12:53 صباحًا السبت 21 يوليو، 2018

احوال النبي في الحج



احوال ألنبى فِى ألحج

صوره احوال النبي في الحج

امر الله تعالي عباده بِاتباع نبيه صلي الله عَليه و سلم فقال عز و جل و ما أتاكم ألرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا ألحشر:
7)،
وجعله سبحانه قدوه حِسنه لَهُم فقال:
)لقد كَان لكُم فِى رسول الله أسوه حِسنه لمن كَان يرجو الله و أليَوم ألاخر و ذكر الله كثِيرا ألاحزاب:
21).

والحج مِن أوضحِ عبادات ألاسلام ألَّتِى يتجلي فيها أتباع ألنبى صلي الله عَليه و سلم و ألتاسى بِه،
والملحوظ فِى و أقع ألناس أليَوم سيطره ألحديث عَن ألاحكام و أنشغالهم بِتعداد ألاخطاءَ ألَّتِى تقع فيه،
وما يصحِ بِِه ألنسك او يبطل،
ومع اهمية هَذا ألجانبِ و ضرورته نتيجة تفشى ألجهل و دوران صحة ألعمل او بِطلانه علَي ذلك،
الا انه أدي الي نسيان ألكثير مِن جوانبِ ألتاسى بِالنبى صلي الله عَليه و سلم،
واغفال أعداد غفيره مِن ألحجيج لمعان كثِيرة راعاها ألنبى صلي الله عَليه و سلم أثناءَ أدائه لنسكه،
وفي ظل هَذا ألغيابِ أصبحِ ألمرء يري فِى ألحج ألعديد مِن ألمظاهر ألَّتِى يقع فيها كثِير مِن طلبه ألعلم ألحريصين علَي تطبيق ألسنه فضلا عَن غَيرهم،
وهى غَير متفقه مَع هديه صلي الله عَليه و سلم،
ولذا جاءت هَذه ألمقاله لتحاول أعطاءَ توصيف أشمل و صورة أدق عَن أحواله صلي الله عَليه و سلم فِى ألحج لعل فِى ذلِك مزيد عون للمتاسين بِِه صلي الله عَليه و سلم،
والسائرين علَي نهجه.
ونظرا لكثرة ألحديث عَن صفه نسكه صلي الله عَليه و سلم فلن تتعرض ألمقاله لذلك،
وستكتفي بِابراز نماذج و أشارات عامة فِى ألجوانبِ ألأُخري نظرا لكون ألموضوع أوسع مِن أن تحيط بِِه مقاله او تكفي فِى عرضه ألموارد ألمعتمده.

ورغبه فِى تقريبِ ألموضوع و لم شتاته للقارئ فسيَكون فِى ثلاثه محاور رئيسه ألاول:
احوال ألنبى صلي الله عَليه و سلم فِى ألحج مَع ربه:

لم يشغل ألنبى صلي الله عَليه و سلم تعليم ألحجيج و قيادتهم و ألعنايه بِاهل بِيته و رعايه زوجاته عَن ألصله بِربه و ألانكسار بَِين يديه،
وقد أخذ ذلِك صورا و أشكالا شتي مِن أبرزها:

صوره احوال النبي في الحج

1 – تحقيق ألتوحيد و ألعنايه بِه:

يعد ألتوحيد احد ألقضايا ألرئيسه ألَّتِى عمل ألنبى صلي الله عَليه و سلم فِى ألحج علَي تحقيقها و ألعنايه بِها،
وهَذا جلى مِن خِلال ألتامل فِى أعماله صلي الله عَليه و سلم فِى ألحج،
ومن ذلك:
التلبيه و هى شعار ألحج ألَّتِى تتضمن أفراد الله و حِده لا شريك لَه بِالعمل،
واستمر صلي الله عَليه و سلم يلهج بِها منذُ دخوله فِى ألنسك الي حِين رميه لجمَره ألعقبه يوم ألنحر.

ومنها:
عنايته صلي الله عَليه و سلم بِاخلاص ألعمل و سؤاله ربه أن يجنبه ألرياءَ و ألسمعه كَما فِى حِديث أنس رضى الله عنه مرفوعا قال:
«اللهم حِجه لا رياءَ فيها و لا سمعه»[1].

ومنها:
دعاؤه صلي الله عَليه و سلم علَي ألصفا و ألمروه بِالتوحيد كَما فِى حِديث جابر رضى الله عنه قال:
«فبدا بِالصفا فرقي عَليه حِتّي راي ألبيت،
فاستقبل ألقبله فوحد الله و كبره،
وقال:
لا أله ألا الله و حِده لا شريك له،
له ألملك،
وله ألحمد،
وهو علَي كُل شيء قدير،
لا أله ألا الله و حِده… قال مِثل هَذا ثلاث مرات… حِتّي أتي ألمروه ففعل علَي ألمروه كَما فعل علَي ألصفا..»[2].

2 – أظهار ألبراءه مِن ألمشركين و تعمد مخالفتهم:

حرص ألنبى صلي الله عَليه و سلم علَي مخالفه ألمشركين و ألسير علَي سنه أبينا أبراهيم عَليه ألسلام فِى كثِير مِن شعائر ألحج و أحكامه،
ووصل ألامر غايته حِين تبرا صلي الله عَليه و سلم مِن أعمال ألمشركين فِى خطبته يوم عرفه،
واخبر أن كُل شيء مِن أمر ألجاهليه فَهو موضوع تَحْت قدميه[3].
والشعائر ألَّتِى بِان فيها تعمدة ألمخالفه كثِيره،
من اهمها:
التلبيه،
وقد كَان ألمشركون يضمنونها ألشرك بِالله و يقولون فيها:
(الا شريكا هُو لك تملكه و ما ملك)؛
فاخلص ألنبى صلي الله عَليه و سلم فيها ألتوحيد،
ونبذ ألشرك و تبرا مِنه[4].

ومنها:
وقوفه مَع ألناس بِعرفه و مخالفته لكفار قريش ألَّذِين كَانوا يقفون فِى مزدلفه

ويقولون:
لا نفيض ألا مِن ألحرم[5].

ومنها:
افاضته مِن مزدلفه قَبل طلوع ألشمس مخالفا ألمشركين ألَّذِين كَانوا لا يفيضون مِنها حِتّي تطلع ألشمس،
ويقولون:
اشرق ثبير كيما نغير[6].

3 – كثرة ألتضرع و ألمناجاه و ألدعاء:

للدعاءَ منزله رفيعه؛
اذ هُو «اظهار غايه ألتذلل و ألافتقار الي الله و ألاستكانه له»[7]،
ولذا قال ألنبى صلي الله عَليه و سلم:
«الدعاءَ هُو ألعباده»[8]،
وقد كَان للنبى صلي الله عَليه و سلم فِى ألحج مِنه أوفر ألحظ و ألنصيب؛
فقد دعا ربه فِى ألطواف[9]،
وعِند ألوقوف علَي ألصفا و ألمروه،
واطال فِى ألدعاءَ يوم عرفه و هو علَي ناقته رافعا يديه الي صدره كاستطعام ألمسكين منذُ أن أستقر فِى مقامه ألَّذِى و قف فيه بَِعد ألصلاة الي أن غربت ألشمس،
وفي مزدلفه فِى ألمشعر ألحرام منذُ أن صلي ألفجر الي أن أسفر جداً قَبل أن تطلع ألشمس [10]،
وفي أيام ألتشريق بَِعد رمى ألجمرتين ألاوليين كَان يستقبل ألقبله و يقُوم طويلا يدعو و يرفع يديه[11].

هَذا شيء مما نقل عنه فِى دعاءَ ألمساله.
اما دعاءَ ألثناءَ و ألذكر فلم يفارقه صلي الله عَليه و سلم منذُ أن دخل فِى ألنسك الي أن عاد الي ألمدينه؛
اذ لَم يزل صلي الله عَليه و سلم رطبِ أللسان بِذكر الله مكثرا مِن ألثناءَ علَي الله بِما هُو أهله مِن تلبيه و تكبير و تهليل و تسبيحِ و تحميد راكبا و ماشيا و في كُل أحواله صلي الله عَليه و سلم كَما هُو جلى لمن قرا صفه حِجه صلي الله عَليه و سلم و تتبع أحواله فيه[12].

