12:43 مساءً الخميس 20 سبتمبر، 2018

احوال النبي في الحج



احوال النبي في الحج

صوره احوال النبي في الحج

امر الله تعالى عباده باتباع نبيه صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل وما اتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا الحشر:

7)،

وجعله سبحانه قدوه حسنه لهم فقال:

)لقد كان لكم في رسول الله اسوه حسنه لمن كان يرجو الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا الاحزاب:

21).

والحج من اوضح عبادات الاسلام التي يتجلى فيها اتباع النبي صلى الله عليه وسلم والتاسي به،

والملحوظ في واقع الناس اليوم سيطره الحديث عن الاحكام وانشغالهم بتعداد الاخطاء التي تقع فيه،

وما يصح به النسك او يبطل،

ومع اهمية هذا الجانب وضرورته نتيجة تفشي الجهل ودوران صحة العمل او بطلانه على ذلك،

الا انه ادى الى نسيان الكثير من جوانب التاسي بالنبي صلى الله عليه وسلم،

واغفال اعداد غفيره من الحجيج لمعان كثيرة راعاها النبي صلى الله عليه وسلم اثناء ادائه لنسكه،

وفي ظل هذا الغياب اصبح المرء يرى في الحج العديد من المظاهر التي يقع فيها كثير من طلبه العلم الحريصين على تطبيق السنه فضلا عن غيرهم،

وهي غير متفقه مع هديه صلى الله عليه وسلم،

ولذا جاءت هذه المقاله لتحاول اعطاء توصيف اشمل وصورة ادق عن احواله صلى الله عليه وسلم في الحج لعل في ذلك مزيد عون للمتاسين به صلى الله عليه وسلم،

والسائرين على نهجه.

ونظرا لكثرة الحديث عن صفه نسكه صلى الله عليه وسلم فلن تتعرض المقاله لذلك،

وستكتفي بابراز نماذج واشارات عامة في الجوانب الاخرى نظرا لكون الموضوع اوسع من ان تحيط به مقاله او تكفي في عرضه الموارد المعتمده.

ورغبه في تقريب الموضوع ولم شتاته للقارئ فسيكون في ثلاثه محاور رئيسه الاول:

احوال النبي صلى الله عليه وسلم في الحج مع ربه:

لم يشغل النبي صلى الله عليه وسلم تعليم الحجيج وقيادتهم والعنايه باهل بيته ورعايه زوجاته عن الصله بربه والانكسار بين يديه،

وقد اخذ ذلك صورا واشكالا شتى من ابرزها:

صوره احوال النبي في الحج

1 – تحقيق التوحيد والعنايه به:

يعد التوحيد احد القضايا الرئيسه التي عمل النبي صلى الله عليه وسلم في الحج على تحقيقها والعنايه بها،

وهذا جلي من خلال التامل في اعماله صلى الله عليه وسلم في الحج،

ومن ذلك:

التلبيه وهي شعار الحج التي تتضمن افراد الله وحده لا شريك له بالعمل،

واستمر صلى الله عليه وسلم يلهج بها منذ دخوله في النسك الى حين رميه لجمره العقبه يوم النحر.

ومنها:

عنايته صلى الله عليه وسلم باخلاص العمل وسؤاله ربه ان يجنبه الرياء والسمعه كما في حديث انس رضي الله عنه مرفوعا قال:

«اللهم حجه لا رياء فيها ولا سمعه»[1].

ومنها:

دعاؤه صلى الله عليه وسلم على الصفا والمروه بالتوحيد كما في حديث جابر رضي الله عنه قال:

«فبدا بالصفا فرقى عليه حتى راى البيت،

فاستقبل القبله فوحد الله وكبره،

وقال:

لا اله الا الله وحده لا شريك له،

له الملك،

وله الحمد،

وهو على كل شيء قدير،

لا اله الا الله وحده… قال مثل هذا ثلاث مرات… حتى اتى المروه ففعل على المروه كما فعل على الصفا..»[2].

2 – اظهار البراءه من المشركين وتعمد مخالفتهم:

حرص النبي صلى الله عليه وسلم على مخالفه المشركين والسير على سنه ابينا ابراهيم عليه السلام في كثير من شعائر الحج واحكامه،

ووصل الامر غايته حين تبرا صلى الله عليه وسلم من اعمال المشركين في خطبته يوم عرفه،

واخبر ان كل شيء من امر الجاهليه فهو موضوع تحت قدميه[3].

والشعائر التي بان فيها تعمدة المخالفه كثيره،

من اهمها:

التلبيه،

وقد كان المشركون يضمنونها الشرك بالله ويقولون فيها:

(الا شريكا هو لك تملكه وما ملك)؛

فاخلص النبي صلى الله عليه وسلم فيها التوحيد،

ونبذ الشرك وتبرا منه[4].

ومنها:

وقوفه مع الناس بعرفه ومخالفته لكفار قريش الذين كانوا يقفون في مزدلفه

ويقولون:

لا نفيض الا من الحرم[5].

ومنها:

افاضته من مزدلفه قبل طلوع الشمس مخالفا المشركين الذين كانوا لا يفيضون منها حتى تطلع الشمس،

ويقولون:

اشرق ثبير كيما نغير[6].

3 – كثرة التضرع والمناجاه والدعاء:

للدعاء منزله رفيعه؛

اذ هو «اظهار غايه التذلل والافتقار الى الله والاستكانه له»[7]،

ولذا قال النبي صلى الله عليه وسلم:

«الدعاء هو العباده»[8]،

وقد كان للنبي صلى الله عليه وسلم في الحج منه اوفر الحظ والنصيب؛

فقد دعا ربه في الطواف[9]،

وعند الوقوف على الصفا و المروه،

واطال في الدعاء يوم عرفه وهو على ناقته رافعا يديه الى صدره كاستطعام المسكين منذ ان استقر في مقامه الذي وقف فيه بعد الصلاة الى ان غربت الشمس،

وفي مزدلفه في المشعر الحرام منذ ان صلى الفجر الى ان اسفر جدا قبل ان تطلع الشمس [10]،

وفي ايام التشريق بعد رمي الجمرتين الاوليين كان يستقبل القبله ويقوم طويلا يدعو ويرفع يديه[11].

هذا شيء مما نقل عنه في دعاء المساله.

