلم على الصحيح بمني في ايام التشريق،

 

و عدم خروجة منها الى الحرم الا حين اراد الوداع،

 

و في ذلك من الرفق ما هو ظاهر [132].

ومنها: اختيارة صلى الله عليه و سلم للايسر دوما؛

 

كما تقدم من امرة صلى الله عليه و سلم من لم يسق الهدى من اصحابة رضى الله عنهم بالحل،

 

و جمعة صلى الله عليه و سلم للصلوات في عرفة و مزدلفة،

 

و قصرة للصلاة بمني [133].

ومنها: امرة صلى الله عليه و سلم لاصحابة رضى الله عنهم بالرفق بانفسهم،

 

و من ذلك قوله صلى الله عليه و سلم حين راي رجلا يسوق بدنة و هو يمشي:

«اركبها،

 

فقال: انها بدنة،

 

فقال: اركبها،

 

قال: انها بدنة،

 

قال: اركبها و يلك في الثالثة او في الثانية» [134].

الثالث: احوال النبى صلى الله عليه و سلم في الحج مع اهله:

كان النبى صلى الله عليه و سلم ارعي الخلق لقريب،

 

و احناهم على رحم،

 

و اكثرهم احسانا الى اهل،

 

شهد المخالطون له صلى الله عليه و سلم بذلك،

 

فوصفة و اصفهم بانه صلى الله عليه و سلم كان «ابر الناس و اوصل الناس» [135].

وفى الحج تجلي برة باهله،

 

و صلتة صلى الله عليه و سلم لرحمه،

 

و احسانة الى اقاربة في صور شتي و مشاهد مختلفة،

 

و من الاهمية بمكان الاشارة قبل تعداد شيء من ذلك الى ان اهل بيت النبوة رضى الله عنهم قد شاركوا الناس فيما افادهم به صلى الله عليه و سلم،

 

و من دلائل ذلك قول عائشة رضى الله عنها مخاطبة رسول الله صلى الله عليه و سلم: «سمعتك تقول لاصحابك ما قلت؛

 

فمنعت العمرة»،

 

بل ان المتامل في امر النسك يجد ان كثيرا من احكامة منقول عنهم،

 

و ذلك لما كان لهم رضى الله عنهم من مزيد لصوق به صلى الله عليه و سلم و اختصاص دون الناس،

 

و لعل من ابرز احوالة صلى الله عليه و سلم معهم ما يلي:

1 – تعليمهم احكام النسك:

اهتم النبى صلى الله عليه و سلم بتعليم اهل بيته احكام النسك ليصفو لهم تقربهم،

 

و تصح منهم عبادتهم،

 

و من دلائل ذلك:

ما جاء في حديث ام سلمة رضى الله عنها قالت: «سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول: اهلوا يا ال محمد بعمرة في حج» [136]،

 

و قوله صلى الله عليه و سلم لعائشة رضى الله عنها حين حاضت قبل ان تطوف بالبيت: «افعلى ما يفعل الحاج غير ان لا تطوفى بالبيت» [137]،

 

و قوله صلى الله عليه و سلم لاغيلمة بنى عبدالمطلب ليلة مزدلفة: «لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس» [138]،

 

و ما روى عنه صلى الله عليه و سلم حين قالت له عائشة رضى الله عنها: الا نبنى لك بيتا يظلك بمنى

 

فقال: «انما مني مناخ من سبق» [139].

2 – مواساتهم و مراعاة خواطرهم:

كان النبى صلى الله عليه و سلم يواسى اهل بيته حين كان الامر يقع على خلاف ما يشتهون،

 

و يراعى خواطرهم؛

 

فيفعل ما يريدون اذا كان الامر لا يعارض مراد الله تعالى،

 

و ابرز ما كان هذا الامر مع زوجة عائشة رضى الله عنها و ذلك حين دخل عليها و هي تبكي؛

 

لانها منعت العمرة المفردة بسبب الحيض،

 

فواساها صلى الله عليه و سلم قائلا: «فلا يضرك،

 

انت من بنات ادم،

 

كتب الله عليك ما كتب عليهن،

 

فكوني في حجتك عسي الله ان يرزقكها» [140]،

 

و حين قالت رضى الله عنها: «يا رسول الله

 

اترجع صواحبى بحج و عمرة و ارجع انا بالحج

 

فامر رسول الله صلى الله عليه و سلم عبدالرحمن بن ابي بكر،

 

فذهب بها الى التنعيم،

 

فلبت بالعمرة» [141].