ومن ألاهمية بِمكان ألتنبيه علَي أن ألمنقول مِن دعائه صلي الله عَليه و سلم و تضرعه و ثنائه علَي ربه فِى ألحج قلِيل جداً بِالنسبة لما لَم ينقل؛
اذ ألاصل أن ذلِك سر بَِين ألعبد و ربه،
وإنما جهر صلي الله عَليه و سلم بِما جهر بِِه حِين كَان يُريد تاسى أمته بِه،
والا فإن ذكر الله مِن غايات ألحج و مقاصده ألعظام كَما يلمحِ ذلِك مِن قوله عز و جل:
)فاذا أفضتم مِن عرفات فاذكروا الله عِند ألمشعر ألحرام و أذكروه كَما هداكم و أن كنتم مِن قَبله لمن ألضالين ثُم أفيضوا مِن حِيثُ أفاض ألناس و أستغفروا الله أن الله غفور رحيم فاذا قضيتِم مناسككم فاذكروا الله كذكركم أباءكم او أشد ذكرا ألبقره:
198-200)،
بل أن أعمال ألحج و شعائره إنما شرعت لذكر الله تعالي كَما يدل عَليه حِديث عائشه رضى الله عنها مرفوعا:
«إنما جعل ألطواف بِالبيت و بِين ألصفا و ألمروه و رمى ألجمار لاقامه ذكر ألله»[13]،
وقول رسول الله صلي الله عَليه و سلم:
«ايام ألتشريق أيام أكل و شربِ و ذكر لله»[14].

4 – ألتوقف عِند حِدود الله عز و جل:

الوقوف عِند حِدود الله تعالي غايه ألتقوي و دليل صدق ألايمان و علامه كمال ألعبوديه،
وقد كَان ألنبى صلي الله عَليه و سلم أعلم ألناس بِحدود ربه،
واتقاهم له،
واكثرهم تعظيما لحرماته،
وقد لاحِ ذلِك فِى ألحج فِى مواقف شتى،
منها:
عندما لَم يحل مِن أحرامه مراعاه لاصحابه؛
لانه ساق ألهدي؛
وذلِك انه صلي الله عَليه و سلم أمر مِن لَم يسق ألهدى مِن أصحابه بِان يحلوا أحرامهم و يجعلوا حِجهم عمره؛
فتاخروا فِى ذلِك ظنا مِنهم انه لَم يعزم عَليهم فِى ذلِك و إنما أبان لَهُم ألجواز،
وقال بَِعضهم معبرا عَن عدَم رغبته فِى ألحل مِن ألاحرام:
«ناتى عرفه تقطر مذاكيرنا ألمني»
فقام ألنبى صلي الله عَليه و سلم فيهم حِين بِلغه ذلِك فقال:
«قد علمتم أنى أتقاكم لله و أصدقكم و أبركم،
ولولا هديى لحللت كَما تحلون فحلوا»[15].

ومِنها قوله صلي الله عَليه و سلم عَن زوجه صفيه رضى الله عنها حِين حِاضت ليلة ألنفر و قبل أن يعلم انها طافت طواف ألافاضه يوم ألنحر:
«ما أراها ألا حِابستكم»[16] مَع ما فِى ذلِك مِن ألحرج ألشديد لَه امام ألخلق؛
اذ كَيف يحبس ألناس عَن ألنفير بِسببها؟!

5 – ألخشوع و ألسكينه:

يدرك حِضور ألقلبِ و خشوعه بِسكون ألجوارحِ و وقارها؛
اذ ألظاهر عنوان ألباطن[17]،
وقد جمع ألنبى صلي الله عَليه و سلم فِى حِجه بَِين ألامرين؛
فكان حِاضر ألقلبِ غَير متشاغل بِشيء عَن نسكه،
خاضعا لربه فيه،
ذليلا منكسرا بَِين يدى مولاه،
مكثرا مِن ألتضرع و ألمناجاه مَع أطاله للقيام و رفع لليدين أثناءَ ذلك[18].

كَما كَان ألنبى صلي الله عَليه و سلم خاشع ألجوارحِ يسير سيرا لينا بِسكينه و وقار،
ويؤدى مناسكه بِتؤده و أطمئنان،
يدل علَي ذلِك حِديث جابر رضى الله عنه قال:
«افاض رسول الله صلي الله عَليه و سلم و عليه ألسكينه»[19]،
وحديث عبدالله بِن عباس رضى الله عنهما «انه دفع مَع ألنبى صلي الله عَليه و سلم يوم عرفه،
فسمع ألنبى صلي الله عَليه و سلم و راءه زجرا شديدا و ضربا و صوتا للابل،
فاشار بِسوطه أليهم،
وقال:
ايها ألناس عليكم بِالسكينه؛
فان ألبر ليس بِالايضاع»[20].

6 – ألاستكثار مِن ألخير و مباشرته:

حث الله عباده علَي ألتزود مِن ألتقوي و ألتسابق فِى ألخيرات،
فقال عز و جل:
)وتزودوا فإن خير ألزاد ألتقوي و أتقون يا أولى ألالبابِ ألبقره:
197)،
وقد كَان هَذا هدى ألنبى صلي الله عَليه و سلم فِى ألحج و ديدنه فيه،
ومن ألمظاهر ألداله علَي ذلك:
حرصه صلي الله عَليه و سلم علَي ألمجيء بِمستحبات ألنسك كالاغتسال للاحرام[21]،
والتطيبِ عِند ألاهلال بِِه و عِند ألخروج مِنه[22]،
واشعار ألهدى و تقليده[23]،
والاكثار مِن ألتلبيه و ألجهر بِها حِتّي رمى جمَره ألعقبه[24]،
وبدء ألبيت بِالطواف[25]،
والرمل فيه[26]،
والاستلام للركنين[27]،
وصلاه ركعتى ألطواف خَلف ألمقام[28]،
والدعاءَ علَي ألصفا و ألمروه،
والسرعه ألشديده فِى بِطن ألوادي[29]،
والذكر عِند أستلام ألركنين و رمى ألجمار[30]،
وغيرها مِن ألسنن كثِير.

7 – ألتوازن و ألاعتدال:

خير ألامور ألوسط،
وكلا طرفي قصد ألامور ذميم،
وقد كَان مِن أبرز أحوال ألمصطفى صلي الله عَليه و سلم و ما تجلي مِن خلقه فِى ألحج ألتوازن و ألاعتدال،
وكراهيه ألافراط و ألتفريط،
ولعل ألَّذِى يعنينا مِن ذلِك فِى حِالة مَع ربه عز و جل أمران:

الاول:
اعتداله صلي الله عَليه و سلم و موازنته بَِين ألعنايه بِنفسه مِن خِلال قوه صلته بِربه مِن جهه [31]،
وبين ألتعليم لامته و قيادتها،
والرعايه لزوجاته و ألحنو علَي أهل بِيته مِن جهه اُخري [32].

الثاني:
اعتداله صلي الله عَليه و سلم و موازنته بَِين كُل مِن حِقوق روحه

وجسده؛
اذ فِى ذلِك ألجو ألايمانى ألمهيبِ ألَّذِى قَد يدفع ألكثيرين الي ألتفريط فِى حِق ألجسد و ألافراط فِى حِق ألروحِ نجده صلي الله عَليه و سلم معتنيا بِجسده غايه ألعنايه؛
اذ صعد يوم ألترويه الي مني ليقربِ مِن عرفه[33]،
ونام ليلة عرفه و مزدلفه[34]،
وافطر يوم عرفه[35]،
وترك ليلة جمع صلاه ألنافله[36]،
واستظل فيه بِقبه مِن شعر ضربت لَه قَبل[37]،
وركبِ فِى تنقلاته بَِين ألمشاعر[38] و أثناءَ قيامه بِبعض أعمال ألحج[39]،
واتخذ صلي الله عَليه و سلم مِن يخدمه و يقُوم بِامره[40]… و نحو ذلِك مِن ألامور ألَّتِى ترفق بِالجسد،
وتمكنه مِن ألتقوى علَي ألعباده و أداءَ ألنسك بِحضور قلبِ و تدبر و خشوع و طمانينه.