اما دعاء الثناء والذكر فلم يفارقه صلى الله عليه وسلم منذ ان دخل في النسك الى ان عاد الى المدينه؛

اذ لم يزل صلى الله عليه وسلم رطب اللسان بذكر الله مكثرا من الثناء على الله بما هو اهله من تلبيه وتكبير وتهليل وتسبيح وتحميد راكبا وماشيا وفي كل احواله صلى الله عليه وسلم كما هو جلي لمن قرا صفه حجه صلى الله عليه وسلم وتتبع احواله فيه[12].

ومن الاهمية بمكان التنبيه على ان المنقول من دعائه صلى الله عليه وسلم وتضرعه وثنائه على ربه في الحج قليل جدا بالنسبة لما لم ينقل؛

اذ الاصل ان ذلك سر بين العبد وربه،

وانما جهر صلى الله عليه وسلم بما جهر به حين كان يريد تاسي امته به،

والا فان ذكر الله من غايات الحج ومقاصده العظام كما يلمح ذلك من قوله عز وجل:

)فاذا افضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وان كنتم من قبله لمن الضالين ثم افيضوا من حيث افاض الناس واستغفروا الله ان الله غفور رحيم فاذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم اباءكم او اشد ذكرا البقره:

198-200)،

بل ان اعمال الحج وشعائره انما شرعت لذكر الله تعالى كما يدل عليه حديث عائشه رضي الله عنها مرفوعا:

«انما جعل الطواف بالبيت وبين الصفا والمروه ورمي الجمار لاقامه ذكر الله»[13]،

وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«ايام التشريق ايام اكل وشرب وذكر لله»[14].

4 – التوقف عند حدود الله عز وجل:

الوقوف عند حدود الله تعالى غايه التقوى ودليل صدق الايمان وعلامه كمال العبوديه،

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم اعلم الناس بحدود ربه،

واتقاهم له،

واكثرهم تعظيما لحرماته،

وقد لاح ذلك في الحج في مواقف شتى،

منها:

عندما لم يحل من احرامه مراعاه لاصحابه؛

لانه ساق الهدي؛

وذلك انه صلى الله عليه وسلم امر من لم يسق الهدي من اصحابه بان يحلوا احرامهم ويجعلوا حجهم عمره؛

فتاخروا في ذلك ظنا منهم انه لم يعزم عليهم في ذلك وانما ابان لهم الجواز،

وقال بعضهم معبرا عن عدم رغبته في الحل من الاحرام:

«ناتي عرفه تقطر مذاكيرنا المني»

فقام النبي صلى الله عليه وسلم فيهم حين بلغه ذلك فقال:

«قد علمتم اني اتقاكم لله واصدقكم وابركم،

ولولا هديي لحللت كما تحلون فحلوا»[15].

ومنها قوله صلى الله عليه وسلم عن زوجه صفيه رضي الله عنها حين حاضت ليلة النفر وقبل ان يعلم انها طافت طواف الافاضه يوم النحر:

«ما اراها الا حابستكم»[16] مع ما في ذلك من الحرج الشديد له امام الخلق؛

اذ كيف يحبس الناس عن النفير بسببها؟!

5 – الخشوع والسكينه:

يدرك حضور القلب وخشوعه بسكون الجوارح ووقارها؛

اذ الظاهر عنوان الباطن[17]،

وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم في حجه بين الامرين؛

فكان حاضر القلب غير متشاغل بشيء عن نسكه،

خاضعا لربه فيه،

ذليلا منكسرا بين يدي مولاه،

مكثرا من التضرع والمناجاه مع اطاله للقيام ورفع لليدين اثناء ذلك[18].

كما كان النبي صلى الله عليه وسلم خاشع الجوارح يسير سيرا لينا بسكينه ووقار،

ويؤدي مناسكه بتؤده واطمئنان،

يدل على ذلك حديث جابر رضي الله عنه قال:

«افاض رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه السكينه»[19]،

وحديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما «انه دفع مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم عرفه،

فسمع النبي صلى الله عليه وسلم وراءه زجرا شديدا وضربا وصوتا للابل،

فاشار بسوطه اليهم،

وقال:

ايها الناس عليكم بالسكينه؛

فان البر ليس بالايضاع»[20].

6 – الاستكثار من الخير ومباشرته:

حث الله عباده على التزود من التقوى والتسابق في الخيرات،

فقال عز وجل:

)وتزودوا فان خير الزاد التقوى واتقون يا اولي الالباب البقره:

197)،

وقد كان هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الحج وديدنه فيه،

ومن المظاهر الداله على ذلك:

حرصه صلى الله عليه وسلم على المجيء بمستحبات النسك كالاغتسال للاحرام[21]،

والتطيب عند الاهلال به وعند الخروج منه[22]،

واشعار الهدي وتقليده[23]،

والاكثار من التلبيه والجهر بها حتى رمي جمره العقبه[24]،

وبدء البيت بالطواف[25]،

والرمل فيه[26]،

والاستلام للركنين[27]،

وصلاه ركعتي الطواف خلف المقام[28]،

والدعاء على الصفا والمروه،

والسرعه الشديده في بطن الوادي[29]،

والذكر عند استلام الركنين ورمي الجمار[30]،

وغيرها من السنن كثير.

7 – التوازن والاعتدال:

خير الامور الوسط،

وكلا طرفي قصد الامور ذميم،

وقد كان من ابرز احوال المصطفى صلى الله عليه وسلم وما تجلى من خلقه في الحج التوازن والاعتدال،

وكراهيه الافراط والتفريط،

ولعل الذي يعنينا من ذلك في حالة مع ربه عز وجل امران:

الاول:

اعتداله صلى الله عليه وسلم وموازنته بين العنايه بنفسه من خلال قوه صلته بربه من جهه [31]،

وبين التعليم لامته وقيادتها،

والرعايه لزوجاته والحنو على اهل بيته من جهه اخرى [32].

الثاني:

اعتداله صلى الله عليه وسلم وموازنته بين كل من حقوق روحه

وجسده؛

اذ في ذلك الجو الايماني المهيب الذي قد يدفع الكثيرين الى التفريط في حق الجسد والافراط في حق الروح نجده صلى الله عليه وسلم معتنيا بجسده غايه العنايه؛

اذ صعد يوم الترويه الى منى ليقرب من عرفه[33]،

ونام ليلة عرفه ومزدلفه[34]،

وافطر يوم عرفه[35]،

وترك ليلة جمع صلاه النافله[36]،

واستظل فيه بقبه من شعر ضربت له قبل[37]،

وركب في تنقلاته بين المشاعر[38] واثناء قيامه ببعض اعمال الحج[39]،

واتخذ صلى الله عليه وسلم من يخدمه ويقوم بامره[40]… ونحو ذلك من الامور التي ترفق بالجسد،

وتمكنه من التقوي على العباده واداء النسك بحضور قلب وتدبر وخشوع وطمانينه.