3 – الرفق بهم و التيسير على ضعيفهم و صاحب الحاجة منهم:

كان النبى صلى الله عليه و سلم في الحج رفيقا بال بيته،

 

رحيما بهم،

 

يحن على ضعيفهم و يختار الايسر لهم،

 

و يعطف على صاحب الحاجة منهم و يخفف عنه،

 

و الشواهد الدالة على ذلك عديدة،

 

منها:

اختيارة صلى الله عليه و سلم الايسر لزوجاتة و امرهن به،

 

كما في حديث حفصة رضى الله عنها: «ان النبى صلى الله عليه و سلم امر ازواجة ان يحللن عام حجة الوداع» [142].

ومنها: قوله صلى الله عليه و سلم لما دخل على ضباعة بنت الزبير رضى الله عنها و هي و جعة: «حجى و اشترطي،

 

و قولي: اللهم محلى حيث حبستني» [143].

4 – ازالة ما لديهم من منكر:

حرص النبى صلى الله عليه و سلم على تنقية ال بيته رضى الله عنهم من المعاصي،

 

و تصفيتهم من المنكرات؛

 

فكان اذا و قع احدهم في منكر انكر عليه،

 

و صرفة عنه،

 

و من ذلك انكارة صلى الله عليه و سلم العملى على الفضل بن العباس رضى الله عنهما النظر الى المراة الخثعمية التي جاءت تسال النبى صلى الله عليه و سلم و منعة له من الاستمرار في ذلك [144]،

 

بل انه صلى الله عليه و سلم جعل من ال بيته في هذا الجانب قدوة للناس،

 

و من ذلك حين قام صلى الله عليه و سلم خطيبا في و سط الناس بعرفة فقال: «الا كل شيء من امر الجاهلية تحت قدمي موضوع،

 

و دماء الجاهلية موضوعة،

 

وان اول دم اضع من دمائنا: دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعا في بنى سعد فقتلتة هذيل،

 

و ربا الجاهلية موضوع،

 

و اول ربا اضع ربانا: ربا عباس بن عبدالمطلب؛

 

فانة موضوع كله».

5 – تشجيعهم على الخير و حثهم عليه:

كان النبى صلى الله عليه و سلم يحث ال بيته رضى الله عنهم على فعل الطاعات،

 

و يشجعهم على التزود من الخيرات،

 

و من ذلك: انه حين مر على بنى عمومته،

 

و هم ينزعون الماء من بئر زمزم و يسقون الناس خاطبهم قائلا: «انزعوا بنى عبدالمطلب؛

 

فلولا ان يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» [145]،

 

بل انه صلى الله عليه و سلم كان ييسر لهم ذلك،

 

و منه: اذنة لعمة العباس رضى الله عنه بالبيتوتة بمكة ليالي ايام التشريق من اجل سقايتة الحجيج [146].

6 – و قايتهم من الفتن:

الفتن مفسدات للقلوب،

 

مزيغات للالباب،

 

و حين تجتمع الاعداد الغفيرة من الذكور و الاناث تكون الفرصة مهياة لحصولها،

 

و بخاصة فتنة النساء،

 

و لذا نجد النبى صلى الله عليه و سلم يخاف على ال بيته رضى الله عنهم في الحج منها؛

 

و يحرص صلى الله عليه و سلم على حمايتهم عند تعرضهم لها،

 

و من الشواهد الدالة على ذلك:

اسدال نسائة صلى الله عليه و سلم بحضرتة للجلابيب على و جوههن و هن محرمات عند محاذاة الرجال لهن،

 

فاذا جاوزوهن كشفن [147].