8 – ألزهد فِى ألدنيا:

كان ألنبى صلي الله عَليه و سلم زاهدا فِى ألدنيا،
معرضا عما لا ينفع فِى ألاخره مِنها،
ومظاهر زهده صلي الله عَليه و سلم فِى ألحج بِالدنيا و تعلق قلبه بِالاخره كثِيرة لا تكاد تحصى،
ومن أبرزها:
انه حِج علَي رحل رث و قطيفه تساوى أربعه دراهم او لا تساوي[41].

ومنها:
اردافه صلي الله عَليه و سلم علَي راحلته امام ألحجيج أسامه بِن زيد رضى الله عنهما مِن عرفه الي مزدلفه،
و ألفضل بِن ألعباس رضى الله عنهما مِن مزدلفه الي منى[42].

ومنها:
عدَم تميزه فِى ألموسم عَن ألناس بِشيء،
واعظم ما تجلي فيه ذلِك انه صلي الله عَليه و سلم «جاءَ الي ألسقايه فاستسقي فقال ألعباس:
يا فضل
اذهبِ الي أمك فائت رسول الله صلي الله عَليه و سلم بِشرابِ مِن عندها،
فقال:
اسقني،
قال:
يا رسول الله
انهم يجعلون أيديهم فيه.
قال:
اسقني،
فشربِ مِنه»[43]،
وفي روايه انهم حِين قالوا:
ناتيك بِِه مِن ألبيت قال:
«لا حِاجة لِى فيه،
اسقونى مما يشربِ مِنه ألناس»[44].

ومنها:
عظم هديه؛
اذ قربِ مائه بِدنه[45]،
ومن تعلق قلبه بِالدنيا فانه لا يخرج شيئا فَوق ألحد ألواجب.

ومنها:
جمعه بَِين ألهدى و ألاضحيه[46] مَع أن ألهدى يجزئ ألحاج عنها.

الثاني:
احوال ألنبى صلي الله عَليه و سلم فِى ألحج مَع أمته:

عجبِ أمر رسول الله صلي الله عَليه و سلم فِى ألحج؛
اذ قام بِتعليم ألناس و قيادتهم فِى أن و أحد؛
ومع ذلِك فما انت مريد أن تري شيئا فعله صلي الله عَليه و سلم معهم علَي خلاف ألاولي ألا و أنت عاجز عَن ذلك.

وكل أحواله صلي الله عَليه و سلم و ألوظائف ألَّتِى قام بِها مَع أمته داله علَي عظمته و علو مرتبته،
ولعل مِن أبرز ذلك:

1 – ألتعليم:

بعث الله رسوله صلي الله عَليه و سلم «معلما ميسرا»[47]،
وقد بِلغ ألغايه فِى ذلك،
فشهد لَه ألناس بِانه ما راي ألخلق «معلما قَبله و لا بَِعده أحسن تعليما مِنه»[48]،
ومن تامل حِجه صلي الله عَليه و سلم و جد انه هُو ذلِك ألمعلم ألموصوف بِعينه؛
اذ أمر صلي الله عَليه و سلم بِان يؤذن قَبل ألحج فِى ألناس بِانه صلي الله عَليه و سلم يُريد ألحج ليسَهل علَي مِن يُريد مرافقته ألسفر معه،
فقدم ألمدينه بِشر كثِير كلهم يلتمس أن ياتم بِِه و ياخذ عنه[49]،
فاختلط بِالناس و أشرف لهم،
وبرز طوال ألموسم[50]،
وكان احد لا يصرف عنه و لا يدفع[51]،
ولم يكن حِوله ضربِ و لا طرد و لا قول:
اليك أليك[52].

وحرص صلي الله عَليه و سلم علَي ألبلاغ و أقامه ألحجه علَي ألخلق فحفزهم علَي ألتعلم،
وشحذ هممهم،
وشد أنتباههم الي ما يقول و يفعل بِتنويع أساليبِ ألخطابِ و طرق ألتعليم،
وامَره لَهُم بِاخذ ألمناسك عنه لاحتمال أن تَكون حِجته ألاخيره[53]،
ومطالبته أياهم بِالشهاده لَه بِالبلاغ؛
اذ مرارا ما خاطبهم بَِعد أن يتِم تعليمهم قائلا:
«الا هَل بِلغت؟»[54]،
فيشهد ألناس لَه بِذلِك قائلين:
«نشهد أنك قَد بِلغت و أديت و نصحت»[55].

ولم يقتصر صلي الله عَليه و سلم علَي ألبلاغ و ألتعليم بِنفسه،
بل أتخذ مِن يبلغ عنه[56]،
وارسل ألرسل لذلك[57].

وابرز ألامور ألَّتِى أهتم ألنبى صلي الله عَليه و سلم بِتعليم ألناس أياها هِى أحكام ألمناسك ألَّتِى جمع فيها ألنبى بَِين ألبيان و ألتطبيق ألعملي[58].

ومن ذلك:
بيان منزله أركان ألاسلام و مبانيه ألعظام؛
اذ قال صلي الله عَليه و سلم فِى أحدي خطبة فِى ألموسم:
«اتقوا ربكم،
وصلوا خمسكم،
وصوموا شهركم،
وادوا زكاه أموالكم،
واطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنه ربكم»[59].

ومن ذلك:
بيان خطوره ألشرك و بِعض ألمحرمات ألعظام؛
اذ قال صلي الله عَليه و سلم:
«إنما هن أربع:
لا تشركوا بِالله شيئا،
ولا تقتلوا ألنفس ألَّتِى حِرم الله ألا بِالحق،
ولا تسرقوا،
ولا تزنوا»[60].

2 – ألافتاء:

من اهم أحوال ألنبى صلي الله عَليه و سلم و ألاعمال ألَّتِى تقلبِ فيها مَع ألناس فِى ألحج تبيين ألمشَكل عَليهم مِن ألاحكام و ألجوابِ عَن أستفساراتهم،
ومن أشهر فتاويه صلي الله عَليه و سلم فِى ألحج «ان أمراه مِن خثعم قالت:
يا رسول الله
ان أبى شيخ كبير عَليه فريضه الله فِى ألحج و هو لا يستطيع أن يستوى علَي ظهر بِعيره،
فقال ألنبى صلي الله عَليه و سلم:
فحجى عنه»[61]،
وقوله صلي الله عَليه و سلم لكُل مِن ساله عَن ألتقديم و ألتاخير فِى أعمال يوم ألنحر:
«افعل و لا حِرج»[62].

والملحوظ:
في أفتائه صلي الله عَليه و سلم فِى ألموسم أمور مِن أوضحها:

وقوفه صلي الله عَليه و سلم للناس و بِروزه لَهُم ليروه و يسالوه[63].

ومنها:
جنوحه الي ألتيسير فِى فتاويه[64] و ألتخفيف علَي ذوى ألحاجات[65].

ومنها:
حرصه صلي الله عَليه و سلم علَي ألاقناع لمن يستفتيه كقوله صلي الله عَليه و سلم لرجل قال له:
«يا رسول الله
ان أبى أدركه ألاسلام،
وهو شيخ كبير لا يثبت علَي راحلته،
افاحج عنه
قال:
ارايت لَو كَان عَليه دين فقضيته عنه أكان يجزيه
قال:
نعم.
قال:
فاحجج عَن أبيك»[66].

ومنها:
صبره صلي الله عَليه و سلم علَي ألسائلين و أحتماله لاذاهم مَع ألرفق و ألرحمه بِهم[67].