8 – الزهد في الدنيا:

كان النبي صلى الله عليه وسلم زاهدا في الدنيا،

معرضا عما لا ينفع في الاخره منها،

ومظاهر زهده صلى الله عليه وسلم في الحج بالدنيا وتعلق قلبه بالاخره كثيرة لا تكاد تحصى،

ومن ابرزها:

انه حج على رحل رث وقطيفه تساوي اربعه دراهم او لا تساوي[41].

ومنها:

اردافه صلى الله عليه وسلم على راحلته امام الحجيج اسامه بن زيد رضي الله عنهما من عرفه الى مزدلفه،

و الفضل بن العباس رضي الله عنهما من مزدلفه الى منى[42].

ومنها:

عدم تميزه في الموسم عن الناس بشيء،

واعظم ما تجلى فيه ذلك انه صلى الله عليه وسلم «جاء الى السقايه فاستسقى فقال العباس:

يا فضل

اذهب الى امك فائت رسول الله صلى الله عليه وسلم بشراب من عندها،

فقال:

اسقني،

قال:

يا رسول الله

انهم يجعلون ايديهم فيه.

قال:

اسقني،

فشرب منه»[43]،

وفي روايه انهم حين قالوا:

ناتيك به من البيت قال:

«لا حاجة لي فيه،

اسقوني مما يشرب منه الناس»[44].

ومنها:

عظم هديه؛

اذ قرب مائه بدنه[45]،

ومن تعلق قلبه بالدنيا فانه لا يخرج شيئا فوق الحد الواجب.

ومنها:

جمعه بين الهدي والاضحيه[46] مع ان الهدي يجزئ الحاج عنها.

الثاني:

احوال النبي صلى الله عليه وسلم في الحج مع امته:

عجب امر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج؛

اذ قام بتعليم الناس وقيادتهم في ان واحد؛

ومع ذلك فما انت مريد ان ترى شيئا فعله صلى الله عليه وسلم معهم على خلاف الاولى الا وانت عاجز عن ذلك.

وكل احواله صلى الله عليه وسلم والوظائف التي قام بها مع امته داله على عظمته وعلو مرتبته،

ولعل من ابرز ذلك:

1 – التعليم:

بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم «معلما ميسرا»[47]،

وقد بلغ الغايه في ذلك،

فشهد له الناس بانه ما راى الخلق «معلما قبله ولا بعده احسن تعليما منه»[48]،

ومن تامل حجه صلى الله عليه وسلم وجد انه هو ذلك المعلم الموصوف بعينه؛

اذ امر صلى الله عليه وسلم بان يؤذن قبل الحج في الناس بانه صلى الله عليه وسلم يريد الحج ليسهل على من يريد مرافقته السفر معه،

فقدم المدينه بشر كثير كلهم يلتمس ان ياتم به وياخذ عنه[49]،

فاختلط بالناس واشرف لهم،

وبرز طوال الموسم[50]،

وكان احد لا يصرف عنه ولا يدفع[51]،

ولم يكن حوله ضرب ولا طرد ولا قول:

اليك اليك[52].

وحرص صلى الله عليه وسلم على البلاغ واقامه الحجه على الخلق فحفزهم على التعلم،

وشحذ هممهم،

وشد انتباههم الى ما يقول ويفعل بتنويع اساليب الخطاب وطرق التعليم،

وامره لهم باخذ المناسك عنه لاحتمال ان تكون حجته الاخيره[53]،

ومطالبته اياهم بالشهاده له بالبلاغ؛

اذ مرارا ما خاطبهم بعد ان يتم تعليمهم قائلا:

«الا هل بلغت؟»[54]،

فيشهد الناس له بذلك قائلين:

«نشهد انك قد بلغت واديت ونصحت»[55].

ولم يقتصر صلى الله عليه وسلم على البلاغ والتعليم بنفسه،

بل اتخذ من يبلغ عنه[56]،

وارسل الرسل لذلك[57].

وابرز الامور التي اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم الناس اياها هي احكام المناسك التي جمع فيها النبي بين البيان والتطبيق العملي[58].

ومن ذلك:

بيان منزله اركان الاسلام ومبانيه العظام؛

اذ قال صلى الله عليه وسلم في احدى خطبة في الموسم:

«اتقوا ربكم،

وصلوا خمسكم،

وصوموا شهركم،

وادوا زكاه اموالكم،

واطيعوا ذا امركم تدخلوا جنه ربكم»[59].

ومن ذلك:

بيان خطوره الشرك وبعض المحرمات العظام؛

اذ قال صلى الله عليه وسلم:

«انما هن اربع:

لا تشركوا بالله شيئا،

ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق،

ولا تسرقوا،

ولا تزنوا»[60].

2 – الافتاء:

من اهم احوال النبي صلى الله عليه وسلم والاعمال التي تقلب فيها مع الناس في الحج تبيين المشكل عليهم من الاحكام والجواب عن استفساراتهم،

ومن اشهر فتاويه صلى الله عليه وسلم في الحج «ان امراه من خثعم قالت:

يا رسول الله

ان ابي شيخ كبير عليه فريضه الله في الحج وهو لا يستطيع ان يستوي على ظهر بعيره،

فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

فحجي عنه»[61]،

وقوله صلى الله عليه وسلم لكل من ساله عن التقديم والتاخير في اعمال يوم النحر:

«افعل ولا حرج»[62].

والملحوظ:

في افتائه صلى الله عليه وسلم في الموسم امور من اوضحها:

وقوفه صلى الله عليه وسلم للناس وبروزه لهم ليروه ويسالوه[63].

ومنها:

جنوحه الى التيسير في فتاويه[64] والتخفيف على ذوي الحاجات[65].

ومنها:

حرصه صلى الله عليه وسلم على الاقناع لمن يستفتيه كقوله صلى الله عليه وسلم لرجل قال له:

«يا رسول الله

ان ابي ادركه الاسلام،

وهو شيخ كبير لا يثبت على راحلته،

افاحج عنه

قال:

ارايت لو كان عليه دين فقضيته عنه اكان يجزيه

قال:

نعم.

قال:

فاحجج عن ابيك»[66].

ومنها:

صبره صلى الله عليه وسلم على السائلين واحتماله لاذاهم مع الرفق والرحمه بهم[67].