ومنها: توجيهة صلى الله عليه و سلم لنسائة بعدم مخالطة الرجال في الطواف مع انهن رضى الله عنهن كن يطفن معهم،

 

كما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه و سلم لام سلمة رضى الله عنها: «طوفى من و راء الناس و انت راكبة» [148]،

 

و في رواية انه صلى الله عليه و سلم قال لها: «اذا اقيمت صلاة الصبح فطوفى على بعيرك و الناس يصلون ففعلت و لم تصل حتى خرجت» [149]،

 

و كما يفهم ذلك من حديث ابن جريج قال: «اخبرنى عطاء اذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال،

 

قال: كيف يمنعهن و قد طاف نساء النبى صلى الله عليه و سلم مع الرجال

 

قلت: ابعد الحجاب او قبل

 

قال: اي لعمري

 

لقد ادركتة بعد الحجاب،

 

قلت: كيف يخالطن الرجال

 

قال: لم يكن يخالطن،

 

كانت عائشة رضى الله عنها تطوف حجرة من الرجال لا تخالطهم،

 

فقالت: امراة انطلقى نستلم يا ام المؤمنين

 

قالت: عنك.

 

و ابت،

 

فكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال،

 

و لكنهن كن اذا دخلن البيت قمن حتى يدخلن،

 

و اخرج الرجال» [150].

7 – الاحسان اليهم:

تعددت و جوة احسانة صلى الله عليه و سلم الى ال بيته و تنوعت بصورة جعلت المتامل يجزم بان كل احوالة صلى الله عليه و سلم معهم احسان؛

 

اذ ما من جانب الا و انت راء ان فضلة صلى الله عليه و سلم عليهم ظاهر،

 

و جودة عليهم بين،

 

و دلائل ذلك فوق الحصر،

 

و من اوضح ذلك:

حرصة صلى الله عليه و سلم على ادائهم للنسك معه،

 

و اقناعة لمن لم يكن ينوى منهم الخروج بالمبادرة الى ذلك،

 

كما في قصة ضباعة رضى الله عنها حين دخل عليها النبى صلى الله عليه و سلم فقال لها: «اردت الحج

 

قالت: و الله ما اجدنى الا و جعة،

 

فقال لها: حجى و اشترطى و قولي: اللهم محلى حيث حبستني» [151].

ومنها: خروجة صلى الله عليه و سلم بجميع نسائة رضى الله عنهن [152]،

 

و هو امر يفوق العدل كما هو جلى لمن تدبر؛

 

اذ كان بوسعة صلى الله عليه و سلم ان لا يخرج بواحدة منهن،

 

اوان يقرع بينهن و يخرج باحداهن.

8 – الاستعانة بهم و استعمالهم:

استعان النبى صلى الله عليه و سلم بال بيته رضى الله عنهم،

 

و استنابهم و استعملهم في بعض امره،

 

و من شواهد ذلك:

جعلة صلى الله عليه و سلم زوجة عائشة رضى الله عنها تفتل له قلائد بدنة من صوف كان عندها بالمدينة قبل ان يحرم [153].

ومنها: ما رواة ابن عباس رضى الله عنهما قال: «قال رسول الله صلى الله عليه و سلم غداة العقبة و هو على ناقته: القط لى حصى،

 

فلقطت له سبع حصيات» [154].

ومنها: اعطاؤة صلى الله عليه و سلم لعلى رضى الله عنه ما بقى من بدنة لينحرها [155]،

 

و امرة صلى الله عليه و سلم له بان يقوم على بدنه،

 

و بان يتصدق على الناس بلحومها و جلودها و اجلتها [156].

ومنها: استسقاؤة صلى الله عليه و سلم من بنى عمة حين جاء اليهم و هم يسقون الناس من زمزم،

 

فقال لعمة العباس رضى الله عنه: «اسقني،

 

فشرب منه» [157]،

 

و يدل عليه ايضا حديث ابن عباس رضى الله عنهما قال: «سقيت رسول الله صلى الله عليه و سلم من زمزم فشرب و هو قائم» [158].

وبعد:

فان ما سبق من سطور لا يعدوان يكون و مضات مشرقة من احوالة صلى الله عليه و سلم في الحج،

 

كتبت من مقل على عجل،

 

راجيا من ربى قبولها و النفع بها،

 

لتكون عونا للسائرين الية عز و جل على حج مبرور و ذنب مغفور،

 

و الموضوع اكبر من ان يحيط به مثلي،

 

و هو بحاجة الى مزيد بحث،

 

و امعان فكر،

 

و تدقيق نظر،

 

اسال الله ان يهيئ له من يقوم به على و جهة من اهل العلم،

 

انة على كل شيء قدير،

 

و بالاجابة جدير،

 

و صلى الله و سلم على سيدنا محمد،

 

و على الة و اصحابة اجمعين.

    احوال النبي في الحج مع امته

586 views

احوال النبي في الحج