3 – ألوعظ:

كان للنبى صلي الله عَليه و سلم فِى ألوعظ أليد ألطولي و ألقدحِ ألمعلى؛
اذ بِعثه الله مبشرا و نذيرا،
فارشد أمته الي ألخير و رغبها فيه،
ونهاها عَن ألشر و رهبها مِنه.

وفي ألحج كَان للوعظ و ألتوجيه ميدان فسيحِ و وجود ظاهر،
حتي أن ألنبى صلي الله عَليه و سلم أعاد ألتذكير بِبعض ألقواعد و ألامور ألهامه[68] مِن غَير ما تكلف اكثر مِن مره،
وقد تناول و عظه صلي الله عَليه و سلم موضوعات عده كَان مِن اهمها:

التزهيد فِى ألدنيا؛
اذ قال صلي الله عَليه و سلم قَبل ألغروبِ بِعرفات:
«ايها ألناس
انه لَم يبق مِن دنياكم فيما مضي مِنها ألا كَما بِقى مِن يومكم هَذا فيما مضي مِنه»[69].

ومنها:
الامر بِالتقوي و ألدلاله علَي ما يدخل ألمرء ألجنه؛
اذ قال صلي الله عَليه و سلم:
«اتقوا ربكم،
وصلوا خمسكم؛
وصوموا شهركم،
وادوا زكاه أموالكم،
واطيعوا ذا أمركم تدخلوا جنه ربكم»[70].

ومنها:
بيان أن لا احد يحمل جريره أحد،
وان ألمسؤوليه امام ألمولي عز و جل فرديه؛
اذ قال صلي الله عَليه و سلم:
«الا لا يجنى جان ألا علَي نفْسه،
لا يجنى و ألد علَي و لده،
ولا مولود علَي و ألده» [71].

ومنها:
الترغيبِ فِى ترك ألفسوق و ألعصيان أثناءَ ألنسك و ألاشتغال بِما ينفع؛
اذ قال صلي الله عَليه و سلم:
«من حِج هَذا ألبيت فلم يرفث و لم يفسق رجع كيوم و لدته أمه» [72]،
وقوله صلي الله عَليه و سلم:
«ليس ألبر بِايضاع ألخيل و لا ألركاب» [73].

ومنها:
التحذير مِن ألغلو؛
اذ قال صلي الله عَليه و سلم:
«يا أيها ألناس
اياكم و ألغلو فِى ألدين؛
فإنما أهلك مِن كَان قَبلكُم ألغلو فِى ألدين» [74] .

ومنها:
الوصايه بِالضعفاءَ مِن ألنساءَ و ألارقاءَ و ألامر بِالاحسان أليهم؛
اذ قال صلي الله عَليه و سلم:
«فاتقوا الله فِى ألنساء؛
فانكم أخذتموهن بِامان ألله،
واستحللتم فروجهن بِِكُلمه ألله» [75]،
وجاءَ فِى حِديث مرفوع:
«ارقاءكم أرقاءكم أرقاءكم أطعموهم مما تاكلون،
والبسوهم مما تلبسون؛
فان جاؤوا بِذنبِ لا تُريدون أن تغفروه فبيعوا عباد الله و لا تعذبوهم» [76].

4 – توحيد ألامه،
وتحذيرها مِن ألفتن و دواعى ألافتراق:

كان ألحج بِما يحمل فِى طياته مِن و حِده بَِين أفراد ألامه فِى ألشعور و ألمشاعر فرصه سانحه لتوحيد ألامه و تحذيرها مِن ألفتنه و دواعى ألفرقه،
وقد أهتم ألنبى صلي الله عَليه و سلم بِهَذا ألامر و أولاه عنايته،
وقد أخذ ذلِك ألاهتمام مظاهر شتي مِن أبرزها:

تسويته صلي الله عَليه و سلم بَِين أفراد ألامه،
وعدَم تمييزه بِينهم ألا بِالتقوى؛
اذ قال صلي الله عَليه و سلم:
«ان ربكم و أحد،
واباكم و أحد؛
الا لا فضل لعربى علَي عجمي،
ولا لعجمى علَي عربي،
ولا لاسود علَي أحمر،
ولا أحمر علَي أسود ألا بِالتقوى» [77].

ومنها:
امَره صلي الله عَليه و سلم بِالسمع و ألطاعه لمن يقيم كتابِ الله عز و جل،
ولزوم ألجماعة و ألنصحِ للائمه؛
حيثُ قال صلي الله عَليه و سلم:
«ان أمر عليكم عبد مجدع أسود يقودكم بِكتابِ الله فاسمعوا لَه و أطيعوا» [78]،
وقال صلي الله عَليه و سلم بِالخيف مِن منى:
«ثلاث لا يغل عَليهن قلبِ مؤمن:
اخلاص ألعمل لله،
والنصيحه لولاه ألمسلمين،
ولزوم جماعتهم؛
فان دعوتهم تحيط مِن و رائهم» [79].

ومنها:
تحذيره صلي الله عَليه و سلم مِن ألاستجابه لتحريش ألشيطان؛
حيثُ قال صلي الله عَليه و سلم:
«ان ألشيطان قَد أيس أن يعبده ألمصلون فِى جزيره ألعرب،
ولكن فِى ألتحريش بِينهم» [80].

ومنها:
نهيه صلي الله عَليه و سلم عَن ألابتداع فِى ألدين؛
اذ قال صلي الله عَليه و سلم محذرا أمته:
«الا و أنى مستنقذ أناسا،
ومستنقذ منى أناس فاقول:
ياربِ أصيحابى
فيقول:
انك لا تدرى ما أحدثوا بَِعدك» [81].

ومنها:
نهيه صلي الله عَليه و سلم عما يسَببِ ألفرقه و يؤدى الي ألفتنه فِى ألمجتمع ألمسلم كالاقتتال؛
حيثُ قال صلي الله عَليه و سلم بَِعد أن أستنصت ألناس:
«لا ترجعوا بَِعدى كفارا يضربِ بَِعضكم رقابِ بَِعض» [82].

وكالاستهانه بِدماءَ ألاخرين و أموالهم و أعراضهم؛
حيثُ قال صلي الله عَليه و سلم فِى خطبة ألثلاث فِى عرفه و يوم ألنحر و أوسط أيام ألتشريق:
«فان دماءكم و أموالكُم و أعراضكم بِينكم حِرام كحرمه يومكم هَذا فِى شهركم هَذا فِى بِلدكم هذا» [83].

وكالظلم و أخذ أموال ألناس بِغير طيبِ نفْس مِنهم؛
حيثُ قال صلي الله عَليه و سلم:
«اسمعوا منى تعيشوا:
الا لا تظلموا،
الا لا تظلموا،
الا لا تظلموا؛
انه لا يحل مال أمرئ مسلم ألا بِطيبِ نفْس مِنه» [84].

5 – ألتربيه علَي ألاتباع و توحيد مصدر ألتلقي:

الاسلام هُو ألخضوع و ألذل لله و حِده و ألاذعان لما جاءَ بِِه رسوله صلي الله عَليه و سلم،
ولا تثبت قدم احد فيه ما لَم يسلم لنصوص ألوحي،
وينقاد أليها و لا يعترض علَي شيء مِنها [85]،
والحج أيه فِى ألانقياد و مدرسة فِى ألتسليم و ألاستسلام،
ربي ألنبى صلي الله عَليه و سلم فيه أصحابه رضى الله عنهم علَي توحيد متابعته،
وغرس فِى نفوسهم ضروره ألتاسى بِه.
يقول جابر رضى الله عنه و أصفا ألحال:
«ورسول الله صلي الله عَليه و سلم بَِين أظهرنا،
وعليه ألقران ينزل،
وهو يعرف تاويله،
وما عمل مِن شيء عملنا بِه» [86]،
فانتجت تلك ألتربيه ألعظيمه ثمرات يانعه مباركه.