3 – الوعظ:

كان للنبي صلى الله عليه وسلم في الوعظ اليد الطولى والقدح المعلى؛

اذ بعثه الله مبشرا ونذيرا،

فارشد امته الى الخير ورغبها فيه،

ونهاها عن الشر ورهبها منه.

وفي الحج كان للوعظ والتوجيه ميدان فسيح ووجود ظاهر،

حتى ان النبي صلى الله عليه وسلم اعاد التذكير ببعض القواعد والامور الهامه[68] من غير ما تكلف اكثر من مره،

وقد تناول وعظه صلى الله عليه وسلم موضوعات عده كان من اهمها:

التزهيد في الدنيا؛

اذ قال صلى الله عليه وسلم قبل الغروب بعرفات:

«ايها الناس

انه لم يبق من دنياكم فيما مضى منها الا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه»[69].

ومنها:

الامر بالتقوى والدلاله على ما يدخل المرء الجنه؛

اذ قال صلى الله عليه وسلم:

«اتقوا ربكم،

وصلوا خمسكم؛

وصوموا شهركم،

وادوا زكاه اموالكم،

واطيعوا ذا امركم تدخلوا جنه ربكم»[70].

ومنها:

بيان ان لا احد يحمل جريره احد،

وان المسؤوليه امام المولى عز وجل فرديه؛

اذ قال صلى الله عليه وسلم:

«الا لا يجني جان الا على نفسه،

لا يجني والد على ولده،

ولا مولود على والده» [71].

ومنها:

الترغيب في ترك الفسوق والعصيان اثناء النسك والاشتغال بما ينفع؛

اذ قال صلى الله عليه وسلم:

«من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته امه» [72]،

وقوله صلى الله عليه وسلم:

«ليس البر بايضاع الخيل ولا الركاب» [73].

ومنها:

التحذير من الغلو؛

اذ قال صلى الله عليه وسلم:

«يا ايها الناس

اياكم والغلو في الدين؛

فانما اهلك من كان قبلكم الغلو في الدين» [74] .

ومنها:

الوصايه بالضعفاء من النساء والارقاء والامر بالاحسان اليهم؛

اذ قال صلى الله عليه وسلم:

«فاتقوا الله في النساء؛

فانكم اخذتموهن بامان الله،

واستحللتم فروجهن بكلمه الله» [75]،

وجاء في حديث مرفوع:

«ارقاءكم ارقاءكم ارقاءكم اطعموهم مما تاكلون،

والبسوهم مما تلبسون؛

فان جاؤوا بذنب لا تريدون ان تغفروه فبيعوا عباد الله ولا تعذبوهم» [76].

4 – توحيد الامه،

وتحذيرها من الفتن ودواعي الافتراق:

كان الحج بما يحمل في طياته من وحده بين افراد الامه في الشعور والمشاعر فرصه سانحه لتوحيد الامه وتحذيرها من الفتنه ودواعي الفرقه،

وقد اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الامر واولاه عنايته،

وقد اخذ ذلك الاهتمام مظاهر شتى من ابرزها:

تسويته صلى الله عليه وسلم بين افراد الامه،

وعدم تمييزه بينهم الا بالتقوى؛

اذ قال صلى الله عليه وسلم:

«ان ربكم واحد،

واباكم واحد؛

الا لا فضل لعربي على عجمي،

ولا لعجمي على عربي،

ولا لاسود على احمر،

ولا احمر على اسود الا بالتقوى» [77].

ومنها:

امره صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعه لمن يقيم كتاب الله عز وجل،

ولزوم الجماعة والنصح للائمه؛

حيث قال صلى الله عليه وسلم:

«ان امر عليكم عبد مجدع اسود يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له واطيعوا» [78]،

وقال صلى الله عليه وسلم بالخيف من منى:

«ثلاث لا يغل عليهن قلب مؤمن:

اخلاص العمل لله،

والنصيحه لولاه المسلمين،

ولزوم جماعتهم؛

فان دعوتهم تحيط من ورائهم» [79].

ومنها:

تحذيره صلى الله عليه وسلم من الاستجابه لتحريش الشيطان؛

حيث قال صلى الله عليه وسلم:

«ان الشيطان قد ايس ان يعبده المصلون في جزيره العرب،

ولكن في التحريش بينهم» [80].

ومنها:

نهيه صلى الله عليه وسلم عن الابتداع في الدين؛

اذ قال صلى الله عليه وسلم محذرا امته:

«الا واني مستنقذ اناسا،

ومستنقذ مني اناس فاقول:

يارب اصيحابي

فيقول:

انك لا تدري ما احدثوا بعدك» [81].

ومنها:

نهيه صلى الله عليه وسلم عما يسبب الفرقه ويؤدي الى الفتنه في المجتمع المسلم كالاقتتال؛

حيث قال صلى الله عليه وسلم بعد ان استنصت الناس:

«لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض» [82].

وكالاستهانه بدماء الاخرين واموالهم واعراضهم؛

حيث قال صلى الله عليه وسلم في خطبة الثلاث في عرفه ويوم النحر واوسط ايام التشريق:

«فان دماءكم واموالكم واعراضكم بينكم حرام كحرمه يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» [83].

وكالظلم واخذ اموال الناس بغير طيب نفس منهم؛

حيث قال صلى الله عليه وسلم:

«اسمعوا مني تعيشوا:

الا لا تظلموا،

الا لا تظلموا،

الا لا تظلموا؛

انه لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفس منه» [84].

5 – التربيه على الاتباع وتوحيد مصدر التلقي:

الاسلام هو الخضوع والذل لله وحده والاذعان لما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم،

ولا تثبت قدم احد فيه ما لم يسلم لنصوص الوحي،

وينقاد اليها ولا يعترض على شيء منها [85]،

والحج ايه في الانقياد ومدرسة في التسليم والاستسلام،

ربى النبي صلى الله عليه وسلم فيه اصحابه رضي الله عنهم على توحيد متابعته،

وغرس في نفوسهم ضروره التاسي به.

يقول جابر رضي الله عنه واصفا الحال:

«ورسول الله صلى الله عليه وسلم بين اظهرنا،

وعليه القران ينزل،

وهو يعرف تاويله،

وما عمل من شيء عملنا به» [86]،

فانتجت تلك التربيه العظيمه ثمرات يانعه مباركه.