ومظاهر تربيته صلي الله عَليه و سلم فِى ألحج لاصحابه رضى الله عنهم علَي ألمتابعة و ألاقتصار فِى ألاخذ و ألتلقى علَي نصوص ألوحى كثِيره،
من أبرزها:

مطالبته صلي الله عَليه و سلم ألحجيج فِى مواطن عده خِلال ألموسم بِالتاسى بِِه و تحفيزه أياهم علَي ذلِك بِذكر أحتمال أن تَكون حِجته تلك آخر حِجه له؛
اذ قال صلي الله عَليه و سلم مرارا:
«لتاخذوا مناسككم؛
فانى لا أدرى لعلى لا أحج بَِعد حِجتى هذه» [87].

ومنها:
حثه صلي الله عَليه و سلم ألناس فِى خطبته يوم عرفه علَي ألاعتصام بِالتنزيل و ألتمسك بِه؛
لان ذلِك طريق ألوقايه مِن ألزيغ و ألضلال؛
حيثُ قال صلي الله عَليه و سلم:
«وقد تركت فيكم ما لَن تضلوا بَِعده أن أعتصمتم بِه:
كتابِ ألله» [88].

ومنها:
تحذيره صلي الله عَليه و سلم أمته مِن أتباع ألاهواءَ و ألابتداع فِى ألدين؛
اذ قال صلي الله عَليه و سلم و هو و أقف علَي ناقته بِعرفات:
«الا و أنى فرطكم علَي ألحوض،
واكاثر بِكم ألامم؛
فلا تسودوا و جهي،
الا و أنى مستنقذ أناسا و مستنقذ منى أناس،
فاقول:
يا ربِ أصيحابي،
فيقول:
انك لا تدرى ما أحدثوا بَِعدك» [89].

6 ألقياده ألناجحه و ألمعامله ألحسنه:

جمل الله تعالي رسوله صلي الله عَليه و سلم بِكمالات ألاخلاق،
وزينه بِاجل ألاداب،
فامتلك لذلِك مقومات ألقياده ألناجحه و ألاساليبِ ألمثلي للمعامله ألحسنه،
فهوت لذلِك أليه ألافئده،
وتدافع عَليه ألناس حِين بِلغهم عزمه علَي ألحج كُل يُريد ألسير فِى رعايته و تحت لوائه،
فحج معه اكثر مِن مائه ألف أنسان [90] كُل يُريد أن ياتم بِِه و يعمل مِثل عمله [91] فاثر صلي الله عَليه و سلم فِى نفوسهم أعمق تاثير،
ووجههم أحسن توجيه،
وقادهم أعظم قياده عرفتها ألبشريه.

ولن تستطيع هَذه ألكلمات ألقليلات ألاتيان علَي كافه جوانبِ عظمته صلي الله عَليه و سلم فِى قياده تلك ألافواج ألضخمه مِن ألحجيج و أبراز تعامله ألفذ معها؛
ولذا فستقتصر علَي ذكر أشارات و تجليه جوانبِ مختصرة لتَكون أنموذجا لما خَلفها و دليلا علَي ما و راءها،
وذلِك فيما يلي:

ا – جعله صلي الله عَليه و سلم مِن نفْسه قدوه حِسنه:

عابِ الله عز و جل علَي بَِعض عباده قول ألخير و ألامر بِِه دون فعله،
فقال سبحانه:
)اتامرون ألناس بِالبر و تنسون أنفسكم و أنتم تتلون ألكتابِ أفلا تعقلون ألبقره:
44)،
ولان خلق رسول الله صلي الله عَليه و سلم كَان ألقران [92]؛
فما كَان عَليه ألصلاة و ألسلام ليامر أمته بِامر ألا و كان أسبقهم أليه،
وما كَان لينهاهم عَن شيء ألا و كان أبعدهم مِنه،
وفي ألحج تجلي لديه صلي الله عَليه و سلم هَذا ألخلق ألسامى فِى مواقف عده،
من أبرزها:

ما جاءَ فِى خطبة ألوداع حِين قال صلي الله عَليه و سلم:
«الا كُل شيء مِن أمر ألجاهليه تَحْت قدمى موضوع،
ودماءَ ألجاهليه موضوعه،
وان اول دم أضع مِن دمائنا دم أبن ربيعه بِن ألحارث كَان مسترضعا فِى بِنى سعد فقتلته هذيل،
وربا ألجاهليه موضوع،
واول ربا أضع ربانا ربا عباس بِن عبدالمطلبِ فانه موضوع» [93].

ومنها:
انه صلي الله عَليه و سلم فِى ألوقت ألَّذِى كَان يحث أصحابه علَي بِر ألحج و ألاشتغال بِالطاع و ألخضوع لله عز و جل و ألانكسار بَِين يديه سبحانه[94] كَان اكثرهم تقربا و خشيه،
واعظمهم ذلا لله تعالي و ضراعه بَِين يديه [95].

ومنها:
انه صلي الله عَليه و سلم فِى ألوقت ألَّذِى كَان يحث أصحابه علَي ألزهد فِى ألدنيا و ألتعلق بِالاخره [96] كَان يحج علَي رحل رث و قطيفه لا تكاد تساوى أربعه دراهم [97].

ومنها:
انه صلي الله عَليه و سلم أمر بِترك ألمزاحمه و أداءَ ألنسك بِتؤده و طمانينه،
وافاض هُو صلي الله عَليه و سلم بِسكينه و كان يسير علَي مهله [98].

ومنها:
انه صلي الله عَليه و سلم نهي أصحابه عَن ألغلو فِى ألدين و أمرهم بِان يرموا ألجمَره بِمثل حِصي ألخذف [99]،
ورماها هُو صلي الله عَليه و سلم بِمثل ما أمرهم بِِه [100].

وهَذا ألامر مِن أعظم ما دعا ألناس الي حِبه صلي الله عَليه و سلم،
وحملهم علَي ألتاثر بِه؛
اذ هُو عنوان أستقامه ألقياده و أخلاصها و دليل أيمأنها فيما تامر بِِه و جديتها فِى تنفيذه.

بِ – تواضعه صلي الله عَليه و سلم مَع ألناس:

التواضع سيد ألاخلاق و مصيده ألشرف،
ومن أسبابِ رفعه الله تعالي للعبد كَما جاءَ فِى حِديث أبى هريره رضى الله عنه مرفوعا:
«وما تواضع احد لله ألا رفعه ألله» [101]،
وقد أمر الله سبحانه بِِه نبيه صلي الله عَليه و سلم فقال عز و جل:
)واخفض جناحك لمن أتبعك مِن ألمؤمنين ألشعراء:
215 فامتثل صلي الله عَليه و سلم أمر ربه،
فبلغ فِى ألتواضع منزله لا يطاوله فيها احد مِن ألخلق.

وفي ألحج تجلي تواضعه صلي الله عَليه و سلم فِى قيادته للناس مِن خِلال مواقف و صور شتي كَان مِن أبرزها:

ما تقدم مِن أن حِجه صلي الله عَليه و سلم كَان علَي رحل رث،
وقطيفه لا تكاد تساوى أربعه دراهم [102].

ومنها:
اباؤه صلي الله عَليه و سلم ألتميز عَن ألناس بِشيء،
ومن أجلي ما ظهر فيه ذلك:
رفضه صلي الله عَليه و سلم أن يخص بِماءَ لَم تجعل فيه ألايدى دون ألناس،
وقوله صلي الله عَليه و سلم حِين عرض عَليه ذلك:
«لا حِاجة لِى فيه،
اسقونى مما يشربِ مِنه ألناس» [103].

ومنها:
اردافه صلي الله عَليه و سلم لاسامه بِن زيد رضى الله عنهما مِن عرفه الي مزدلفه امام ألخلق و هو مِن ألموالى [104].

ومنها:
وقوفه صلي الله عَليه و سلم لامراه مِن أحاد ألناس يستمع أليها و يجيبِ عَن سؤالها [105].

ومنها:
تمكن كُل احد مِن ألوصول أليه و قضاءَ بِغيته مِنه بِيسر أذ لَم يكن صلي الله عَليه و سلم يتخذ حِجابا يصرفون ألناس عنه و يمنعونهم مِن مقابلته و ألتحدث معه [106].

فكسبِ صلي الله عَليه و سلم بِتواضعه ألجم قلوبِ ألناس و ثقتهم،
ونال محبتهم.

ج – رحمته صلي الله عَليه و سلم بِالناس:

الاسلام دين ألرحمه،
وشريعته مبنيه علَي ألعطف و ألشفقه فِى أصولها و فروعها [107]؛
ولذا فمن ألبدهى أن ألنبى صلي الله عَليه و سلم لَم يبعث ألا رحمه كَما قال تعالى:
)وما أرسلناك ألا رحمه للعالمين ألانبياء:
107 و كَما أخبر صلي الله عَليه و سلم عَن نفْسه بِذلِك فقال:
«إنما بِعثت رحمه» [108].

وفي ألحج نري رحمته صلي الله عَليه و سلم فِى قياده ألناس متجليه فِى مواقف كثِيرة و صور متنوعه،
كان مِن أبرزها:

الزامه صلي الله عَليه و سلم لمن لَم يسق ألهدى مِن أصحابه بِالحل ألكامل مِن ألاحرام،
والذى يتضمن أتيان ألنساءَ و لبس ألثيابِ و مس ألطيبِ رحمه بِالامه و تخفيفا عنها [109].

ومنها:
جمعه صلي الله عَليه و سلم لصلاتى ألظهر و ألعصر فِى عرفات[110]،
وتاخيرة للصلاه حِين أفاض الي مزدلفه [111] حِتّي لا يشق علَي ألناس بِتعدَد ألنزول،
ويتمكن ألحاج مِن أناخه بِعيره و وضع متاعه فِى ألموضع ألَّذِى سيبيت فيه.

ومنها:
اذنه صلي الله عَليه و سلم للضعفه فِى ألافاضه مِن مزدلفه قَبل ألناس ليلا حِين يغيبِ ألقمر حِتّي يتمكنوا مِن أداءَ أعمال يوم ألنحر قَبل ألناس تخفيفا عنهم و وقايه لَهُم مِن ألزحام [112].

ومنها:
تيسيره صلي الله عَليه و سلم علَي ألناس فِى ألتقديم و ألتاخير فِى أعمال يوم ألنحر،
وقوله لمن ساله عَن ذلك:
«افعل و لا حِرج» [113].

ومنها:
تخفيفه صلي الله عَليه و سلم عَن أصحابِ ألحاجات كاذنه لعمه ألعباس رضى الله عنه بِان يبيت بِمكه ليالى مني مِن أجل سقايته ألحاج [114]،
واذنه لرعاه ألابل بِان يجمعوا رمى يومين بَِعد يوم ألنحر فيرمونه فِى أحدهما [115]

ومنها:
تركه صلي الله عَليه و سلم لفعل ألافضل فِى أحيان رحمه بِالناس و رفقا بِهم كركوبه فِى ألطواف و ألسعى و أستلامه ألحجر بِمحجن،
وتركه تقبيله و أستلامه بِاليد،
والمشى فِى ألطواف و ألسعى و هو افضل لكى لا يصرف ألناس عنه و يضربوا بَِين يديه [116].

د – أحسانه صلي الله عَليه و سلم الي ألناس:

وفي ألحج نجد أن أحسانه صلي الله عَليه و سلم أثناءَ قيادته للناس لا يحد؛
اذ ما انت متامل فِى جانبِ ألا و تري أحسانه فيه بِارزا،
وبما أن حِصر دلائل أحسانه صلي الله عَليه و سلم فِى كافه ألجوانبِ أمر يطول و ليس بِغايه،
فسيقتصر فيما يلى علَي أمثله مِن ذلك:

اكثاره صلي الله عَليه و سلم فِى ألموسم مِن ألبذل و ألعطاء؛
اذ قسم فِى ألمساكين بِدنه ألمائه كلها:
لحومها و جلودها و جلالها [117]،
وقسم ألصدقة علَي ألناس فِى اكثر مِن موضع [118].

ومنها:
احسانه صلي الله عَليه و سلم الي أسامه بِن زيد و ألفضل بِن ألعباس رضى الله عنهم بِاردافهما خَلفه علَي راحلته خِلال ألتنقل بَِين عرفه و مزدلفه و مني [119].

ومنها:
احسانه صلي الله عَليه و سلم الي ألضعفاءَ مِن خِلال ألوصايه بِهم فِى خطبة [120].

ومنها:
حرصه صلي الله عَليه و سلم علَي نجاه أمته و قبول الله لها؛
اذ ألحِ علَي الله بِالدعاءَ لَها بِالمغفره عشيه عرفه و في مزدلفه [121]،
وحين طلبِ أحدهم ألدعاءَ مِنه عمم دعاءه فقال:
«غفر الله لكم» [122].

ومنها:
حرصه صلي الله عَليه و سلم علَي ألبلاغ مِن خِلال و ضوحِ ألبيان و ألتكرار لما يحتاج الي ذلك،
وتركه تشقيق ألامور؛
اذ أقتصر صلي الله عَليه و سلم فِى خطبة علَي بِيان أصول ألاسلام و ألمحرمات ألعظام و بِعض ألقواعد ألَّتِى تَحْتاج الي مزيد بِيان حِتّي يوعي عنه و يفهم [123].

ومنها:
استجابته صلي الله عَليه و سلم لرغبات ألناس و تحقيقة لمطالبهم تطييبا لنفوسهم و مراعاه لخواطرهم [124].

ه – صبره صلي الله عَليه و سلم علَي ألناس:

جمع لرسول الله صلي الله عَليه و سلم فِى ألحج أنواع ألصبر ألثلاثه فِى أن و أحد؛
اذ كَان أبر أصحابه رضى الله عنهم بِالله،
واعظمهم صبرا فِى أمتثال ألاوامر و فعل ألقربات حِتّي يؤديها بِطمانينه و أخبات و خشوع بَِين يدى مولاه سبحانه [125].

كَما كَان صلي الله عَليه و سلم أتقاهم لله تعالى،
واعلمهم بِه،
واغضبهم له،
واحفظهم لحدوده،
وابعدهم عَن أنتهاك حِرماته [126].

اما صبره صلي الله عَليه و سلم علَي ألناس و تحمله لمشقه قيادتهم دون ملل او سخط او تضجر فامر يبهر ألعقل،
ويكفي للتدليل عَليه تصور و ظائفه صلي الله عَليه و سلم و أدراك حِالة فِى ألموسم و واقع مِن حِج بِهم.

فاما و ظائفه:
فقد كَان صلي الله عَليه و سلم عبدا لله حِريصا علَي تحقيق ألكمال ألبشرى فِى ألتذلل لله و ألانكسار بَِين يديه سبحانه،
واداءَ ألنسك علَي و جهه.

وكان صلي الله عَليه و سلم قائدا للناس و راعيا لَهُم و مسؤولا عَن أحوالهم و أجتماع كلمتهم.

وكان صلي الله عَليه و سلم معلما مرشدا لتلك ألافواج ألضخمه مِن ألبشر و مربيا لَها علَي ألخير،
يختلج فِى صدره حِرص شديد علَي تحقيق ألكمال فِى تبليغ ألرساله و بِيان ألاحكام.

و – رفقه صلي الله عَليه و سلم بِالناس:

وفي ألحج بِان رفقه صلي الله عَليه و سلم بِالناس أثناءَ قيادته لَهُم فِى مواقف عده:

منها:
استظلاله صلي الله عَليه و سلم و ركوبه فِى ألتنقل بَِين ألمشاعر،
وغير ذلِك مِن جوانبِ أليسر ألَّتِى لَو فعل صلي الله عَليه و سلم خلافها لكان علَي ألعباد فِى ألتاسى بِِه مشقه عظيمه [127].