ومظاهر تربيته صلى الله عليه وسلم في الحج لاصحابه رضي الله عنهم على المتابعة والاقتصار في الاخذ والتلقي على نصوص الوحي كثيره،

من ابرزها:

مطالبته صلى الله عليه وسلم الحجيج في مواطن عده خلال الموسم بالتاسي به وتحفيزه اياهم على ذلك بذكر احتمال ان تكون حجته تلك اخر حجه له؛

اذ قال صلى الله عليه وسلم مرارا:

«لتاخذوا مناسككم؛

فاني لا ادري لعلي لا احج بعد حجتي هذه» [87].

ومنها:

حثه صلى الله عليه وسلم الناس في خطبته يوم عرفه على الاعتصام بالتنزيل والتمسك به؛

لان ذلك طريق الوقايه من الزيغ والضلال؛

حيث قال صلى الله عليه وسلم:

«وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده ان اعتصمتم به:

كتاب الله» [88].

ومنها:

تحذيره صلى الله عليه وسلم امته من اتباع الاهواء والابتداع في الدين؛

اذ قال صلى الله عليه وسلم وهو واقف على ناقته بعرفات:

«الا واني فرطكم على الحوض،

واكاثر بكم الامم؛

فلا تسودوا وجهي،

الا واني مستنقذ اناسا ومستنقذ مني اناس،

فاقول:

يا رب اصيحابي،

فيقول:

انك لا تدري ما احدثوا بعدك» [89].

6 القياده الناجحه والمعامله الحسنه:

جمل الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم بكمالات الاخلاق،

وزينه باجل الاداب،

فامتلك لذلك مقومات القياده الناجحه والاساليب المثلى للمعامله الحسنه،

فهوت لذلك اليه الافئده،

وتدافع عليه الناس حين بلغهم عزمه على الحج كل يريد السير في رعايته وتحت لوائه،

فحج معه اكثر من مائه الف انسان [90] كل يريد ان ياتم به ويعمل مثل عمله [91] فاثر صلى الله عليه وسلم في نفوسهم اعمق تاثير،

ووجههم احسن توجيه،

وقادهم اعظم قياده عرفتها البشريه.

ولن تستطيع هذه الكلمات القليلات الاتيان على كافه جوانب عظمته صلى الله عليه وسلم في قياده تلك الافواج الضخمه من الحجيج وابراز تعامله الفذ معها؛

ولذا فستقتصر على ذكر اشارات وتجليه جوانب مختصرة لتكون انموذجا لما خلفها ودليلا على ما وراءها،

وذلك فيما يلي:

ا – جعله صلى الله عليه وسلم من نفسه قدوه حسنه:

عاب الله عز وجل على بعض عباده قول الخير والامر به دون فعله،

فقال سبحانه:

)اتامرون الناس بالبر وتنسون انفسكم وانتم تتلون الكتاب افلا تعقلون البقره:

44)،

ولان خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم كان القران [92]؛

فما كان عليه الصلاة والسلام ليامر امته بامر الا وكان اسبقهم اليه،

وما كان لينهاهم عن شيء الا وكان ابعدهم منه،

وفي الحج تجلى لديه صلى الله عليه وسلم هذا الخلق السامي في مواقف عده،

من ابرزها:

ما جاء في خطبة الوداع حين قال صلى الله عليه وسلم:

«الا كل شيء من امر الجاهليه تحت قدمي موضوع،

ودماء الجاهليه موضوعه،

وان اول دم اضع من دمائنا دم ابن ربيعه بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل،

وربا الجاهليه موضوع،

واول ربا اضع ربانا ربا عباس بن عبدالمطلب فانه موضوع» [93].

ومنها:

انه صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي كان يحث اصحابه على بر الحج والاشتغال بالطاع والخضوع لله عز وجل والانكسار بين يديه سبحانه[94] كان اكثرهم تقربا وخشيه،

واعظمهم ذلا لله تعالى وضراعه بين يديه [95].

ومنها:

انه صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي كان يحث اصحابه على الزهد في الدنيا والتعلق بالاخره [96] كان يحج على رحل رث وقطيفه لا تكاد تساوي اربعه دراهم [97].

ومنها:

انه صلى الله عليه وسلم امر بترك المزاحمه واداء النسك بتؤده وطمانينه،

وافاض هو صلى الله عليه وسلم بسكينه وكان يسير على مهله [98].

ومنها:

انه صلى الله عليه وسلم نهى اصحابه عن الغلو في الدين وامرهم بان يرموا الجمره بمثل حصى الخذف [99]،

ورماها هو صلى الله عليه وسلم بمثل ما امرهم به [100].

وهذا الامر من اعظم ما دعا الناس الى حبه صلى الله عليه وسلم،

وحملهم على التاثر به؛

اذ هو عنوان استقامه القياده واخلاصها ودليل ايمانها فيما تامر به وجديتها في تنفيذه.

ب – تواضعه صلى الله عليه وسلم مع الناس:

التواضع سيد الاخلاق ومصيده الشرف،

ومن اسباب رفعه الله تعالى للعبد كما جاء في حديث ابي هريره رضي الله عنه مرفوعا:

«وما تواضع احد لله الا رفعه الله» [101]،

وقد امر الله سبحانه به نبيه صلى الله عليه وسلم فقال عز وجل:

)واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين الشعراء:

215 فامتثل صلى الله عليه وسلم امر ربه،

فبلغ في التواضع منزله لا يطاوله فيها احد من الخلق.

وفي الحج تجلى تواضعه صلى الله عليه وسلم في قيادته للناس من خلال مواقف وصور شتى كان من ابرزها:

ما تقدم من ان حجه صلى الله عليه وسلم كان على رحل رث،

وقطيفه لا تكاد تساوي اربعه دراهم [102].

ومنها:

اباؤه صلى الله عليه وسلم التميز عن الناس بشيء،

ومن اجلى ما ظهر فيه ذلك:

رفضه صلى الله عليه وسلم ان يخص بماء لم تجعل فيه الايدي دون الناس،

وقوله صلى الله عليه وسلم حين عرض عليه ذلك:

«لا حاجة لي فيه،

اسقوني مما يشرب منه الناس» [103].

ومنها:

اردافه صلى الله عليه وسلم لاسامه بن زيد رضي الله عنهما من عرفه الى مزدلفه امام الخلق وهو من الموالي [104].

ومنها:

وقوفه صلى الله عليه وسلم لامراه من احاد الناس يستمع اليها ويجيب عن سؤالها [105].

ومنها:

تمكن كل احد من الوصول اليه وقضاء بغيته منه بيسر اذ لم يكن صلى الله عليه وسلم يتخذ حجابا يصرفون الناس عنه ويمنعونهم من مقابلته والتحدث معه [106].

فكسب صلى الله عليه وسلم بتواضعه الجم قلوب الناس وثقتهم،

ونال محبتهم.

ج – رحمته صلى الله عليه وسلم بالناس:

الاسلام دين الرحمه،

وشريعته مبنيه على العطف والشفقه في اصولها وفروعها [107]؛

ولذا فمن البدهي ان النبي صلى الله عليه وسلم لم يبعث الا رحمه كما قال تعالى:

)وما ارسلناك الا رحمه للعالمين الانبياء:

107 وكما اخبر صلى الله عليه وسلم عن نفسه بذلك فقال:

«انما بعثت رحمه» [108].

وفي الحج نرى رحمته صلى الله عليه وسلم في قياده الناس متجليه في مواقف كثيرة وصور متنوعه،

كان من ابرزها:

الزامه صلى الله عليه وسلم لمن لم يسق الهدي من اصحابه بالحل الكامل من الاحرام،

والذي يتضمن اتيان النساء ولبس الثياب ومس الطيب رحمه بالامه وتخفيفا عنها [109].

ومنها:

جمعه صلى الله عليه وسلم لصلاتي الظهر والعصر في عرفات[110]،

وتاخيرة للصلاه حين افاض الى مزدلفه [111] حتى لا يشق على الناس بتعدد النزول،

ويتمكن الحاج من اناخه بعيره ووضع متاعه في الموضع الذي سيبيت فيه.

ومنها:

اذنه صلى الله عليه وسلم للضعفه في الافاضه من مزدلفه قبل الناس ليلا حين يغيب القمر حتى يتمكنوا من اداء اعمال يوم النحر قبل الناس تخفيفا عنهم ووقايه لهم من الزحام [112].

ومنها:

تيسيره صلى الله عليه وسلم على الناس في التقديم والتاخير في اعمال يوم النحر،

وقوله لمن ساله عن ذلك:

«افعل ولا حرج» [113].

ومنها:

تخفيفه صلى الله عليه وسلم عن اصحاب الحاجات كاذنه لعمه العباس رضي الله عنه بان يبيت بمكه ليالي منى من اجل سقايته الحاج [114]،

واذنه لرعاه الابل بان يجمعوا رمي يومين بعد يوم النحر فيرمونه في احدهما [115]

ومنها:

تركه صلى الله عليه وسلم لفعل الافضل في احيان رحمه بالناس ورفقا بهم كركوبه في الطواف والسعي واستلامه الحجر بمحجن،

وتركه تقبيله واستلامه باليد،

والمشي في الطواف والسعي وهو افضل لكي لا يصرف الناس عنه ويضربوا بين يديه [116].

د – احسانه صلى الله عليه وسلم الى الناس:

وفي الحج نجد ان احسانه صلى الله عليه وسلم اثناء قيادته للناس لا يحد؛

اذ ما انت متامل في جانب الا وترى احسانه فيه بارزا،

وبما ان حصر دلائل احسانه صلى الله عليه وسلم في كافه الجوانب امر يطول وليس بغايه،

فسيقتصر فيما يلي على امثله من ذلك:

اكثاره صلى الله عليه وسلم في الموسم من البذل والعطاء؛

اذ قسم في المساكين بدنه المائه كلها:

لحومها وجلودها وجلالها [117]،

وقسم الصدقة على الناس في اكثر من موضع [118].

ومنها:

احسانه صلى الله عليه وسلم الى اسامه بن زيد والفضل بن العباس رضي الله عنهم باردافهما خلفه على راحلته خلال التنقل بين عرفه ومزدلفه ومنى [119].

ومنها:

احسانه صلى الله عليه وسلم الى الضعفاء من خلال الوصايه بهم في خطبة [120].

ومنها:

حرصه صلى الله عليه وسلم على نجاه امته وقبول الله لها؛

اذ الح على الله بالدعاء لها بالمغفره عشيه عرفه وفي مزدلفه [121]،

وحين طلب احدهم الدعاء منه عمم دعاءه فقال:

«غفر الله لكم» [122].

ومنها:

حرصه صلى الله عليه وسلم على البلاغ من خلال وضوح البيان والتكرار لما يحتاج الى ذلك،

وتركه تشقيق الامور؛

اذ اقتصر صلى الله عليه وسلم في خطبة على بيان اصول الاسلام والمحرمات العظام وبعض القواعد التي تحتاج الى مزيد بيان حتى يوعى عنه ويفهم [123].

ومنها:

استجابته صلى الله عليه وسلم لرغبات الناس وتحقيقة لمطالبهم تطييبا لنفوسهم ومراعاه لخواطرهم [124].

ه – صبره صلى الله عليه وسلم على الناس:

جمع لرسول الله صلى الله عليه وسلم في الحج انواع الصبر الثلاثه في ان واحد؛

اذ كان ابر اصحابه رضي الله عنهم بالله،

واعظمهم صبرا في امتثال الاوامر وفعل القربات حتى يؤديها بطمانينه واخبات وخشوع بين يدي مولاه سبحانه [125].

كما كان صلى الله عليه وسلم اتقاهم لله تعالى،

واعلمهم به،

واغضبهم له،

واحفظهم لحدوده،

وابعدهم عن انتهاك حرماته [126].

اما صبره صلى الله عليه وسلم على الناس وتحمله لمشقه قيادتهم دون ملل او سخط او تضجر فامر يبهر العقل،

ويكفي للتدليل عليه تصور وظائفه صلى الله عليه وسلم وادراك حالة في الموسم وواقع من حج بهم.

فاما وظائفه:

فقد كان صلى الله عليه وسلم عبدا لله حريصا على تحقيق الكمال البشري في التذلل لله والانكسار بين يديه سبحانه،

واداء النسك على وجهه.

وكان صلى الله عليه وسلم قائدا للناس وراعيا لهم ومسؤولا عن احوالهم واجتماع كلمتهم.

وكان صلى الله عليه وسلم معلما مرشدا لتلك الافواج الضخمه من البشر ومربيا لها على الخير،

يختلج في صدره حرص شديد على تحقيق الكمال في تبليغ الرساله وبيان الاحكام.

و – رفقه صلى الله عليه وسلم بالناس:

وفي الحج بان رفقه صلى الله عليه وسلم بالناس اثناء قيادته لهم في مواقف عده:

منها:

استظلاله صلى الله عليه وسلم وركوبه في التنقل بين المشاعر،

وغير ذلك من جوانب اليسر التي لو فعل صلى الله عليه وسلم خلافها لكان على العباد في التاسي به مشقه عظيمه [127].