ومنها:
ركوبه صلي الله عَليه و سلم أثناءَ أداءَ بَِعض ألمناسك كالطواف و ألسعى خشيه أن يدفع عنه ألناس و يضربوا بَِين يديه [128].

ومنها:
بروزه صلي الله عَليه و سلم للناس طوال ألموسم لكى لا يشق علَي ألناس تاسيهم بِِه او سؤاله عما يشَكل عَليهم [129].

ومنها:
تخفيفه صلي الله عَليه و سلم علَي ألناس و عدَم تكليفهم مِن ألامر فَوق ما يطيقون،
سواءَ مِن جهه أعمال ألنسك او مِن جهه قيادته ألحجيج و توليه أمرهم،
وهَذا جلى لمن تامل سيرته صلي الله عَليه و سلم فِى ألحج [130].

ومنها:
عدَم قربه صلي الله عَليه و سلم ألكعبه بَِعد طوافه بِها طواف ألقدوم حِتّي رجع مِن عرفه [131]،
واستقراره صلي الله عَليه و سلم علَي ألصحيحِ بِمني فِى أيام ألتشريق،
وعدَم خروجه مِنها الي ألحرم ألا حِين أراد ألوداع،
وفي ذلِك مِن ألرفق ما هُو ظاهر [132].

ومنها:
اختياره صلي الله عَليه و سلم للايسر دوما؛
كَما تقدم مِن أمَره صلي الله عَليه و سلم مِن لَم يسق ألهدى مِن أصحابه رضى الله عنهم بِالحل،
وجمعه صلي الله عَليه و سلم للصلوات فِى عرفه و مزدلفه،
وقصره للصلاه بِمني [133].

ومنها:
امَره صلي الله عَليه و سلم لاصحابه رضى الله عنهم بِالرفق بِانفسهم،
ومن ذلِك قوله صلي الله عَليه و سلم حِين راي رجلا يسوق بِدنه و هو يمشي:

«اركبها،
فقال:
أنها بِدنه،
فقال:
اركبها،
قال:
أنها بِدنه،
قال:
اركبها و يلك فِى ألثالثة او فِى ألثانيه» [134].

الثالث:
احوال ألنبى صلي الله عَليه و سلم فِى ألحج مَع أهله:

كان ألنبى صلي الله عَليه و سلم أرعي ألخلق لقريب،
واحناهم علَي رحم،
واكثرهم أحسانا الي أهل،
شهد ألمخالطون لَه صلي الله عَليه و سلم بِذلك،
فوصفة و أصفهم بِانه صلي الله عَليه و سلم كَان «ابر ألناس و أوصل ألناس» [135].

وفي ألحج تجلي بِره بِاهله،
وصلته صلي الله عَليه و سلم لرحمه،
واحسانه الي أقاربه فِى صور شتي و مشاهد مختلفه،
ومن ألاهمية بِمكان ألاشاره قَبل تعداد شيء مِن ذلِك الي أن أهل بِيت ألنبوه رضى الله عنهم قَد شاركوا ألناس فيما أفادهم بِِه صلي الله عَليه و سلم،
ومن دلائل ذلِك قول عائشه رضى الله عنها مخاطبه رسول الله صلي الله عَليه و سلم:
«سمعتك تقول لاصحابك ما قلت؛
فمنعت ألعمره»،
بل أن ألمتامل فِى أمر ألنسك يجد أن كثِيرا مِن أحكامه منقول عنهم،
وذلِك لما كَان لَهُم رضى الله عنهم مِن مزيد لصوق بِِه صلي الله عَليه و سلم و أختصاص دون ألناس،
ولعل مِن أبرز أحواله صلي الله عَليه و سلم معهم ما يلي:

1 – تعليمهم أحكام ألنسك:

اهتم ألنبى صلي الله عَليه و سلم بِتعليم أهل بِيته أحكام ألنسك ليصفو لَهُم تقربهم،
وتصحِ مِنهم عبادتهم،
ومن دلائل ذلك:

ما جاءَ فِى حِديث أم سلمه رضى الله عنها قالت:
«سمعت رسول الله صلي الله عَليه و سلم يقول:
اهلوا يا أل محمد بِعمَره فِى حِج» [136]،
وقوله صلي الله عَليه و سلم لعائشه رضى الله عنها حِين حِاضت قَبل أن تطوف بِالبيت:
«افعلى ما يفعل ألحاج غَير أن لا تطوفي بِالبيت» [137]،
وقوله صلي الله عَليه و سلم لاغيلمه بِنى عبدالمطلبِ ليلة مزدلفه:
«لا ترموا ألجمَره حِتّي تطلع ألشمس» [138]،
وما روى عنه صلي الله عَليه و سلم حِين قالت لَه عائشه رضى الله عنها:
الا نبنى لك بِيتا يظلك بِمني
فقال:
«إنما مني مناخ مِن سبق» [139].

2 – مواساتهم و مراعاه خواطرهم:

كان ألنبى صلي الله عَليه و سلم يواسى أهل بِيته حِين كَان ألامر يقع علَي خلاف ما يشتهون،
ويراعى خواطرهم؛
فيفعل ما يُريدون إذا كَان ألامر لا يعارض مراد الله تعالى،
وابرز ما كَان هَذا ألامر مَع زوجه عائشه رضى الله عنها و ذلِك حِين دخل عَليها و هى تبكي؛
لأنها مَنعت ألعمَره ألمفرده بِسَببِ ألحيض،
فواساها صلي الله عَليه و سلم قائلا:
«فلا يضرك،
انت مِن بِنات أدم،
كتبِ الله عليك ما كتبِ عَليهن،
فكونى فِى حِجتك عسي الله أن يرزقكها» [140]،
وحين قالت رضى الله عنها:
«يا رسول الله
اترجع صواحبى بِحج و عمَره و أرجع انا بِالحج
فامر رسول الله صلي الله عَليه و سلم عبدالرحمن بِن أبى بِكر،
فذهبِ بِها الي ألتنعيم،
فلبت بِالعمره» [141].

3 – ألرفق بِهم و ألتيسير علَي ضعيفهم و صاحبِ ألحاجة مِنهم:

كان ألنبى صلي الله عَليه و سلم فِى ألحج رفيقا بِال بِيته،
رحيما بِهم،
يحن علَي ضعيفهم و يختار ألايسر لهم،
ويعطف علَي صاحبِ ألحاجة مِنهم و يخفف عنه،
والشواهد ألداله علَي ذلِك عديده،
منها:

اختياره صلي الله عَليه و سلم ألايسر لزوجاته و أمرهن بِه،
كَما فِى حِديث حِفصه رضى الله عنها:
«ان ألنبى صلي الله عَليه و سلم أمر أزواجه أن يحللن عام حِجه ألوداع» [142].

ومنها:
قوله صلي الله عَليه و سلم لما دخل علَي ضباعه بِنت ألزبير رضى الله عنها و هى و جعه:
«حجى و أشترطي،
وقولي:
اللهم محلى حِيثُ حِبستني» [143].

4 – أزاله ما لديهم مِن منكر:

حرص ألنبى صلي الله عَليه و سلم علَي تنقيه أل بِيته رضى الله عنهم مِن ألمعاصي،
وتصفيتهم مِن ألمنكرات؛
فكان إذا و قع أحدهم فِى منكر أنكر عَليه،
وصرفه عنه،
ومن ذلِك أنكاره صلي الله عَليه و سلم ألعملى علَي ألفضل بِن ألعباس رضى الله عنهما ألنظر الي ألمرأة ألخثعميه ألَّتِى جاءت تسال ألنبى صلي الله عَليه و سلم و منعه لَه مِن ألاستمرار فِى ذلِك [144]،
بل انه صلي الله عَليه و سلم جعل مِن أل بِيته فِى هَذا ألجانبِ قدوه للناس،
ومن ذلِك حِين قام صلي الله عَليه و سلم خطيبا فِى و سَط ألناس بِعرفه فقال:
«الا كُل شيء مِن أمر ألجاهليه تَحْت قدمى موضوع،
ودماءَ ألجاهليه موضوعه،
وان اول دم أضع مِن دمائنا:
دم أبن ربيعه بِن ألحارث كَان مسترضعا فِى بِنى سعد فقتلته هذيل،
وربا ألجاهليه موضوع،
واول ربا أضع ربانا:
ربا عباس بِن عبدالمطلب؛
فانه موضوع كله».