ومنها:

ركوبه صلى الله عليه وسلم اثناء اداء بعض المناسك كالطواف والسعي خشيه ان يدفع عنه الناس ويضربوا بين يديه [128].

ومنها:

بروزه صلى الله عليه وسلم للناس طوال الموسم لكي لا يشق على الناس تاسيهم به او سؤاله عما يشكل عليهم [129].

ومنها:

تخفيفه صلى الله عليه وسلم على الناس وعدم تكليفهم من الامر فوق ما يطيقون،

سواء من جهه اعمال النسك او من جهه قيادته الحجيج وتوليه امرهم،

وهذا جلي لمن تامل سيرته صلى الله عليه وسلم في الحج [130].

ومنها:

عدم قربه صلى الله عليه وسلم الكعبه بعد طوافه بها طواف القدوم حتى رجع من عرفه [131]،

واستقراره صلى الله عليه وسلم على الصحيح بمنى في ايام التشريق،

وعدم خروجه منها الى الحرم الا حين اراد الوداع،

وفي ذلك من الرفق ما هو ظاهر [132].

ومنها:

اختياره صلى الله عليه وسلم للايسر دوما؛

كما تقدم من امره صلى الله عليه وسلم من لم يسق الهدي من اصحابه رضي الله عنهم بالحل،

وجمعه صلى الله عليه وسلم للصلوات في عرفه ومزدلفه،

وقصره للصلاه بمنى [133].

ومنها:

امره صلى الله عليه وسلم لاصحابه رضي الله عنهم بالرفق بانفسهم،

ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم حين راى رجلا يسوق بدنه وهو يمشي:

«اركبها،

فقال:

انها بدنه،

فقال:

اركبها،

قال:

انها بدنه،

قال:

اركبها ويلك في الثالثة او في الثانيه» [134].

الثالث:

احوال النبي صلى الله عليه وسلم في الحج مع اهله:

كان النبي صلى الله عليه وسلم ارعى الخلق لقريب،

واحناهم على رحم،

واكثرهم احسانا الى اهل،

شهد المخالطون له صلى الله عليه وسلم بذلك،

فوصفة واصفهم بانه صلى الله عليه وسلم كان «ابر الناس واوصل الناس» [135].

وفي الحج تجلى بره باهله،

وصلته صلى الله عليه وسلم لرحمه،

واحسانه الى اقاربه في صور شتى ومشاهد مختلفه،

ومن الاهمية بمكان الاشاره قبل تعداد شيء من ذلك الى ان اهل بيت النبوه رضي الله عنهم قد شاركوا الناس فيما افادهم به صلى الله عليه وسلم،

ومن دلائل ذلك قول عائشه رضي الله عنها مخاطبه رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«سمعتك تقول لاصحابك ما قلت؛

فمنعت العمره»،

بل ان المتامل في امر النسك يجد ان كثيرا من احكامه منقول عنهم،

وذلك لما كان لهم رضي الله عنهم من مزيد لصوق به صلى الله عليه وسلم واختصاص دون الناس،

ولعل من ابرز احواله صلى الله عليه وسلم معهم ما يلي:

1 – تعليمهم احكام النسك:

اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بتعليم اهل بيته احكام النسك ليصفو لهم تقربهم،

وتصح منهم عبادتهم،

ومن دلائل ذلك:

ما جاء في حديث ام سلمه رضي الله عنها قالت:

«سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:

اهلوا يا ال محمد بعمره في حج» [136]،

وقوله صلى الله عليه وسلم لعائشه رضي الله عنها حين حاضت قبل ان تطوف بالبيت:

«افعلي ما يفعل الحاج غير ان لا تطوفي بالبيت» [137]،

وقوله صلى الله عليه وسلم لاغيلمه بني عبدالمطلب ليلة مزدلفه:

«لا ترموا الجمره حتى تطلع الشمس» [138]،

وما روي عنه صلى الله عليه وسلم حين قالت له عائشه رضي الله عنها:

الا نبني لك بيتا يظلك بمنى

فقال:

«انما منى مناخ من سبق» [139].

2 – مواساتهم ومراعاه خواطرهم:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يواسي اهل بيته حين كان الامر يقع على خلاف ما يشتهون،

ويراعي خواطرهم؛

فيفعل ما يريدون اذا كان الامر لا يعارض مراد الله تعالى،

وابرز ما كان هذا الامر مع زوجه عائشه رضي الله عنها وذلك حين دخل عليها وهي تبكي؛

لانها منعت العمره المفرده بسبب الحيض،

فواساها صلى الله عليه وسلم قائلا:

«فلا يضرك،

انت من بنات ادم،

كتب الله عليك ما كتب عليهن،

فكوني في حجتك عسى الله ان يرزقكها» [140]،

وحين قالت رضي الله عنها:

«يا رسول الله

اترجع صواحبي بحج وعمره وارجع انا بالحج

فامر رسول الله صلى الله عليه وسلم عبدالرحمن بن ابي بكر،

فذهب بها الى التنعيم،

فلبت بالعمره» [141].

3 – الرفق بهم والتيسير على ضعيفهم وصاحب الحاجة منهم:

كان النبي صلى الله عليه وسلم في الحج رفيقا بال بيته،

رحيما بهم،

يحن على ضعيفهم ويختار الايسر لهم،

ويعطف على صاحب الحاجة منهم ويخفف عنه،

والشواهد الداله على ذلك عديده،

منها:

اختياره صلى الله عليه وسلم الايسر لزوجاته وامرهن به،

كما في حديث حفصه رضي الله عنها:

«ان النبي صلى الله عليه وسلم امر ازواجه ان يحللن عام حجه الوداع» [142].

ومنها:

قوله صلى الله عليه وسلم لما دخل على ضباعه بنت الزبير رضي الله عنها وهي وجعه:

«حجي واشترطي،

وقولي:

اللهم محلي حيث حبستني» [143].