5 – تشجيعهم علَي ألخير و حِثهم عَليه:

كان ألنبى صلي الله عَليه و سلم يحث أل بِيته رضى الله عنهم علَي فعل ألطاعات،
ويشجعهم علَي ألتزود مِن ألخيرات،
ومن ذلك:
انه حِين مر علَي بِنى عمومته،
وهم ينزعون ألماءَ مِن بِئر زمزم و يسقون ألناس خاطبهم قائلا:
«انزعوا بِنى عبدالمطلب؛
فلولا أن يغلبكم ألناس علَي سقايتكم لنزعت معكم» [145]،
بل انه صلي الله عَليه و سلم كَان ييسر لَهُم ذلك،
ومنه:
اذنه لعمه ألعباس رضى الله عنه بِالبيتوته بِمكه ليالى أيام ألتشريق مِن أجل سقايته ألحجيج [146].

6 – و قايتهم مِن ألفتن:

الفتن مفسدات للقلوب،
مزيغات للالباب،
وحين تجتمع ألاعداد ألغفيره مِن ألذكور و ألاناث تَكون ألفرصه مهياه لحصولها،
وبخاصة فتنه ألنساء،
ولذا نجد ألنبى صلي الله عَليه و سلم يخاف علَي أل بِيته رضى الله عنهم فِى ألحج مِنها؛
ويحرص صلي الله عَليه و سلم علَي حِمايتهم عِند تعرضهم لها،
ومن ألشواهد ألداله علَي ذلك:

اسدال نسائه صلي الله عَليه و سلم بِحضرته للجلابيبِ علَي و جوههن و هن محرمات عِند محاذاه ألرجال لهن،
فاذا جاوزوهن كشفن [147].

ومنها:
توجيهه صلي الله عَليه و سلم لنسائه بَِعدَم مخالطه ألرجال فِى ألطواف مَع انهن رضى الله عنهن كن يطفن معهم،
كَما يدل علَي ذلِك قوله صلي الله عَليه و سلم لام سلمه رضى الله عنها:
«طوفي مِن و راءَ ألناس و أنت راكبه» [148]،
وفي روايه انه صلي الله عَليه و سلم قال لها:
«اذا أقيمت صلاه ألصبحِ فطوفي علَي بِعيرك و ألناس يصلون ففعلت و لم تصل حِتّي خرجت» [149]،
وكَما يفهم ذلِك مِن حِديث أبن جريج قال:
«اخبرنى عطاءَ أذ مَنع أبن هشام ألنساءَ ألطواف مَع ألرجال،
قال:
كيف يمنعهن و قد طاف نساءَ ألنبى صلي الله عَليه و سلم مَع ألرجال
قلت:
ابعد ألحجابِ او قَبل
قال:
اى لعمرى
لقد أدركته بَِعد ألحجاب،
قلت:
كيف يخالطن ألرجال
قال:
لم يكن يخالطن،
كَانت عائشه رضى الله عنها تطوف حِجره مِن ألرجال لا تخالطهم،
فقالت:
امراه أنطلقى نستلم يا أم ألمؤمنين
قالت:
عنك.
وابت،
فكن يخرجن متنكرات بِالليل فيطفن مَع ألرجال،
ولكنهن كن إذا دخلن ألبيت قمن حِتّي يدخلن،
واخرج ألرجال» [150].

7 – ألاحسان أليهم:

تعددت و جوه أحسانه صلي الله عَليه و سلم الي أل بِيته و تنوعت بِصورة جعلت ألمتامل يجزم بِان كُل أحواله صلي الله عَليه و سلم معهم أحسان؛
اذ ما مِن جانبِ ألا و أنت راءَ أن فضله صلي الله عَليه و سلم عَليهم ظاهر،
وجوده عَليهم بِين،
ودلائل ذلِك فَوق ألحصر،
ومن أوضحِ ذلك:

حرصه صلي الله عَليه و سلم علَي أدائهم للنسك معه،
واقناعه لمن لَم يكن ينوى مِنهم ألخروج بِالمبادره الي ذلك،
كَما فِى قصة ضباعه رضى الله عنها حِين دخل عَليها ألنبى صلي الله عَليه و سلم فقال لها:
«اردت ألحج
قالت:
والله ما أجدنى ألا و جعه،
فقال لها:
حجى و أشترطى و قولي:
اللهم محلى حِيثُ حِبستني» [151].

ومنها:
خروجه صلي الله عَليه و سلم بِجميع نسائه رضى الله عنهن [152]،
وهو أمر يفوق ألعدل كَما هُو جلى لمن تدبر؛
اذ كَان بِوسعه صلي الله عَليه و سلم أن لا يخرج بِواحده مِنهن،
او أن يقرع بِينهن و يخرج بِاحداهن.

8 – ألاستعانه بِهم و أستعمالهم:

استعان ألنبى صلي الله عَليه و سلم بِال بِيته رضى الله عنهم،
واستنابهم و أستعملهم فِى بَِعض أمره،
ومن شواهد ذلك:

جعله صلي الله عَليه و سلم زوجه عائشه رضى الله عنها تفتل لَه قلائد بِدنه مِن صوف كَان عندها بِالمدينه قَبل أن يحرم [153].

ومنها:
ما رواه أبن عباس رضى الله عنهما قال:
«قال رسول الله صلي الله عَليه و سلم غداه ألعقبه و هو علَي ناقته:
القط لِى حِصى،
فلقطت لَه سبع حِصيات» [154].

ومنها:
اعطاؤه صلي الله عَليه و سلم لعلى رضى الله عنه ما بِقى مِن بِدنه لينحرها [155]،
وامَره صلي الله عَليه و سلم لَه بِان يقُوم علَي بِدنه،
وبان يتصدق علَي ألناس بِلحومها و جلودها و أجلتها [156].

ومنها:
استسقاؤه صلي الله عَليه و سلم مِن بِنى عمه حِين جاءَ أليهم و هم يسقون ألناس مِن زمزم،
فقال لعمه ألعباس رضى الله عنه:
«اسقني،
فشربِ مِنه» [157]،
ويدل عَليه ايضا حِديث أبن عباس رضى الله عنهما قال:
«سقيت رسول الله صلي الله عَليه و سلم مِن زمزم فشربِ و هو قائم» [158].

وبعد:

فان ما سبق مِن سطور لا يعدو أن يَكون و مضات مشرقه مِن أحواله صلي الله عَليه و سلم فِى ألحج،
كتبت مِن مقل علَي عجل،
راجيا مِن ربى قبولها و ألنفع بِها،
لتَكون عونا للسائرين أليه عز و جل علَي حِج مبرور و ذنبِ مغفور،
والموضوع أكبر مِن أن يحيط بِِه مِثلي،
وهو بِحاجة الي مزيد بِحث،
وامعان فكر،
وتدقيق نظر،
اسال الله أن يهيئ لَه مِن يقُوم بِِه علَي و جهه مِن أهل ألعلم،
انه علَي كُل شيء قدير،
وبالاجابه جدير،
وصلي الله و سلم علَي سيدنا محمد،
وعلي أله و أصحابه أجمعين.

  • احوال النبي في الحج مع امته
173 views

احوال النبي في الحج

شاهد أيضاً

صوره قصة النبي اسحاق عليه السلام

قصة النبي اسحاق عليه السلام

قصة ألنبى أسحاق عَليه ألسلام في ألمسيحيه و أليهوديه اسحق هُو أبن و وريث أبراهيم …