4 – ازاله ما لديهم من منكر:

حرص النبي صلى الله عليه وسلم على تنقيه ال بيته رضي الله عنهم من المعاصي،

وتصفيتهم من المنكرات؛

فكان اذا وقع احدهم في منكر انكر عليه،

وصرفه عنه،

ومن ذلك انكاره صلى الله عليه وسلم العملي على الفضل بن العباس رضي الله عنهما النظر الى المرأة الخثعميه التي جاءت تسال النبي صلى الله عليه وسلم ومنعه له من الاستمرار في ذلك [144]،

بل انه صلى الله عليه وسلم جعل من ال بيته في هذا الجانب قدوه للناس،

ومن ذلك حين قام صلى الله عليه وسلم خطيبا في وسط الناس بعرفه فقال:

«الا كل شيء من امر الجاهليه تحت قدمي موضوع،

ودماء الجاهليه موضوعه،

وان اول دم اضع من دمائنا:

دم ابن ربيعه بن الحارث كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل،

وربا الجاهليه موضوع،

واول ربا اضع ربانا:

ربا عباس بن عبدالمطلب؛

فانه موضوع كله».

5 – تشجيعهم على الخير وحثهم عليه:

كان النبي صلى الله عليه وسلم يحث ال بيته رضي الله عنهم على فعل الطاعات،

ويشجعهم على التزود من الخيرات،

ومن ذلك:

انه حين مر على بني عمومته،

وهم ينزعون الماء من بئر زمزم ويسقون الناس خاطبهم قائلا:

«انزعوا بني عبدالمطلب؛

فلولا ان يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم» [145]،

بل انه صلى الله عليه وسلم كان ييسر لهم ذلك،

ومنه:

اذنه لعمه العباس رضي الله عنه بالبيتوته بمكه ليالي ايام التشريق من اجل سقايته الحجيج [146].

6 – وقايتهم من الفتن:

الفتن مفسدات للقلوب،

مزيغات للالباب،

وحين تجتمع الاعداد الغفيره من الذكور والاناث تكون الفرصه مهياه لحصولها،

وبخاصة فتنه النساء،

ولذا نجد النبي صلى الله عليه وسلم يخاف على ال بيته رضي الله عنهم في الحج منها؛

ويحرص صلى الله عليه وسلم على حمايتهم عند تعرضهم لها،

ومن الشواهد الداله على ذلك:

اسدال نسائه صلى الله عليه وسلم بحضرته للجلابيب على وجوههن وهن محرمات عند محاذاه الرجال لهن،

فاذا جاوزوهن كشفن [147].

ومنها:

توجيهه صلى الله عليه وسلم لنسائه بعدم مخالطه الرجال في الطواف مع انهن رضي الله عنهن كن يطفن معهم،

كما يدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم لام سلمه رضي الله عنها:

«طوفي من وراء الناس وانت راكبه» [148]،

وفي روايه انه صلى الله عليه وسلم قال لها:

«اذا اقيمت صلاه الصبح فطوفي على بعيرك والناس يصلون ففعلت ولم تصل حتى خرجت» [149]،

وكما يفهم ذلك من حديث ابن جريج قال:

«اخبرني عطاء اذ منع ابن هشام النساء الطواف مع الرجال،

قال:

كيف يمنعهن وقد طاف نساء النبي صلى الله عليه وسلم مع الرجال

قلت:

ابعد الحجاب او قبل

قال:

اي لعمري

لقد ادركته بعد الحجاب،

قلت:

كيف يخالطن الرجال

قال:

لم يكن يخالطن،

كانت عائشه رضي الله عنها تطوف حجره من الرجال لا تخالطهم،

فقالت:

امراه انطلقي نستلم يا ام المؤمنين

قالت:

عنك.

وابت،

فكن يخرجن متنكرات بالليل فيطفن مع الرجال،

ولكنهن كن اذا دخلن البيت قمن حتى يدخلن،

واخرج الرجال» [150].

7 – الاحسان اليهم:

تعددت وجوه احسانه صلى الله عليه وسلم الى ال بيته وتنوعت بصورة جعلت المتامل يجزم بان كل احواله صلى الله عليه وسلم معهم احسان؛

اذ ما من جانب الا وانت راء ان فضله صلى الله عليه وسلم عليهم ظاهر،

وجوده عليهم بين،

ودلائل ذلك فوق الحصر،

ومن اوضح ذلك:

حرصه صلى الله عليه وسلم على ادائهم للنسك معه،

واقناعه لمن لم يكن ينوي منهم الخروج بالمبادره الى ذلك،

كما في قصة ضباعه رضي الله عنها حين دخل عليها النبي صلى الله عليه وسلم فقال لها:

«اردت الحج

قالت:

والله ما اجدني الا وجعه،

فقال لها:

حجي واشترطي وقولي:

اللهم محلي حيث حبستني» [151].

ومنها:

خروجه صلى الله عليه وسلم بجميع نسائه رضي الله عنهن [152]،

وهو امر يفوق العدل كما هو جلي لمن تدبر؛

اذ كان بوسعه صلى الله عليه وسلم ان لا يخرج بواحده منهن،

او ان يقرع بينهن ويخرج باحداهن.

8 – الاستعانه بهم واستعمالهم:

استعان النبي صلى الله عليه وسلم بال بيته رضي الله عنهم،

واستنابهم واستعملهم في بعض امره،

ومن شواهد ذلك:

جعله صلى الله عليه وسلم زوجه عائشه رضي الله عنها تفتل له قلائد بدنه من صوف كان عندها بالمدينه قبل ان يحرم [153].

ومنها:

ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال:

«قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غداه العقبه وهو على ناقته:

القط لي حصى،

فلقطت له سبع حصيات» [154].

ومنها:

اعطاؤه صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه ما بقي من بدنه لينحرها [155]،

وامره صلى الله عليه وسلم له بان يقوم على بدنه،

وبان يتصدق على الناس بلحومها وجلودها واجلتها [156].

ومنها:

استسقاؤه صلى الله عليه وسلم من بني عمه حين جاء اليهم وهم يسقون الناس من زمزم،

فقال لعمه العباس رضي الله عنه:

«اسقني،

فشرب منه» [157]،

ويدل عليه ايضا حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال:

«سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم» [158].

وبعد:

فان ما سبق من سطور لا يعدو ان يكون ومضات مشرقه من احواله صلى الله عليه وسلم في الحج،

كتبت من مقل على عجل،

راجيا من ربي قبولها والنفع بها،

لتكون عونا للسائرين اليه عز وجل على حج مبرور وذنب مغفور،

والموضوع اكبر من ان يحيط به مثلي،

وهو بحاجة الى مزيد بحث،

وامعان فكر،

وتدقيق نظر،

اسال الله ان يهيئ له من يقوم به على وجهه من اهل العلم،

انه على كل شيء قدير،

وبالاجابه جدير،

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد،

وعلى اله واصحابه اجمعين.

  • احوال النبي في الحج مع امته

239 views

احوال النبي في الحج